رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الرابع والأربعون
سابقًا كنت أظن أنني امرأة قوية، لكنني اليوم أتبرأ من هذه الصفة، أنا يا عزيزي امرأة حمقاء، ظلّت لسنوات تصُمّ أُذنيها عن عبارات الغزل، وتغُضّ بصرها عن ومضات العشق، ففي ضلوعي قلبٌ كان الغرور طابعًا متأصلًا فيه، يبغي المثالية ولا يقبل دونها شيئًا.
إلى أن اصطدمت برَجُلٍ اقتحم عالمي عنوة، عنيدٌ كالصخر، مراوغٌ كالذئب، مسيطرٌ كالسيف في أوج معركة هو فقط من يحق له الفوز بها، يحيط بي كالهواء. بدا وكأنه أقسم على هدم جميع الجسور التي بيننا، واختراق كل الحصون التي شيدتها حول قلبي، مُمَّهدًا كل الطرُق لغزوه الضاري، الذي رغم ضراوته كنت أرحّب به. رحّبت به إلى الحد الذي جعلني أغزل له الأحلام بخيوط الحب، لأصنع له ثوبًا من الطمأنينة مُرصّعًا بلآلئ العشق الذي يعجّ به صدري.
لكنني تفاجأت به مُلقى كجائزة رمزية في خزانة انتصاراته، إلى جانب جوائزه العديدة التي لا يملّ من الافتخار بها. كان الأمر ساخرًا بقدر مرارته؛ فحين كنت أراه حياة، كان يراني مجرّد جولة من جولاته التي لا تُعدّ ولا تُحصى، و كأن من ينازع أسفل حذاء غروره ليس قلبي! الذي رأى فيه الأمان، بينما هو الوجه الآخر للهلاك.
لم يكن الصياد الذي كنت أخشاه، بل الراعي الذي احتميتُ به، فقتلني في النهاية.
نورهان العشري.
كانت تستقل مقعد السيارة الخلفي للتوجه إلى الشركة، وهي تقوم باللعب في هاتفها لتتجمد عينيها حين رأت هذا الصورة التي تجمع بين رؤوف و ميرهان التي قامت الأخيرة بوضعها على أحد وسائل التواصل الاجتماعي و دونت أسفلها عبارة My dear partner و معناها شريكي العزيز.
اجتاحتها الصدمة حتى بهتت معالمها و عقلها يعمل في جميع الاتجاهات كيف؟ و متى؟ لتقوم بالعبث بهاتفها و استطاعت معرفة المكان عن طريق الموقع الذي ارفقته ميرهان بجانب الصورة ثم قامت بإجراء مكالمة هاتفية لأحد الخدم في القصر
الو يا سعيدة. قوليلي مين في البيت عندك؟
محدش غير ميرهان هانم.
آسيا بلهفة
طيب. ميرسي أوي.
أغلقت الهاتف و التفتت إلى السائق لتجعله يغير العنوان وهي تنوي معرفة ماهذا الهُراء الذي يحدُث؟
كان ينظر إلى المكان حوله بفخر، فهاهو مشروعه الذي لطالما حلِم به يتحول إلى واقع ملموس، و حقيقة مرأية أمام عينيه، و قد كانت مساعدة ميرهان له ذو نفع كبير، فقد كان المكان في منطقة راقية للغاية، و على الرغم من أنها أصبحت شريكته، ولكنه وضع الكثير من الشروط لموافقته، وتعامل بطريقة مباشرة مع ذلك الرجُل الذي تحدثت عنه مالك العقار و قد تم كل شيء وفقًا لإرادته، وقد أراحه هذا الشيء كثيرًا، فهاهي خطوة البداية لمستقبل مشرق لن يكُن للعاطفة مكانًا فيه.
أخرجه من شروده صوت طرقات حذاء قوية فالتفت إلى الخلف ليُصدم حين رأى آسيا التي كان الغضب يُطل من عينيها ولكنه حجمته خلف قناع السخرية حين قالت
مبروك يا رؤوف بيه.
تجاهل أنين قلبه، و جمر الشوق بداخله و تحدث بنبرة جافة
ايه اللي جابك هنا؟
تقدمت آسيا منه بخطوات وئيدة وهي تقول بنبرة لائمة
أيه مكنتش عايزني آجي أباركلك! دا حتى المكتب دا أخت جوزي شريكة فيه! يعني واجب عليا أني أباركلكوا.
ألمه حديثها، فقرر رد الصاع صاعين حين قالت بتهكم
و على كدا جوزك عارف انك جاية تعملي الواجب!
كان استفهامه كهدف قاتل في الدقيقة تسعون أصابها بالجمود الذي ألجم الحروف فوق شفاهها ليُتابع رؤوف ساخرًا
أيه سكتي يعني! ولا و أنتِ جاية هنا هو مخطرش أصلًا على بالك!
تبدلت صدمتها إلى توتر و ارتباك جعلها تقول بتلعثُم
لا. مش. كدا. أنا...
قاطعها رؤوف بتهكم.
غريبة. أول مرة أشوفك متلخبطة كدا! و دا اكبر دليل على أنه فعلًا مجاش على بالك وأنتِ جاية. نرجع للسؤال الأساسي جيتي ليه؟
خلعت جميع أقنعتها و اندفعت تلومه بنبرة حادة
ليه ميرهان يا رؤوف! ليه تحط ايدك في أيدها و أنت عارف قد ايه هي أذتني! بتردهالي!
رؤوف بنبرة حادة كالسيف
وانا مالي ومالك!
صدمها حديثه للحد الذي جعلها تهتف بألم.
رؤوف. أنت بتقول كدا ازاي؟ للدرجادي مفرقتش معاك! ولا فرق معاك اللي شفته منهم. رايح تشاركها!
رؤوف بنبرة غاضبة جريحة
للمرة التانية هي أذيتك أنتِ لكن مأذتنيش أنا، وأنا وأنتِ مش واحد عشان عدوك يبقى عدوي.
قست نبرته على قدر الوجع الذي يحمله بين طياته قلبه حين قال
فوقي يا آسيا هانم. الكون مش بيدرو حواليكِ، ميرهان الوحيدة اللي وقفت جنبي، و دعمتني في اكتر وقت كنت ضايع فيه، و دلوقتي أنا وهي في صف واحد.
