رواية أحببتها رغما عني للكاتبة نونا المصري الفصل الثاني
ألتفت حسام عندما ناداه سليم وابتسم قائلاً بنبرة ثملة: سليم كويس انك جيت علشان اودعك يا صاحبي قبل ما موت.
اقترب سليم منه ثم قال بحذر: حسام بلاش عبط وانزل من عندك بسرعة!
فصاح حسام قائلاً: مش نازل، انا عايز اموت لان دا اهون عليا من اني اعيش طول عمري مذلول.
سليم: متعملش كدا علشان ابنك، هو مفضلوش حد غيرك دلوقتي.
حسام: دا مش سبب كافي علشان افضل عايش، سلام يا صاحبي.
قال ذلك ثم اراد ان يقفز ولكن سليم امسك به ودفعه حتى سقط على سطح البناية، ثم صرخ به قائلاً: انت مجنون. عايز تنتحر بالبساطة دي؟!
في تلك اللحظة بدأ حسام يبكي كما لو انه طفل وقال بحرقة قلب: رجاء سابتني يا سليم، سابتني وهربت مع واحد تاني، ليه عملت كدا؟ انا بحبها اوي ليه خانتني وغدرت بيا؟
سليم: انا عارف ان دا صعب عليك جداً بس مع كدا الانتحار مش هو الحل يا حسام. لأنك أب لطفل صغير ولازم تهتم بيه بعد ما امه سابته.
فسأله حسام بنبرة مقهورة: وانا يا سليم، ليه لازم اتحمل الإهانة والبهدلة دي طول عمري؟
ربت سليم على كتفه قائلاً: معلش يا صاحبي، انت لازم تستحمل عشان ابنك.
حسام: سيبني انتحر يا سليم على الاقل مش هسمع الناس بيتكلموا عليا ويقولوا دا اللي مراته هربت مع واحد تاني.
سليم: هيجي يوم وكل الناس يموتوا فيه علشان كدا مش لازم تستعجل موتك ابداً، وجايز ربنا رماك في الموقف الصعب دا علشان يختبر صبرك وبما اني صاحبك فمن واجبي اني امنعك تعمل حاجة مجنونة وتنتحر، بس لو انت عايز الناس يقولوا عليك ضعيف ومقدرش يستحمل علشان وحده ست خانته وهربت فانا مش همنعك انك تنتحر لان دي حياتك وانت حر فيها.
أزداد حسام في بكائه وقال: مكنتش متخيل ان رجاء هتعمل فيا حاجة زي دي ابداً. ازاي قدرت تخوني بالشكل دا؟
أقترب سليم منه ثم قام بمساعدته على النهوض قائلاً: انسى كل حاجة دلوقتي وخليني اوصلك البيت، زمان طنت عائشة ومنى خايفين عليك اوي.
فنهض حسام بمساعدة صديقه سليم ثم صعدا في السيارة وعندما وصلا الى المنزل، نزل سليم وقام بمساعدته على النزول ثم ذهبا الى الداخل، وهناك كانت السيدة عائشة وأبنتها منى جالستين والقلق يسيطر عليهما، وعندما دخل حسام وهو يستند على سليم نهضن من مكانهن واتجهن نحوهما بسرعة فسألت السيدة عائشة بنبرة هلع: ايه اللي جراله يا سليم، هو ليه مش قادر يمشي لوحده؟
تنهد سليم واجاب بجدية: حسام حاول ينتحر يا طنت بس الحمد لله انا لحقته في اخر دقيقة.
بعد سماع ذلك صاحت منى بصدمة: يا نهار اسود، بتقول ايه يا سليم؟
سليم: مع الاسف دا اللي حصل والحمد لله اني لحقته قبل ما يقتل نفسه.
السيدة عائشة: يا دي المصيبة. ليه بيحصل معانا كدا؟
سليم: انا هطلعه الاوضه عشان يستريح دلوقتي.
منى: وانا هساعدك.
قالت ذلك ثم امسكت ذراع شقيقها وساعدته حتى وصل الى غرفته حيث استلقى على السرير فوراً وغط في نوم عميق، اما هي فنظرت إلى سليم وقالت: سليم انا مش عارفه ازاي اشكرك، كنا هنبقى في مصيبة كبيرة من غيرك، ميرسي اوي.
سليم: متقوليش كدا يا منى، احنا عيله وحده وانا و حسام صاحبي واخويا وعمل كتير حاجات علشاني ودي اقل حاجة ممكن اعملها علشانه.
اما في منزل السيدة صباح...