رغمًا عنها تساقطت عبراتها تأثرًا بحديثه، و بما آل إليه حالهم، فقد كان رفيق طفولتها و ملجأها الآمن في الماضي حتى لو حادت مشاعرها و أتخذت طريق آخر، ولكن أن يصبحوا أعداء أمرً صادم والأكثر من ذلك سخريته حين قال
و بعدين أنتِ زعلانه ليه اني روحت شاركتها ما أنتِ اتجوزتي أخوها عادي! مفكرتيش وقتها ليه في أنه اخو اللي أذتك و ياما بهدلتك!
كلماته أشعرتها بالإهانة و شعرت بأن ندم العالم أجمع صب في قلبها على مجيئها إليه ليُتابع هو إحراقها في وحل الذنب أكثر حين قال
ارجعي بيت جوزك و حافظي عليه، و انسيني عشان هو ميستحقش منك انك تعملي فيه كدا. كفاياكي قرف بقى.
وضعها أمام مرآة الحقيقة التي أظهرت أنانيتها، و غبائها اللذان وضعوها في هذا الموقف المُحرج لتخرج من المكان بأكمله وهي تبكي على غبائها مرة و على أنانيتها ألف مرة إضافة إلى شعورها بالذنب تجاه كمال الذي عشقها بكل جوارحها و فعل كل شيء لإسعادها، و هي ماذا فعلت له؟
برقت عيني ميرهان حين رأت آسيا التي استقلت السيارة و انطلقت باقصى سرعة لتترجل من سيارتها على الفور و تتوجه إلى الداخل لتتفاجيء من رؤوف الذي يجلس على المكتب واضعًا رأسه بين يديه و هذا الصوت يصدح من هاتفه (مشهد رؤوف و آسيا يوم الفرح من الإثم الثلاثون)
رؤوف!
هكذا همست بضعف بينما عينيها ترسل آلاف من الاعتذارات الغير منطوقة، و الأسف الغير مُعلن عنه تقابلها عينيه التي ترمقانها باحتقار يتوارى خلفه وجع كبير و ألم عظيم تجلى في نبرته حين قال
فرحانه!
هربت الكلمات من فوق شفتيها و تعالى أنين قلبها الذي اجتاحته حفنة من وخزات الذنب الذي جعل العبرات تتجمع بمقلتيها ليستنكر رؤوف مظهرها وهو يهتف بقسوة
ردي عليا. فرحانة! حققتي اللي بتتمنيه؟
حاولت أن تنحى ضعفها جانبًا لتقول بنبرة مُتحشرجة
رؤوف مش وقت كلامك دا...
قاطعها بنبرة حادة
أجاوبك أنا. أنتِ فعلًا حققتي اللي كنتِ بتتمنيه، بخطوة واحدة وصلتي لكل اللي كنتِ عيزاه! الفلوس و المستوى الاجتماعي العظيم و النفوذ. براو.
صفق بيديه بطريقة مسرحية، و عينيه تُشيعانها بنظرات الخسة قبل أن يهتف باحتقار.
مش هعاتبك، ولا هلومك، ولا هقولك معملتيش حساب للي كان بينا ليه حتى لو محصلش بينا ارتباط فعلي. بس انا شوفت نظرة الحب في عنيكِ. لكن هقولك حاجة واحدة بس.
اكتظت عينيها بالعبرات وانكمشت ملامحها بألم حين أردف باحتقار.
حبك دا أكبر ابتلاء ربنا بلاني بيه، وأنا راضي عشان عارف ان ربنا هيراضيني، و حقيقي مُشفق على عريسك عشان لو في يوم من الأيام خسر كل اللي عنده مش هيلاقي منك غير الخذلان لأنك عمرك ما عرفتي يعني ايه حب.
تفكر بارود إهانته بصدرها و احتقن الغضب بأوردتها، فما أن رأته يوشك على المغادرة حتى تحلت بفضيلة الشجاعة و قالت بصوت حاد
رؤوف.
إلتفت يناظرها بأعيُن حزينة مُتألمة كحال قلبه ليتفاجأ من حديثها حين قالت بنبرة جافة
لو اتبدلت الأماكن و بقيت مكان كمال وهو مكانك. كنت هختاره بردو، و لو في يوم من الأيام كمال خسر كل شيء بيملكه هكونله الضهر اللي يتسند عليه. انا مش مضطرة اقولهالك، ولا متأكدة أنت هتصدقني ولا لا. بس أنا فعلًا بحبه، ولو كانت الدنيا هدتني كل حاجه بتمناها و اتجمعت في شخص واحد، فدا كرم من ربنا مش أكتر.
امتقعت ملامحه من حديثها الذي أصاب أعماق قلبه ليتفاقم الألم و يتحول لغضب هائل تجلى في نبرته حين قال
يبقى ربنا يسعدك، وانا كمان ربنا يسعدني. مانا اتعلمت الدرس منك، وناوي اطبقه و استفيد من كرم ربنا عليا أقصى استفادة.
انكمشت ملامحها بحيرة وهي تناظره قبل أن يقول بجفاء
هسيبك انا بقى احسن عريسك يفهم غلط لو جه ولقانا سوى.
أغلق رؤوف التسجيل الصوتي وهو يصرخ بألم
هنساكِ يا آسيا. والله هنساكِ.
عند هذه النقطة دلفت ميرهان إلى الداخل وهي تهمس باسمه
رؤوف.
اعتدل رؤوف و محى عبراته بظهر يديه وهو يقول بتلعثُم
ميرهان. أنتِ هنا من امتى!
أدعت ميرهان البراءة وهي تقول
لسه جاية حالًا في حاجة ولا اي؟ عينك مالها؟
قالت استفهامها الأخير حين رأت عينيه حمراء جراء بكاءه ليهتف هو بلهفة
لا. مفيش. أنا بس عنيا وجعاني تقريبًا دخل فيها تراب. هدخل اغسل وشي على ما تعمليلنا قهوة.
اومأت برأسها، وما أن دلف إلى داخل المرحاض حتى اندفعت لتُمسك هاتفه و تقوم بإرسال التسجيل الصوتي إليها وهي تهتف بابتسامة ظفر
أخيرًا عرفت هطردك من حياتنا ازاي يا بنت الخدامة.