فدخلت لمى ومعها تيمور الذي كان يحمل نور على ظهره وهي ثمله جداً، ما أن رأتها امها حتى شهقت بصوت عالٍ وقالت بنبرة تنم عن الصدمة: يا نهار اسود. ايه اللي حصل لأختك يا لمى، وليه حالتها متبهدلة كدا؟!
تنهدت لمى وقالت: معرفش يا ماما بس الظاهر انها انفصلت عن مهران علشان كدا راحت الكازينو وفضلت تشرب الخمره لغاية ما سكرت.
بعد سماع ذلك اتسعت عينا السيدة صباح وصاحت بغضب: يا دي المصيبة بتقولي شربت خمره، ومن امتى ان شاء الله بناتي يشربوا سم الهاري دا؟!
فقال تيمور بنبرة تعب: مش وقت الكلام دلوقتي يا طنت، خليني اطلعها اوضتها لأن ظهري انقسم نصين بعدما شلتها طول الطريق.
في تلك اللحظة اجبرت السيدة صباح نفسها على تمالك أعصابها وتنهدت بعصبية ثم اردفت قائلة: طلعوها عشان تتخمد وانا هيبقالي كلام تاني معاها لما تصحى.
لمى: حاضر يا ماما.
وفي صبيحة اليوم التالي...
استيقظ الطفل احمد ثم ذهب الى غرفة والديه يبحث عن امه كالعادة، وعندما لم يجدها بدأ يبكي بشدة فاستيقظ والده حسام على صوت بكائه وهو يشعر بصداع شديد وسرعان ما نهض وقال بصوت ابح: احمد، بتعيط ليه يا حبيبي؟
اجابه احمد وهو يبكي: بابا، انا عايز ماما.
في تلك اللحظة تذكر حسام ان زوجته رجاء هجرته فتجهم وجهه وكأن شيطان تلبسه وصرخ في وجه ابنه قائلاً: من النهاردة انت معندكش ام لأن امك الخاينه ماتت، انت فاهم؟
أزداد الطفل في البكاء مما جعل عمته منى تدخل الى الغرفة عندما سمعت شقيقها يصرخ، فقالت: في ايه يا حسام، ليه بتزعق على الواد دا لسه صغير ومبيفهمش حاجة!
فقال حسام بصوت مرتفع: طلعيه برا يا منى، انا مش عايز اشوفه قدامي لأن كل ما ابصله افتكر مامته الخاينة.
في تلك اللحظه دخلت السيدة عائشة الى الغرفة وقالت: حسام، انت بتصرخ كدا ليه، ايه ذنب احمد في اللي عملته مراتك؟
فقال حسام بصوت عالٍ: متجبيش سيرتها قدامي يا امي ومتقوليش عليها مراتي، انا مش عايز اسمع اسمها في البيت دا تاني، ودلوقتي طلعوا الواد دا من هنا لاني مش طايق اشوف خلقته.
فقالت السيدة عائشة: منى، اطلعي انتي واحمد من هنا فوراً.
منى: حاضر يا ماما، ارجوك يا حسام هدي نفسك علشان خاطري.
قالت ذلك ثم انحنت وحملت احمد الذي كان يبكي بشدة وخرجت من الغرفة، اما السيدة عائشة فألتفتت الى ابنها وأردفت بحدة: انت فاكر لو انك زعقت في وش ابنك الصغير كدا فدا هيغير حقيقة ان مراتك سابت البيت؟
حسام: متقوليش عليها مراتي. دي وحدة خاينة ومتستهلش الشرف دا.
السيدة عائشة: حسام يابني مينفعش تعمل كدا، انت لازم تتقبل الحقيقة علشان تحافظ على سمعتك بين الناس ولازم تعرف ان الغضب عمره مجابش نتيجة في اي حاجة.
قالت ذلك وخرجت من الغرفة، اما حسام فكان غاضباً لدرجة أنه اخذ يصرخ قائلاً: خاينة، معقول يا رجاء تخونيني انا بعد ما لميتك من الزبالة وحبيتك حتى اكتر من روحي!
ثم أمسك بباقة الورود التي اشتراها من اجل زوجته في الليلة الماضية ورماها على الأرض واخذ يسحقها تحت قدميه، كما انه امسك صورهما واغراضها واخذ يرميها بقوة حتى اصبحت حطاماً متناثراً.
في الوقت ذاته...
استيقظت نور وكانت تشعر بالصداع الشديد، فنهضت من سريرها وهي تتأوه ثم دلفت إلى الحمام، اخذت تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة وسرعان ما اجهشت بالبكاء عندما تذكرت كيف انتهت العلاقة بينها وبين مهران، بكت لعدة دقائق على حظها العاثر ولكنها لم تشعر بالندم لانها فسخت الخطوبة لذا قررت ان تنساه وتتابع حياتها بشكلٍ طبيعي.
فعلت روتينها اليومي واستعدت من اجل الذهاب الى العمل ثم نزلت الى الطابق السفلي حيث كانت امها وشقيقتها لمى جالستين فقالت لها لمى بلهفة: نور، انتي كويسه؟
ألتفتت نور اليها واجابت بصوت أبح: ايوا.
ثم شربت بعض الماء وبعدها اقتربت من امها وقالت بتوتر ملحوظ: ماما...
وفي تلك اللحظة صفعتها امها صفعة قوية جعلت وجهها يتحرك ثم قالت بغضب: الألم دا عشان انتي خذلتني يا نور.
قالت ذلك ثم امسكتها من ياقتها وصاحت بعصبية: انا ربيتك احسن تربيه وحاولت على قد ما اقدر اوفرلك كل حاجة نفسك فيها عشان متعمليش اي حاجة غلط ومع ذلك غلطتي يا استاذة يا محترمة، هي حصلت، رجعالي في نص الليل سكرانة وحالتك متبهدلة لييييه، ليه عملتي كدا يا جزمة يا بنت الجزمة؟
قالت ذلك وصفعتها مجدداً فاخذت نور تبكي قائلة: انا اسفة يا ماما، ابوس ايدك تسامحيني انا مكنش قصدي اني اعمل اللي عملته بس كنت زعلانة و مقهورة لأني اكتشفت أن مهران كان بيضحك عليا ومكانش بيحبني ابداً، دا حتى انه حاول يتحرش بيا امبارح وخدني الفندق وكان، وكان عايز ينام معايا بس انا رفضت لاني مش بنت شوارع وهو قال لو منمتش معاه فعلاقتنا حتنتهي وانا وافقت انها تنتهي لان دا احسن من اني ابقة فاجره عشان كدا انا فسخت الخطوبة.
فقالت لمى بصدمة: يا نهار اسود معقول مهران طلع واطي بالشكل دا؟
اما السيدة صباح فقالت بجزع: اوعي يكون لمسك يا نور، دا انا هقتلك لو...
فقاطعتها نور وهي تمسح دموعها: متخفيش يا ماما، بنتك متربية كويس ومستحيل تعمل حاجة وحشة زي دي ابداً.
بعد قولها ذاك زجرتها امها بحدة: والبنت المتربية كويس تروح الكازينوهات وتشرب خمرة برضو؟ مكنش العشم تعملي كدا يا نور.
شعرت نور بالحرج من نفسها واحنت رأسها قائلة: سامحيني يا امي لاني خيبت ظنك بس انا كنت مقهورة ومتعصبه جداً ومعرفش ازاي رحت الكازينو وشربت الخمرة علشان انسى الزفت اللي اسمه مهران، تقدري تقولي ان الشيطان لعب في دماغي في لحظة ضعف.
فتنهدت السيدة صباح واردفت بجفاء: انا مش قادرة اصدق ان مهران طلع شخص قذر كدا، بس دا مش هيبرر عملتك خليكي فاكرة ولو سمعت في يوم من الايام انك شربتي خمرة تاني يبقى تنسي ان انا ابقى امك انتي فاهمة؟
اقتربت نور منها وقبلت يدها قائلة: حقك عليا يا ست الكل وانا بوعدك اني عمري ما هقرب من حاجة اسمها خمرة تاني.
السيدة صباح: كويس، ودلوقتي انسيلي مهران الواطي دا لأن لو كان في خير مكنش عمل حاجة زي دي.
نور: الرجالة كلهم كدا يا امي، مش عايزين حاجة من الست غير جسمها وبعد ما ياخدوا اللي هما عايزينه يسيبوها زي ما تكون جزمة استعملوها وبقت زباله.
فقالت لمى بتأني: متقلقيش يا نور، انا متأكدة أنك هتلاقي راجل احسن من الواطي دا لانك بنت حلوه وطيبة وفي مليون راجل بيتمنى انك تبصيله ولو بصه وحدة.
هزت نور رأسها نفياً وقالت: لأ يا لمى، انا مش عايزة اعرف اي راجل تاني لاني بقيت بكره كل الرجالة بسبب السافل اللي اسمه مهران، ومن النهاردة تركيزي كله هيبقى في شغلي علشان اجمع فلوس كتير نسدد بيها ديونا بدل علاقات الحب التافهة دي اللي مبتأكلش عيش.