اللهم اجعلني من الذين إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
قادتها خطواتها الواهنة إلى عملها، فعلى الرغم من تعبها الواضح و لكنها أرادت الهرب من كل شيء، ففي قلبها جُرحًا لازال ينزف، و كيف يلتئم و أقرب الناس إلى قلبها هم من تسببوا به؟
جلست في غرفة الإدارة بعيدًا عن مرح الأطفال و أصواتهم في الخارج، فقد أرادت البقاء بمفردها لتلعق قلبها الجريح و الذي لازال يتذكر ماحدث البارحة بينها و بين والدتها
عودة لوقت سابق.
دلفت صابرين إلى الغرفة لتنفرد بغنى التي خاصمتها بسبب ما فعلته لتغلق الباب خلفها وهي تقول
غنى.
التفتت غنى تناظرها على مضض لتقول صابرين بنبرة آسفة
لسه زعلانه مني بردو يا غنى!
غنى بنبرة جافة
مش زعلانه بس مش عايزة اتكلم.
اندفعت صابرين تبرر ما حدث
والله يا بنتي ما كنت اقصد. أنا صعبت عليا البت
تتظلم مع الناس اللي متعرفش ربنا دي. اصلها يتيمة و غلبانة قولت أحذرهم.
التفتت غنى تناظرها بأعين يسكنها الوجع الذي فاح من نبرتها حين قالت
وحذرتيهم يا ماما! كتر خيرك. بس وأنتِ بتحذريهم من الناس اللي متعرفش ربنا دي مفتكرتنيش. مفكرتيش أن الناس دي ممكن تأذيني؟ مجاش في بالك ولو للحظة اني ممكن أقع تحت ضرسهم تاني. مفكرتيش أن دا ممكن يخليهم يفكروا ينتقموا مني.
؟
قلبك الحنين دا شغال مع الناس كلها إلا معايا أنا!
تساقطت عبراتها من فرط الألم لتستطرد بنبرة مُحترقة من فرط الوجع.
مصعبتش عليكِ ليه لما رمتيني ليهم زمان؟ كان نفسي في ربع حنيتك دي وانا مرمية تحت رجليهم يدهوسوا عليا. ملقتش حد يقولهم مرة حرام عليكوا.
بهتت ملامحها وهي ترى بؤس طفلتها و ألمها الجلي بوضوح فوق معالمها لتهتف صابرين بلوعة
قد كدا وجعوكي يا ضنايا؟
غنى بنبرة تحترق قهرًا
أكتر من كدا بمراحل. عارفة انا قعدت قد ايه على ما عرفت مشكلته! عارفة كام مرة أنبت نفسي على ذنب معملتوش؟
سقطت جالسة على السرير خلفها من فرط الوجع وهي تهتف بحرقة
أنا كنت عيلة مش فاهمة حاجه. تايهة مش عارفة أسأل مين! ولا عارفة في ايه؟ ولا انا بغلط في ايه؟ بعمل كل اللي هي بتقولي عليه و بردو بتضرب و اتهان و اتبهدل. عارفة كانوا بيعملوا فيا كدا ليه؟
لم تشفع عبرات صابرين أمام كل هذا الوجع الذي تحمله غنى داخلها والذي تجلى في نبرتها حين قالت.
عشان مكنتيش موجودة. عشان عارفين اني معنديش أم هتفهمني ولا هتعرفني، ولا هتقفلي. صعبان عليكِ أنها يتيمة طب ما أنتِ عايشة أنتِ و بابا و مع ذلك داسوا عليا بجزمتهم. مصعبتش عليكِ ليه! قلبك متحركش عشاني ليه؟
كانت تبكي في صمت وهي ترى انهيار ابنتها التي هتفت بنبرة جريحة.
عارفة! أنا لو ربنا أراد اني ابقى أم، و خلفت بنت. أنا هكون كل حاجة ليها. هبقى صاحبتها، و اختها و أمها عشان محدش يفكر يقرب منها. عشان عارف ان عندها أم هتاكلوا بسنانها.
سبحت نظراتها إلى البعيد وهي تهتف بنبرة تقطُر وجعًا
هعمل معاها كل اللي كان نفسي يتعمل معايا. هتكلم معاها في كل حاجة، و هوعيها و افهمها، و مش هعمل حدود بيني و بينها. هخليها متطمنش لحد غير ليا.
بترت شهقاتها حديثها الذي كان يحمل الأمل، و الوجع معًا في طياته حين قالت
أنا نفسي اكون أم أوي. بس عارفة اني عمري ما هحقق الأمنية دي.
خربشت جملتها فضول صابرين التي هتفت من بين عبراتها و حزنها و شعورها بالذنب
ليه بتقولي كدا يا غنى؟ ليه مش هتبقي أم؟
غنى بنبرة مُتحشرجة.
عشان انتِ زيك زي هيام. فاكرين أن الموضوع بسيط. زرار هنضغط عليه هننسى الماضي، و نعيش المستقبل. لا يا ماما. الموضوع صعب و بيوجع. عشان الماضي لسه جرحه بينزف هنا.
قالت جملتها وهي تُشير إلى قلبها قبل أن تتابع بحرقة
جوايا و جواه الوجع صاحي مبينمش.
عودة إلى الوقت الحالي.
أخرجها من شرودها صوت رنين هاتفها، فكان المتصل ياسر الذي كان غضبه في قمته حين علم أنها ذهبت إلى العمل دون أن تنتظره، و ما أن اجابته حتى هتف بانفعال
الهانم اللي كسرت كلمتي و خرجت من غير ما تستناني.
لم تكن بحاجة إلى مصاعب أخرى أو ضغوطات من شأنها أن تجعلها تنهار لذا إجابته بنبرة متحشرجة
حسيت اني عايزة أشم شوية هوا. قولت اتمشى لحد الحضانة. حقك عليا.
شعر بأن هناك خطب ما في لهجتها، و بالأساس كانت حالتها لا تُبشر بالخير البارحة، و والدتها أيضًا، وقد ظن أنه نشب شجار بينهم، ولم يُريد الضغط عليها لذلك هدأت نبرته وهو يشاكسها قائلًا
علي أساس انك كدا بتهديني و لا بتشعللي غيرتي أكتر! قوليلي بقى كام واحد شاف الغُريبة بتاعتي عشان اعملهم حلقة إعدام جماعي.
شقت ابتسامة جميلة جدار الوجع المُرتسِم فوق ملامحها، فكانت أشبه بوردة حمراء نبتت وسط صخور قاسية. لانت نبرتها وهي تهتف ساخرة
علي أساس أنهم شافوا الأميرة ديانا يعني!