السيدة صباح: هو دا الكلام الصح. بس دا مش معناه انك تفضلي من غير جواز وعشان كدا لازم تاخدي بالك كويس لما تختاري شريك حياتك لان مش اي حد بيستاهل انك تثقي فيه.
نور: خلاص يا ماما، انا اتخذت قراري والموضوع انتهى بالنسبة لي ومش عايزه احب حد ولا عايزه حد يحبني.
لمى: بس يا نور مش كل صوابعك شبه بعض ولا كل الرجالة وحشين زي الواطي مهران يعني مش لازم تتسرعي ولازم تفكري كويس.
زجرتها نور بحدة: انا قولت ان الموضوع دا انتهى علشان كدا مش عايزه افتحه تاني، وبعدين انتي لازم تركزي في المذاكرة وبطلي تلعبي انتي وتيمور، كلامي مفهوم؟
فسألتها لمى بعصبية: ليه عايزه تلزقي كل العصبية بتاعتك في ظهري، هو انا عملتلك ايه؟
نور: يكون في علمك لو سمعت انك وقعتي في مشكلة تانية انتي وتيمور فانا هخلص عليكي انتي سامعه؟
قالت ذلك ونهضت لكي تذهب الى عملها، اما السيدة صباح فقالت: اسمعي كلام اختك الكبيرة يا لمى وروحي الجامعة لاني مش هسمحلك انك تشتغلي تاني.
فنهضت لمى وتذمرت بانزعاج: بس دا ظلم يا ماما!
نظرت اليها امها بطرف عينها وقالت بنبرة تهديد: هتروحي الجامعة و الا اديلك بالشبشب؟
انزعجت لمى اكثر واردفت بعصبية: يووووه خلاص هروح اتنيل، مهو انا بقيت ملطشة البيت دا.
وهكذا مر شهر واصبحت نور لا تهتم سوى للعمل من اجل جمع المال، كما انها كانت دائماً تغضب من شقيقتها لمى التي كانت تتسبب في المشاكل دائماً بسبب مزاجها السيء، وبالنسبة لحسام فأصبح بارد المشاعر بعدما هجرته زوجته رجاء ولم يعد يعامل ابنه احمد كما في السابق لأنه دائماً يذكره بها، مما جعل الطفل يصبح مشاكساً ودائماً يفتعل المشاكل لكي يلفت انتباه والده كما انه اصبح انطوائي جداً وسريع الغضب.
وبعد مرور ثلاث سنوات...
اصبحت نور في السابعة والعشرين من عمرها ولكنها لم تتزوج او تحصل على اي حبيب بعد ما انفصلت عن خطيبها السابق الصحفي مهران، وبالرغم من قرارها بعدم المواعدة الا ان والدتها السيدة صباح لم تصغي اليها وكانت دائماً تدبر لها المواعيد مع الرجال لكي تختار احدهم وتتزوجه.
وذات يوم...
اتصلت السيدة صباح بها وقالت: نور، انتي لسه في الشغل يا حبيبتي؟
نور: ايوا يا ماما، خير في حاجة؟
السيدة صباح: احنا في مشكله يا بنتي، تقدري تيجي مطعم دلوقتي؟
فقالت نور بقلق: في ايه يا امي. مشكلة ايه اللي احنا فيها دي؟
السيدة صباح: مش هينفع نتكلم كدا، انا في المطعم اللي قولتلك عليه وعايزه اكلمك وجهاً لوجه يلا تعالي بسرعة.
قالت ذلك واغلقت الخط، اما نور فقالت: آلو. آلو، اووف قفلت السكة، هي فاكرة ان المدرسة دي بتاعتي علشان اخرج منها زي مانا عايزه؟
ثم حملت حقيبتها التي اهداها لها تيمور قبل ثلاث سنوات وذهبت الى مكتب المديرة فقالت: انا اسفة يا استاذة كوثر لاني ازعجتك دلوقتي بس عايزه اطلب من حضرتك اذن علشان اخرج من المدرسة شويه.
فنظرت الاستاذة كوثر اليها ثم سألتها: وعايزه تخرجي ليه يا استاذة نور؟
وبعدها اضافت بنبرة رسمية: دوامك لسه منتهاش ولازم تفضلي هنا علشان اجتماع الأساتذة اللي هنعملوا بعد الدوام.
اجابتها نور: انا عارفه دا كويس بس امي تعبانه شوية والدوا بتاعها خلص واتصلت بيا علشان اروح اجيبهولها.