ياسر بنبرة عاشقة
شافوا حبيبة القلب و نور العين، و بعدين تعالي هنا أنتِ بتستهوني بالغربية بتاعتي كدا ازاي أصلًا؟ طب انا بقى لما أجيلك هعرفك قيمة نفسك اللي مستهونة بيها دي!
غنى بمُزاح
قلبك أبيض يا ريس.
هتف ياسر بنبرة عاشقة.
والله ما جايبني على جدور رقبتي غير ريس الحلوة بتاعتك دي.
ابتسمت لغزله الرائع، ولكن جذب انتباهها صوت طفلة في أحد الصفوف، والتي قالت من بين عبراتها
مس غنى. تعالي بسرعة. دنيا صاحبتي وقعت ورا الحمام و أيدها اتعورت.
شهقت غنى بلهفة
تعالي بسرعة وديني ليها.
علي الهاتف صرخ ياسر مُستفسرًا
في أيه يا غنى؟
إجابته بلهفة
في وقعت بنت وقعت ورا الحمام و اتعورت. هروح اشوفها.
و انا جايلك في السكة.
أغلقت الهاتف و هرعت خلف الفتاة لمعرفة ما الأمر و إذا بها تجد دنيا الطفلة الصغيرة وهي تفترش الأرض باكيه لتخر بجانبها وهي تقول بلهفة
مالك يا دنيا يا حبيبتي؟ في ايه؟
الطفلة ببراءة
مفيش حاجة يا مس. أنا كويسة؟
غنى بعدم فهم
اومال ليه هند جت قالتلي أنك متعورة؟
كانت تتحدث وهي تبحث في الطفلة على اي خدش لتفاجأها حين قالت
دي طنط هي اللي قالتلنا نعمل كدا.
لم تكد الطفلة تُنهي جملتها حتى شعرت غنى بظل يُخيم فوق جسدها لتتراجع للخلف إثر صراخ الطفلة حين رأت المرأة الضخمة تحاول وضع السيطرة على غنى و تكميم فمها وهي تتخبط كالشاة بين ذراعيها لتصيح امرأة أخرى بصوت غليظ
بسرعة جرجريها لحد هنا. التوك توك بره.
كان رعبها ابلغ من أن تستطِع الحروف وصفه، و قد أصابها الجنون حين استمعت إلى حديث المرأة لتظل تتخبط بين يدي الأخرى تحاول التمسك بأي شيء يُنجيها من بين يدي هؤلاء الطُغاة، فلم يُسعفها شيء لتحاول غرس أسنانها في كف المرأة الضخم، و الخشن فصرخت بألم لتستغل غنى الفرصة و تدفعها قبل أن تلحق بها المرأة التي تقف عند البوابة الخلفية لتتعثر بحجر و تسقط أرضًا، وهي تصرُخ بقوة، و لكن سرعان ما تداركت المرأة السليمة الأمر و هرولت إليها لتُكمم صُراخها حتى لا يُفضح أمرهم و تتم المهمة بنجاح، وفي هذه الأثناء كان ياسر يدلف من البوابة الأمامية للمبنى وهو يبحث بعينيه عنها لتترهف أذنيه السمع، فإذا بأنين خافت يخترق صدره، فقادته قدماه عدوًا إلى هُناك ليتفاجيء بغنى التي تتخبط بين يدي إمرأتين مُتشحات بالسواد، إحداهما تُمسِك حقنه ما تحاول غرسها في رقبتها ليصرُخ بملء فمه.
غنى...
فزِعت المرأتان حين استمعن إلى صوته لتهتف إحداهما صارخة
ارمي بسرعة. هنروح في داهية.
اطاعتها المرأة الأخرى ليهرولن إلى الخارج و يستقلان التوك توك الذي كان يقف بانتظارهم ليصرُخ ياسر المنبطح أرضًا بجانب غنى.
عبد الغني.
هرول البواب إلى ياسر الذي صرخ به
بسرعة خد المكنة واطلع ورا التوك توك اللي جري دا.
أطاعه الرجل بينما هو كان يحاول الإطمئنان على حبيبته التي تنزف بين يديه ليهتف باسمها بنبرة مُلتاعة.
غنى. حبيبتي ردي عليا.
غنى بألم
كانوا هيموتوني يا ياسر.
ياسر بلهفة وهو يبحث عن أي كسور بجسدها
بعد الشر عنك يا روح قلبي. والله لهاكلهم بسناني بس اطمن عليكِ.
هكذا تحدث وهو يحملها إلى السيارة بعد أن تأكد من أنه لا يوجد كسور في جسدها لينطلق إلى المشفى وداخله يغلي كالبركان من الخوف عليها و الغضب من هؤلاء المُجرمين ليصل أخيرًا إلى هناك، و منها إلى الطواريء، فقام بحملها ليضعها على السرير النقال وهو بجانبها لتهتف بذُعر
متسبنيش يا ياسر.
أجابها بلهف يطمأنها بعباراته الحانية
متخافيش يا حبيبتي أنا جنبك، و عمري ما هسيبك أبدًا.
كان وجهها ينزف و ذراعيها و حتى رقبتها مليئة بالعلامات و الجروح السطحية، ولكن بقلبها كان الجُرح الكبير و الخوف العظيم الذي جعلها تتمسك بيده حين حاول الطبيب إخراجه ليهتف ياسر بشراسة
مش هسيبها أبدًا. محدش يقولي سيبها. اعمل كل حاجة وانا موجود.
اذعن الطبيب في نهاية الأمر، و خاصةً حين شاهد خوفها و تعلقها به ليقوم بتضميد جراحها و التي كان أصعبهم جرح عميق بكفها الأيمن جراء سقوطها وهي تقاومهم على زجاجة اخترقت الكف إلى الناحية الآخرى ليتعالى أنينها حين حقنها الطبيب بمخدر موضعي فدفنت رأسهت بين ضلوعه تبغي الراحة و الهرب من الألم، فأخذ يشدد من عناقها، و شفاهه تقطب جرحها بعبارات حانية إلى أن انتهى الطبيب من عمله بعد أن تفحص جميع الجروح التي كانت من حسن حظها سطحية ليُعطيها مُهديء حتى ترتاح قليلًا، فما أن غادر حتى اراح ياسر جسدها على السرير الطبي و أخذ مكانه على المقعد المُلاصق لها ليعود و يُمسِك بيدها الجريحة وهو ينثر بلسم عشقه فوق جراحها ثم انتقل بشفاهه إلى جبينها و خدها الأيمن، و غمرت قبلاته ذقنها المجروح، وعبراتها تسبق قبلاته في المرور على جميع جراحها ليتوقف أمام شفاهها المُتورمة، ليقترب منها قائلًا بنبرة مُتحشرجة.
سلامتك يا روح روحي.
لثم شفاهها المجروحة برفق ليعود إلى الخلف ناظرًا إلى عينيها التي كانت تشكوه وجعًا لا يبرأ و ألم لا يندثر
كنت هموت و أنت مش جنبي يا ياسر.
ياسر بلهفة و يديه تحتضن خصرها و الآخرى تمُر فوق خصلات شعرها
بعد الشر عنك يا روح ياسر. وحياتك عندي لهقلبها عاليها واطيها و اجيب الكلاب دول تحت رجليكِ. أنتِ بس قومي بالسلامة.
غنى بألم
انا معملتش حاجة وحشة في حد. ليه بيعملوا فيا كدا؟
مد يده يمحو عبراتها وهو يقول بنبرة عنيفة
عشان كلاب. هعرفهم، و هعرف مين اللي مسلطهم و عزة جلالة الله يا غنى ما هيكفيني موتهم قصاد اللي عملوه فيكِ.
ارتجف جسدها من شدة الألم و الخوف الذي لازال يُسيطر عليها ليقربها أكثر من حضنه، فهتفت بنبرة مُلتاعة
دلوقتي بس حضنتني يا ياسر من غير ما نفسك تجزع، ولا تحط الماضي بيني و بينك.
شقت جملتها صدره إلى نصفين، فهل ترى عزوفه عنها بسبب أنه يشمئز منها! أو أن الماضي الماضي لا يزال بينهم! نعم هو يهاب الماضي بسطوته، ولا زال جرحه يقف حائلًا بينهم، ولكن هو بالمقابل يعشق كل إنش بها.
غنى! أنتِ بتقولي ايه؟ انا.
صمت لا يعرف كيف يصيغ كلماته ليجد قلبه ينتفض داخله و عشق يتدفق كالسيل من بين شفاهها.
أنا بحبك. بحبك اكتر من اي حاجة في الدنيا. أنتِ بنتي اللي ربتها على أيدي، و حبيبتي اللي كبرت قدام عيني، و اللي كنت بعد الثواني عشان تبقى مراتي و في حضني. أنا مش بجزع منك او.
صمت لثوان يسترد أنفاسه قبل أن يقول بنبرة جريحة
مش هنكر اني لسه موجوع. بس انا كنت بخاف اقرب وانا لسه جرحي حي. عشان ماجرحكيش.
كانت تنظر إلى الجهة الأخرى تبكي بحسرة ليقوم بجذب رأسها لتناظره و تشتبك الأعيُن في لحظة توقف بها الزمن حين وجدته يهوى على ثغرها بضراوة جمدت كل شيء حتى جسدها، فهذه هي المرة الأولى التي يقبلها بهذه الطريقة، فلم تكُن قبلة انتقامية، ولا سطحية كما في السابق بل على العكس كانت قبلة رجل عاشق يهوى إمرأة و يشتهي قربها، فقد سلب منها أنفاسها وكأنه يعبر بطريقته كيف يُريدها، وحتى عندما فصل اقترابهم ظلت عينيه موصولة بخاصتها، فهالها كم المشاعر التي أفصحت عنها عينيه لتهمس باسمه دون حديث، فقام بإسناد جبهته فوق خاصتها قبل أن يقول بانفاس مُتهدجة.
أنا متمنتش حاجة من الدنيا غيرك، و خلاص مبقتش في حاجة هتمنعني عنك.
أطلقت العنان لأنفاسها المكبوتة و هي تتراجع عنه لتستلقي على الوسادة، فجاء طرق على الباب ليُشتت إنتباه ياسر الذي هب من مكانه حين دلف يزيد إلى الداخل ليستفهم الأخير بلهفة
طمني عليها عاملة اي؟
جذبه إلى الخارج حتى يُفسح لها المجال لترتاح ليتحدث براحته، فما أن أصبحوا خارج الغرفة حتى هتف ياسر بنبرة عنيفة.
ولاد ال، كانوا هيخطفوها لولا أني وصلت في الوقت المناسب.
يزيد بجمود
عرفت عبد الغني قالي، و عملنا محضر في القسم، و شويه غنى ترتاح، و هييجوا ياخدوا أقوالها.
كان يدور حول نفسه كمن مسه الجنون، وهو يتخيل أنه كاد أن يفقدها اليوم ليهتف بغضب وهو يضرب الحائط خلفه
ااااه لو كنت طولتهم.
اقترب يزيد يهدأ من روعه قائلًا
بقولك ايه أهدى زمان البت اتفزعت من الخضة.
ياسر بحنق.
هتجنن يا يزيد. دول كانوا بيجروها عشان يخطفوها. مين دول؟
يزيد بتفكير
طب ما يمكن اللي بالي بالك؟
ياسر بنفي
لا معتقدش. دا احتمال كبير يكون الخبر لسه موصلوش أصلًا.
زفر بحنق وهو يصيح
اووف. أنا هتجنن. جوايا طاقة غضب رهيبة.
تراجع يزيد عنه وهو يقول باندفاع
فضيها الناحية التانية الله يباركلك. أنا منمتش من امبارح و فاصل.
ياسر بجفاء
أجمد شويه، و بعدين أنت متأكد من الدكتورة دي أنها تتابع حالتها!
يزيد بلهفة.
طبعًا متأكد دانا بكراش عليها بقالي ست سنين!
ياسر باستنكار
بتكراش على ست قد أمك.
يزيد بتهكم
بس خبرة، و دي تفرق.
ياسر بحنق
غور من وشي بدل ما الخبطلك معالم وشك.
يزيد بلهفة
لا الله يسترك. أنا محلتيش غيره. على ما اخد الشهادة المنيلة دي.
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.