فتنهدت الاستاذة كوثر واردفت قائلة: خلاص. تقدري تروحي بس اوعي تتأخري.
ابتسمت نور وغمغمت: متشكره جداً.
ثم خرجت من المدرسة واوقفت سيارة اجرة، فتوجهت الى العنوان الذي اعطتها اياه والدتها وهناك رأت هذه الأخيرة جالسة مع شاب في اوائل الثلاثينات فتنهدت بقوة وأقتربت منهما ثم سألت بتذمر: ايه اللي بتعمليه دا يا ماما؟
ابتسمت امها وقالت: اهلاً يا حبيبتي، انتي جيتي بسرعة!
فنظرت نور اليها بانزعاج وتمتمت بشيء من الهمس: مهو انتي اللي طلبتي مني اجي بسرعة وانا افتكرت ان في حاجة وحشة حصلت عشان كدا طلبت اذن وجيت عن طول.
السيدة صباح: كويس انك جيتي، اعرفك، دا البشمهندس كمال صبحي وجيه النهاردة مخصوص علشان يتعرف عليكي يا روحي.
فنهض كمال ثم ابتسم بعدما رأى نور ومد يده ليصافحها قائلاً: ازيك يا استاذة نور؟
صافحته نور على مضض وهي تبتسم بتصنع وقالت: اهلاً يا بشمهندس.
ثم التفتت الى امها وسألتها بصوت خافت: انتي كدبتي عليا وخليتيني اسيب شغلي بس علشان تعرفيني على الراجل دا؟
اجابتها السيدة صباح: متكبريش دماغك دلوقتي واقعدي علشان تتعرفي على الراجل وانا هرجع البيت لان عندي شغل كتير اوي.
قالت ذلك ثم التفتت الى المهندس كمال وابتسمت قائلة: عن اذنك يا بشمهندس، انا هروح دلوقتي وانتوا اقعدوا اتكلموا مع بعض ولعله خير ان شاء الله.
كمال: مع الف سلامه يا طنت.
وعندما غادرت المرأة قال كمال لنور: اتفضلي اقعدي يا استاذة.
فتنهدت نور ثم قالت: متشكره.
وعندما جلست سألها: تحبي تشربي ايه؟
نور: متشكره، مش عايزه حاجة.
كمال: زي ما تحبي.
نور: انا بعتذر نيابةً عن امي لانها متحمسة زيادة عن اللزوم.
كمال: لا ابداً، في الحقيقة انا اللي كنت عايز اتعرف عليكي علشان كدا جيت النهاردة وعندي امل اننا نتفق مع بعض.
فتنهدت نور بقوة وقالت بنبرة صوت جادة: اسمعني يا استاذ كامل.
فقاطعها كمال بقوله: لا مؤاخذة بس اسمي كمال مش كامل.
نور: انا اسفة.
كمال: ولا يهمك، كملي كلامك.
نور: بصراحة انا مش عايزة ارتبط دلوقتي علشان كدا انا شايفة اننا مش هنتفق مع بعضنا ابداً.
كمال: هوا انتي شايفة اني مش مناسب ليكي ولا علشان انتي معحبتيش الطريقة اللي اتقابلنا بيها؟
نور: في الحقيقة انا مش عايزة اتجوز خالص وانت ملكش ذنب في الموضوع دا ابداً.
وبينما كانت نور جالسة تتحدث مع كمال كان خطيبها السابق الصحفي مهران جالساً مع صحفي اخر في نفس المطعم فقال للرجل الذي كان جالساً معه: لو لاقيت اي معلومة جديدة متعلقة بحياة حسام الشناوي انت لازم تقولهالي بسرعة.
الصحفي الآخر: بس انت ليه عايز تنبش في حياته الشخصية يا مهران، الراجل دا مش سهل ابداً وزي منت عارف هو نائب رئيس الوزراء يعني ايده طايله اوي في الحكومة.
مهران: انا حاسس ان الراجل دا وصل لمنصب نائب رئيس الوزراء بالنصب والاحتيال ومش مقتنع ان خبر وفاة مراته اللي ماتت قبل تلات سنين حقيقي. يعني بالعقل كدا هما ازاي مالقوش جثتها بعد ما غرقت ومتنساش ان شغلنا كشف الحقيقة للناس.
الصحفي الآخر: بس يا مهران الحكاية دي حصلت من زمان والناس نسيوها خلاص.
فابتسم مهران وقال: وشغلي اني افكرهم بيها من تاني.
وبينما كان يتكلم مع الصحفي الآخر، انتبه على نور التي كانت جالسة في الجهة المقابلة له، فقال في نفسه: معقول تكون دي هي نور نفسها، اه وليه لأ دي الدنيا صغيره اوي.
ثم التفت الى الصحفي الآخر الذي واردغ: تمام يا صاحبي، انا همشي دلوقتي بس هنبقى على تواصل.
الصحفي: أوك.
وبعد ان نهض مهران اتجه نحو طاولة كمال ونور ثم ابتسم قائلاً: نور عبد العزيز، دي انتي فعلاً!
ألتفتت نور اليه واتسعت عيناها عندما رآته اما كمال فسألها: انتي تعرفي الراجل دا يا انسه نور؟
فجلس مهران معهما واردف: ايوا تعرفني، دا احنا نعرف بعضنا من زمان اوي مش كده يا مزة؟
اما هي فسألته بانزعاج: عايز ايه يا مهران؟
مهران: مش عايز حاجة بس انا شفتك قاعدة وقلت في نفسي مينفعش امشي من غير ما اسلم عليكي، بس ايه دا، انتي ماتغيرتيش ابداً ولسه مزة زي ما كنتي دايماً.
نظرت نور اليه وقالت بنبرة حادة: ملكش دعوة بيا.
فتدخل كمال وقال: عفواً يا استاذ، انا معرفش ايه هي طبيعة العلاقة اللي بينكوا بس احنا في معاد دلوقتي يعني من فضلك سيبنا لوحدنا.
فنظر مهران اليه وقال: اوعى تكون ناوي تتجوز البنت دي يا استاذ!
قطب كمال حاجبيه وسأل: ليه. عندك اعتراض على دا؟
فضحك كمال باستهزاء وتشدق قائلاً: لو عايز نصيحتي يبقى تقوم تمشي دلوقتي بسرعة لان البنت دي ماينفعش تبقى زوجة ابداً الا لو كنت عايز تتسلى معاها فانا مش همنعك.
فقالت نور بانزعاج: اه يا واطي يا زباله، ايه اللي انت بتقوله دا؟
وسأله كمال بقلق: قصدك ايه يا استاذ؟
مهران: بقصد ان البنت دي نامت معايا قبل تلات سنين ومعرفش هي كانت تعمل ايه مع باقي الرجاله يعني متنفعش صدقني.
فنهضت نور وصرخت به قائلة: ايه اللي بتقوله يا حيوان انت؟
فابتسم مهران بخبث وقال: انا بقول الحقيقة يا روحي.
اما كمال فنظر الى نور باحتقار ومن ثم نهض وقال: انا اسف بس معتقدش انك مناسبة ليا، عن اذنك.
قال ذلك ثم رحل وتركها مع مهران الذي كان يضحك فنظرت اليه وأردفت وهي تجز على اسنانها بعصبية: قد ايه انت حقير وزبالة، ازاي قدرت تكدب وتقول للراجل اننا نمنا مع بعض وانت عارف اني معملتش كدا ابداً؟!
فنهض مهران واجابها بحنق: قولتلك قبل كدا انك هتندمي لانك سبتيني ومن اللحظة دي اعتبري ان حياتك اتدمرت لاني هشوه سمعتك قدام الناس كلها.
فنزلت دموع نور ثم نظرت اليه باحتقار وزجرته مهددة: هدفعك التمن غالي يا سافل.
مهران: وازاي هتعملي كدا يا روح امك، ازاي هتقدري تدافعي عن نفسك قدام صحفي متخصص في كشف الحياة الخاصة للناس؟ ؛ عايزه ترفعي عليا دعوة؟ ماشي اعملي كدا وانا هقول ان دا شغلي وبعدين تعالي هنا، انتي ازاي هتوكلي محامي وانتي ماحلتكيش اللاضى؟
نور: انت عايز مني ايه؟
مهران: قولتلك اني هشوه سمعتك، استني وشوفي انا هعمل فيكي ايه، ودلوقتي سلام يا مزه.
قال ذلك ثم خرج من المطعم وهو يضحك، اما هي فجلست واخذت تبكي لأن مهران شوه سمعتها امام المهندس كمال وجعله يظن بها سوء، وبعد 10 دقائق مسحت دموعها ثم حملت حقيبتها وعادت الى المدرسة وهي تشعر بالضيق.
وعندما دخلت الى الصف الثاني الذي كانت تُدرسه وجدت مجموعة من الطلاب يتشاجرون فهرعت نحوهم وصاحت قائلة: بس يلاه انت وهو، ليه بتضربوا بعض؟
فقال احد الطلاب: احمد ضربنا يا ابله واحنا معملناش حاجة.