كان يأكل الطريق حتى يعود إليها، فقد أضناه الخصام و الشوق، و لا يعرف كيف سيحُل هذا الأمر معها. كل ما يُريده أن يُرمم شوقه الضاري لها و بعد ذلك يأتي كل شيء، ولكن لترتيبات القدر رأيًا آخر، فحين دلف إلى داخل الغرفة لم يجدها، و كعادتها فهي لم تبيت الليل بها ليتوجه إلى غرفة جدته، فلم يجد أحد، فأخذته أقدامه إلى غرفة عمته الراحلة، والذي وجد باباها مواربًا وحين أوشك على الدلوف تجمدت يديه على مقبض الباب حين سمع حديث شروق الساخر.
أنتِ ليه مُصرة تثبتي أن وجهة نظرك هي اللي صح. عمر بالنسبالي وسيلة مش غاية، وسيلة اني انتقم من نبيلة على اللي عملته في ماما الله يرحمها، و وسيلة عشان اخد حقها. ايه اللي دخل الحب في علاقتنا؟
سعاد بانفعال
أنتِ اللي بتناقدي نفسك لما بتقولي كدا، وقبلها بيوم كنتِ بتعيطيلي من وجعك.
شروق بنبرة لامُبالية
أيوا بعيط من وجعي. مش من حبه. ايه دخل الحب في كلامنا! كنت مضغوطة و مخنوقة، و بصراحة أكتر عايزة اخلص.
سعاد بصدمة
شروق انا مش مصدقاكي معقول اللي بتقوليه دا؟
شروق بملل
ايه اللي مش معقول في كلامي؟ أنتِ ايه مُصرة تشوفي الموضوع من منطق الحب و الغرام!
سعاد بحدة
لو مكنش كدا احلفي دلوقتي أن محصلش بينكوا حاجة؟
شعرت بأن كل شيء سينقلب ضدها أن ضعُفت الآن لذا استمدت قوتها من هذا الجُرح النازف في أعماق قلبها حين قالت بنبرة ثابتة
وليه احلف أنه محصلش؟ عشان هو فعلًا حصل. بس حصل عشان سبب معين انا محدداه.
سعاد بصدمة.
سبب معين!
أيوا. دي الطريقة الوحيدة اللي كنت هضمن بيها أن عمر يفضل يساعدني، و يقف قدام ممته عشاني. دي الطريقة اللي بتجيب معاه!
قالت جملتها الأخيرة بطريقة ساخرة، و كأنها تقصدت أن توصل رسالة قوية بأنه حقير، ولكن الوجع من شدته اعمى بصيرتها عن هذه البؤرة التي لا تليق بها أبدًا ليقوم عمر بفتح باب الغرفة بملامح مُتجهمة و أعيُن جامدة ليتوجه إلى جدته التي تفرقت أنظارها بينهم لتتوجه شروق بخطوات ثابتة إلى الشرفة هرباً من مشاعر تتجلى بوضوح في عينيها، و بالمقابل تجاهلها هو وهو يتحدث إلى سعاد قائلاً
عاملة ايه النهاردة؟
سعاد بنبرة واجمة و نظراتها تتفرق فيما بينهم
الحمد لله.
خدتي أدويتك؟
خدتها.
اقترب واضعًا قبلة فوق جبينها قبل أن يتراجع إلى الخلف وهو يقول بنبرة جافة
هاجي اطمن عليكِ بالليل.
اومأت سعاد برأسها ليُغادر مُغلقًا الباب خلفه غافلًا عن قلب يحترق غضبًا و عشقًا و ألمًا لتهتف سعاد بريبة
بصيلي هنا. أنتِ كنتِ قاصدة أن يسمع كلامك دا؟
التفتت شروق ناظره إليها بملامح زابلة من فرط البكاء الذي جعل قنايا الدمع تتفجر في مقلتيها، فبدت كالجحيم الذي ألقاها به عشق هذا الرجل
أيوا كنت قاصدة.
سعاد بصدمة
ليه يا شروق؟
شروق بنبرة تفوح منها رائحة القهر
عشان عمر دا أحقر إنسان قابلته في حياتي.
لم يكُن بحاجة لأكثر من ذلك حتى يُعيد النظر في كل شيء بينهم، و لكن دائمًا هناك من يقف بالمرصاد حتى يُفتح أبواب الجحيم على مصرعيها أمامهم.
وجد نفسه وجهًا لوجه مع والدته التي كانت تقف أمامه بملامح واجمة تشبه نبرتها حين قالت
عايزة اتكلم معاك شوية.
زفر عمر بقوة. قبل أن يقول بجفاء
مش عايز اتكلم مع حد.
نبيلة بجمود
يبقى تسمع.
اغتاظ من إصرارها ولكنه في النهاية رضخ أمام إصرارها ليتوجه معها إلى غرفة الجلوس و يتربع على أحد المقاعد في انتظار أن تبدأ في حديثها المزعوم، و الذي شرعت به حين قالت بنبرة حزينة
اللي حصل مع ابوك امبارح دا مكنش ينفع.
عمر بجفاء.
متبدأيش بالموضوع دا عشان أنا على اخري.
و احنا كمان على آخرنا. أنا وابوك كبرنا لو مش شايف. ابوك كل شعره أبيض، وصحته مبقتش زي الأول. بس انت مش واخد بالك.
هكذا قاطعته نبيلة مُستغلة هذه النقطة الحرجة لصالحها ليهتف عمر باندفاع
ماله بابا؟
نبيلة بتخابُث
امبارح ضغطه علي، و روحت بيه المستشفى. تقدر تسأل مصطفى صاحبك.
عمر بجفاء
ازاي مقاليش؟
نبيلة بتقريع.
باباك اللي قاله ميقولكش. بدل ما يستند عليك، و أنت اللي تكشف عليه. بيبي وجعه منك، . رايح للغريب عشان ابنه واقف قصاده بيناطحه راس براس، و بينصر الغريب عليه.
حين أشارت بحديثها إليها شعر بوخزة ألم قوية داخل صدره، ولكنه قرر تجاهل كل شيء و قال بجمود
هطلع اطمن عليه.
نبيلة بحدة
استنى. بلاش تشوفه.
عمر باستفهام
ليه؟
نبيلة بحزن زائف.
عشان مضمنكش، و عارفة أنه لما بشوفك هيتعصب وهيضايق مرة تانية و ممكن ضغطه يعلى تاني، وانا بصراحة مش هتحمل يجراله حاجة.