فصرخ احمد به قائلاً: انت كداب، انتوا اتكلمتوا عن ماما بحاجات وحشة علشان كدا ضربتكوا.
احد الطلاب: محصلش، وانت اللي بتكدب.
اما نور فقالت بعصبية: خلاص بقى، تعالوا ورايا على مكتب الناظره حالاً.
وبالفعل ذهبوا الى مكتب الأستاذة كوثر وهناك قالت لهم: قولولي يا ولاد انتوا ليه اتخانقتوا وضربتوا بعضكوا؟
فقال احمد وهو يبكي: هما اتكلموا عن ماما اللي ماتت بحاجات وحشة علشان كدا انا ضربتهم.
فنظرت الأستاذة كوثر الى نور وسألتها معنفة: انتي ايه اللي بتعلميه للعيال يا استاذه نور، ازاي حاجة زي دي حصلت في المدرسة؟!
نور: انا اسفة يا استاذة كوثر بس صدقيني ان دي المرة الاولى اللي بتحصل فيها حاجة زي دي.
الأستاذة كوثر: انتي لازم تتصلي لا ب أولياء أمور الطلاب وتخبريهم باللي عملوا العيال لان اللي حصل دا حاجة كبيرة ومن غير المنطقي ان ولد بعمر سبع سنين يضرب زمايله بالشكل دا.
نور: حاضر، انا هتصل بيهم يا استاذة وهقولهم كل حاجة.
قالت ذلك ثم خرجت من مكتب المديرة وقالت للأطفال: يلا ارجعوا الفصل بسرعة واوعوا تعملوا مشاكل، وانت يا احمد. خليك هنا لاني عايزه اتكلم معاك.
وبالفعل ذهب الأطفال الأخرين كما اخبرتهم نور ان يفعلوا اما احمد فجلس على الأرض واخذ يبكي مما جعل نور تنحني على مستواه وتسأله: ليه بتعيط يا حبيبي؟
فنظر اليها بعيونه الباكية وقال بصوت متقطع: انا. مش عايز، اجي المدرسة تاني لاني بكرهك وبكره الولاد اللي في الفصل.
نور: عيب كدا، انت مينفعش تتكلم مع الأبله بتاعتك بالطريقة دي لان دا يعتبر قلة أدب.
احمد: انا بكره المدرسة، عايز ارجع البيت.
قال ذلك ثم بدأ يبكي بصوت مرتفع، اما هي فقالت بتذمر: ايه النهار اللي مش عايز ينتهي دا؟
ثم اخرجت هاتفها واتصلت على اهل احمد فأجابها سليم: آلو...
نور: آلو. بتكلم مع حسام بيه؟
سليم: انا السكرتير بتاعه، حضرتك مين؟
نور: انا الاستاذة اللي بتدرس احمد ابن حسام بيه واسمي نور عبد العزيز، اتصلت علشان اقول لحسام بيه ان احمد ابنه ضرب زمايله في الفصل وهو لازم يجي المدرسة علشان نحل المشكلة دي.
سليم: اه اوك، استني شوية لو سمحتي.
قال ذلك ثم اتجه الى مكتب حسام الذي كان في اجتماع وهمس في اذنه: من شوية اتصلت الاستاذة اللي بتدرس احمد يا حسام وهي قالت ان ابنك ضرب زمايله في الفصل وانت لازم تروح هناك علشان تحلوا المشكلة.
فنظر حسام اليه وقال: ايه؟، طيب يا سليم، انا هروح بعد ما الاجتماع ينتهي.
سليم: تمام.
قال ذلك ثم خرج من المكتب وقال لنور التي كان يتكلم معها عبر الهاتف: حسام بيه في اجتماع دلوقتي بس هو هيجي المدرسة بعد ما الاجتماع بتاعه ينتهي.
نور: اه ماشي. متشكره يا فندم.
قالت ذلك ثم اغلقت الهاتف وقالت بتعجب: ايه الراجل دا. قولتله ان ابنه الصغير لجأ للعنف مع زمايله في الفصل وهو عايز يجي بعد ما الشغل يخلص!
تسارع في الأحداث...
ذهب حسام الى المدرسة بعد ان انتهى اجتماعه ودخل الى مكتب نور حيث كان ابنه احمد جالساً هناك ولم يتوقف عن البكاء ابداً، كانت الاناقة تقطر منه كالعادة فهو رجل وسيم وجذاب وتلك الملابس الراقية التي كان يرتديها كانت تناسبه تماماً.