تهادت عبرة لئيمة فوق خدها وهي تُتابع بضعف لا يمُت إلى الحقيقة بصلة
أنا لو ابوك جراله حاجة هموت نفسي. مش هتحمل بهدلتك فيا بعد العمر دا يا دكتور عمر. ابوك لو جراله حاجة ضهري هيتكسر. عشان كدا مش هسمحلك تشوفه، ولا تدخل عليه طول ما انت بتعصانا بالشكل دا!
ضاق ذرعًا بكل ما يحدُث، فهتف بغضب.
أنا عايزة افهم فين الجريمة اللي عملتها في حقكوا؟
وصلت إلى مبتغاها لتصُب الوقود فوق النيران حين ثارت قائلة.
كل دا و مش فاهم! انت متعرفش ابوك أتأذى ازاي بسبب اللي عمتك عملته زمان. دا فضل ياما مش قادر يرفع عينه في عين الناس و أولهم خالد و أهلي. دي كسرت ضهره و خلت راسه في الأرض. ضربته بسكينه لسه بتنزف، و جاي بعد العمر دا كله تجيب بناتها و تحطهم قدام عنيه، لا و كمان تتجوز واحدة منهم، و كأنك بتغرز السكينة اكتر و اكتر. ليه كدا حرام عليك!
إنهيارها و حديثها عن والده بهذه الطريقة ألجموا السرج حول الكلمات فوق شفتيه ليدور حول نفسه وهو يشد خصلات شعره بعُنف تجلى في نبرته حين قال
ماهو لازم يعرف أن مش معنى أن عمتي غلطت أن بناتها يترموا في الشارع!
نبيلة بحدة
مقولتش كدا. بس كان ممكن تساعدهم أنت و جدتك بأي طريقة الا انك تعمل معاه كدا.
اقتربت منه تمسك بذراعه، وهي تبكي بحرقة زيفتها في نبرتها حين قالت.
أبوك محسور يا عمر. ابنه اللي كان بيحلم يجوزه لبنت أحسن عيلة في البلد، و يشوف ولاده خرج عن طوعه، و راح اتجوز بنت اخته اللي قهرته زمان، و بيحاول أنه ينسى غدرها بيه. عارف المشكلة في ايه يا عمر! المشكلة أنك بالنسباله العكاز اللي كان شايله للزمن عشان يتسند عليه. بس العكاز دا هو اللي قطم ضهره.
تراشقت الكلمات بصدره و أخذ عقله يرددها على مسامعه حتى كاد رأسه أن ينفجر لتستغل هي ذلك لصالحها قائلة بتوسل.
بلاش تعمل في أبوك كدا يا عمر. انسى الماضي و أشفق عليه. بلاش انا. أنا وحشة بس هو طول عمره بيحبك. فاكر فرح ازاي لما جيت مجموع يدخلك كلية الطب؟ أنت فرحته يا عمر.
كان وقع كلماتها قاسيًا على قلبه الذي ضاق ذرعًا من كل شيء ليهتف بتعب
أنتِ عايزة أيه دلوقتي؟
نبيلة بخفوت
فكر في موضوع البنت دي مرة كمان، و لو على ورثهم هنديهم اللي هما عايزينه دا أصلًا كل اللي هما جايين عشانه.
عندما تفوهت بهذه الكلمات عادت كلمات شروق إلى جدته تطن بعقله كالذُباب، فأصبح الألم ضاريًا خاصةً حين تابعت نبيلة قائلة
بقى انت الدكتور عمر. زينة الشباب تتجوز دي! فوق يا ابني. أنت عايز واحدة تليق بيك. عيالك يتشرفوا بجدهم مش تتكسف حتى انك تقول اسمه قدامهم.
لم يعُد باستطاعة عقله استيعاب كل هذه الأمور ليضيق صدره بقسوة جعلته يهتف بشراسة
خلاص بقى. اسكتي شوية. أنتِ ايه مبتزهقيش؟
أنهى جملته و توجه إلى الغرفة حتى يضع رأسه الذي يكاد ينشطر إلى نصفين أسفل المياة لقد كان قاب قوسين أو أدنى من الإصابة بسكتة دماغية. كل شيء يأتي دفعة واحدة. حديثها الذي حتى و إن كان يعلم أنه من اعماق جرحها ولكنه آلمة و بشدة، و ما حدث بينه و بين والده، و حديث والدته و هذه الحقيقة المروعة بأن عمته اختارت رجلاً بلا نسب ولا عائلة لتهرب معه، و هل سيحتمل أن يقترن اسم أطفاله بنسب هذا الرجل! كلها أشياء إصابته بالتعب ليقف أسفل المياة بملابسه لمدة ليست بالقصيرة، و من ثم قام بخلعها ليُحيط خصره بالمنشفة قبل أن يخرج إلى غرفته وهو يشعر بأن المياة هدأت من سخونة جسده و رأسه ليقف بمنتصف الغرفة يُفكر ما الذي يجب عليه فعله، و في هذه الأثناء رن هاتفه ليتوجه إليه مُجيبًا.
أهلًا يا مصطفى.
ايه يا عمور عامل ايه يا ابني و ازي باباك أخباره ايه دلوقتي؟
عمر بجفاء
الحمد لله. قولي يا مصطفى حالته كانت أيه؟
خدعه مصطفى الذي نظر بمكر إلى الفتاة بجانبه وهو يقول
ضغطه كان عالي اوي يا عمر، وبصراحة دا موضوع ميبشرش بالخير.
عمر بجفاء
ما تخلص يا مصطفى أنت هتنقطني. قول حالته ايه؟
والدك كان داخل على جلطة لولا ستر ربنا. معرفش ماله! بس الصراحة انتوا لازم تجنبوه الزعل أو الضغط الفترة الجاية دي. مش انا اللي هقولك يا عمر.
زفر عمر بقوة، فهتف مصطفى بتخابث
و أنت كمان يا عمر شكلك مش مظبوط! فين عمر بتاع زمان! دا انت بقالك ياما مجتش تسهر معانا، وحتى بوسي سألت عليك!
عمر بتعب
مش رايق لحاجة يا مصطفى.
ياعم انت فوق كدا دا اللي يشوف بوسي وهي بترقص ينسى نفسه.
عمر بملل.
اطلع من دماغي يا مصطفى مش رايقلك.
بردو! انت مالك شايل الهم ولا اكنك دخلت قفص الجواز كدا ليه؟ والله انا قولتها لصاحبك بس مسمعنيش اهو بيلطم دلوقتي عشان مسمعش كلامنا
عمر باستفهام
تقصد مين!