وصل إلى مكتب نور واخذ يرمقها بنظرات فاحصة ثم نظر قال بنبرة صوت جافة: انا حسام الشناوي والد الطالب احمد، ايه اللي عمله ابني وخلاكوا تستدعوني لهنا؟
نهضت نور وقد قطبت حاجبها عندما رأته فقالت: اهلاً بحضرتك يا فندم، انا الأستاذة نور عبد العزيز اللي بتدرس احمد.
قالت ذلك ومدت يدها لكي تصافحه ولكنه تجاهلها ونزع نظارته الشمسية ثم جلس ونظر اليها بجفاء وأردف قائلاً: اتفضلي انا بسمعكِ.
في تلك اللحظة شعرت نور بالإحراج لأنه تجاهلها بتلك الطريقة فسحبت يدها ثم جلست ونظف حلقها وقالت: احمد ابنك ضرب زمايله في الفصل ودي حاجة مش كويسه ابداً بالنسبة لطفل في سنه من انه يلجأ للعنف بالشكل دا.
حسام: وهو ضربهم ليه، اكيد في سبب خلاه يعمل كدا.
نور: اظن ان احمد عمل كدا علشان مامته وحشاه اوي، يعني هو مابيلعبش مع زمايله ابداً ودايماً يفضل قاعد لوحده ومابيتكلمش مع حد، وانا بنصحك يا استاذ انك توديه دكتور نفسي متخصص بالحالات دي.
انزعج حسام كثيراً بعدما سمع ذلك والتفتت الى ابنه وسأله بعصبية: ليه عملت كدا ؛ عايز اضربك؟
في تلك اللحظة خاف احمد كثيراً لذا بدأ يبكي بصمت، اما نور فقالت بتذمر: لا مؤاخذة يا حسام بيه بس مش لازم تتعامل مع الطفل بالطريقة دي لانه لسه صغير.
فنظر حسام اليها وقال بجفاء: انا اعرف ازاي بتعامل مع ابني كويس ويا ريت تفضلي برا الموضوع دا يا انسة لان دا مش شغلك.
نور: انا اسفة على تدخلي بس دي مش الطريقة الصحيحة اللي لازم تربي بيها ابنك، بالعكس دا ممكن يسبب له حالة نفسية وممكن يبقى عنيف اكتر من كدا بكتير.
زجرها حسام بعصبية: قلتلك انا اعرف ازاي اتعامل مع ابني كويس ومش محتاج وحدة ست تعلمني ازاي اتصرف.
فانزعجت نور من طريقة كلامه لذا سألته بغضب: انت ازاي بتتكلم معايا بالطريقة دي؟
ثم اضافت بحدة: انا بكلمك علشان مصلحة احمد ولازم تحترم نفسك وانت بتتكلم معايا يا استاذ لان دي الاصول برضو.
فضحك حسام باستهزاء وقال: قلتي ايه، احترام؟ شكلك متعرفيش انا مين مش كدا يا شاطرة.
فنهضت نور وصاحت به قائلة: احترم نفسك يا استاذ بدل ما اسمعك كلام مبيلقش بوحدة ست انها تقوله.
فنهض حسام ايضاً واردف بانزعاج: انتي اتجننتي، ازاي بتتكلمي معايا انا بالشكل دا؟
نور: لانك شخص مش محترم ومبتعرفش ازاي بتتكلم مع الستات ابداً.
فقال حسام بحدة: دلوقتي عرفت ليه احمد ضرب زمايله. الظاهر ان جو المدرسة المعفنة دي هو اللي اثر على تصرفاته خصوصاً لان الاستاذة بتاعته طلعت بنت مجنونة ومبتعرفش ازاي بتتكلم مع اللي اكبر منها.
ردت عليه نور بسخرية: لا مهو واضح هو طلع عنيف كدا ليه، زي ما يقولوا الولد سر ابيه فعلاً.
حسام: انتي الظاهر مجنونة ومحتاجة حد يعلمك الادب.
نور: انت مفتكر نفسك مين يا جدع انت؟ احترم نفسك والا هخليك عبرة قدام الناس كلها.
فنظر حسام اليها ثم امعن التحديق بها وقطب جبينه قائلاً: استني استني، انا شفتك قبل كدا.
قطبت نور حاجبيها قائلة: ايه!
فهتف بصوت مرتفع: ايوا افتكرت، انتي نفس البنت المجنونة اللي قابلتها قبل سنتين في الحفل الخيري بتاع الايتام.
اتسعت عينا نور وقالت بجزع: هو دا انتَ!