اقصد محمود. ركب دماغه و اتجوز البت اللي كان متشعلق فيها، و دلوقتي بيندم ندم عمره.
عمر بترقب
ليه؟
تهكم مصطفى قائلًا.
ياعم أهلها فضحوه بنسبهم اللي يعر دا، و البت بيئة و أسلوبها فلاحي، و دلوقتي لبس في عيل منها، و أبوه قاطعه بسببها. دا غير كل أصحابنا اللي مبقاش عارف يشوفهم، عامل زي الغريق بيضرب نفسه بالجزمة. قولتله قولنالك خد بنت ناس تليقلك بلاش توحل نفسك وأهلك في جوازة غبرة زي دي قولت بحبها. خليه يشرب بقى.
أتقن اللعب على وتره النازف، و عقله المريض تولى البقية ليقول بجمود.
ما علينا المهم. أنا هخلي بابا يروح المستشفى يعمل فحوصات عشان اطمن عليه، و عايزك تكون معاه و تبلغني.
مصطفى بتخابث
عيني. بس على شرط تسهر معانا النهاردة. والله القاعدة نقصاك، و الشباب بيسألوا عليك، و كمان الشقة بقالك شهور مروحتهاش. فك بقى الحصار دا و ارجع عمر الوتيدي صاحب المزاج العالي، ورجع أيام الشقاوة بتاعت زمان.
كان اختبارًا قاسيًا إما أن يتجاوزه، و ينجو أو يسقط في فخه و يهلك، ولأن هذه غاية الشيطان منذ بدأ الخليقة، فقد سقط في الفخ حين قال بنبرة فاحت منها رائحة الكبر
عيب عليك يا ابني أنت. عمر الوتيدي هيفضل هو عمر الوتيدي. جهزلنا سهرة حلوة من بتاعت زمان، و قول لبوسي أن عمر جاي النهاردة.
لم تحسب حساب بأن السهم الذي أطلقته سيرتد إلى صدرها بهذه السرعة، فقد أرادت أن تجرحه ثأرًا لكرامتها، فأعدت له كأس الإهانة المسموم بقيح الاحتقار، وهاهي الحياة تُخبيء لها نصيبها منه على نفس طريقتها، وها هي تستمع إلى حديثها المسموم الذي انفطر له قلبها، فمن ظن يومًا أن الحياة عادلة مُخطيء، و من تمسك بحبال الانتقام هلّك، ولو كان يحمل راية الحق، فصدق من قال أن الحماقة أعيت من داواها.
علي الجانب الآخر التفت مصطفى إلى الفتاة العارية بجانبه وهو يقول بفخر
ايه رايك يا حياتي! نفذت اتفاقي ولا لا؟
تمطت هايدي بكسل قبل أن تقول بسعادة
نفذت يا حبيبي.
اقترب مصطفى منها بعينين تلتمع بهم الرغبة التي تجلت في نبرته حين قال
نفوق بقى من قصة عمر دي و نشوف نفسنا!
لم يُعطيها الفرصة للحديث، فقد اقترب ينهل من جسدها البخس، وهو يُبيح لنفسه هذا العشق المُحرم الذي اغوته بها ساقطة مثلها.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
توقفت السيارة أمام باب القصر، والتفت خالد ناظرًا إليها وهو يقول بنبرة حانية
طبعًا دا ميعتبرش أي حاجة. احنا لسه شهر العسل بتاعنا زي ماهو. بس هنضطر نأجله لحد ما اظبط الدنيا.
أشجان بنبرة مُتفهمة
أنا عارفة كويس التزاماتك تجاه عيلتك، و كمان مش زعلانه أننا رجعنا.
خالد بتبرُم
اومال أنا هطق ليه؟
ابتسمت رغمًا عنها، فتابع بنبرة وقحة
متفكريش أننا عشان رجعنا خلاص فلتي مني! أنا هعرف استفرد بيكِ بطريقتي.
أشجان بخفوت و الخجل يغمرها من وقاحته
علي فكرة عيب جدًا كدا.
خالد بنبرة عابثة
هو أنا مش اعترفتلك قبل كدا اني قليل الأدب!
أشجان بلهفة
لا طبعًا انا مش فاكرة.
خالد بوقاحة
حلو أول ما ندخل الفيلا هشيلك هيلا بيلا ونروح على أوضتنا عشان افكرك.
أشجان بصدمة
أنت أكيد مش هتعمل كدا!
خالد بمرح
كدا اللي هو ازاي؟ اني اشيلا هيلا بيلا و لا افكرك اني قليل الأدب!
خالد بطل بقى.
خالد بنبرة عابثة
أنت تؤمر يا حلو.
قهقه بصخب على خجلها قبل أن يقوم بدق ناقوس السيارة ليقوم الحارس بفتح بوابة القصر على الفور
.
في الناحية الأخرى كانت نبيلة تتوجه إلى القصر المجاور للتحدث مع ميرهان شقيقتها، ولكنها تفاجئت بأن الباب الداخلي للقصر مغلق لتقوم بجذب مفتاحها لتحاول وضعه بقفل الباب، ولكن فشلت محاولتها، فانكمشت ملامحها بعدم فهم، و فجأة وجدت الباب يُفتح من الداخل لتُطِل عليها آسيا التي تحدثت بتهكم
أهلًا يا بلبلة. تعالي اتفضلي.
دفعتها نبيلة لتدلف إلى الداخل وهي تقول بحدة
هو الباب مبيفتحش ليه من بره؟
آسيا بشماتة
أيه دا هو أنتِ متعرفيش! مش خالد غير كل كوالين ابواب القصر. حتى الأوض كمان!
نبيلة باندهاش
ايه!
و لكن سرعان ما تضاعفت دهشتها حين أخذت عينها تطوف في المكان بأكمله، فقد تغير الكثير من الأثاث دون أن تعرف، فالتفت ناظره إلى آسيا وهي تهتف بحدة
مين اللي سمح لنفسه يغير الفرش دا من غير اذني؟
أنا.
انتفض جسدها لدى سماعها صوت خالد القادم من الخلف، و لكن الصدمة حين رأت أشجان التي تُمسِك بيده، فهربت الحروف من بين شفاهها وهي تناظر آسيا التي اقتربت تعانق شقيقتها بحب وهي تقول بمرح
أهلًا بالعرسان.
كانت كالتمثال الذي قُد من حجر من فرط الصدمة وحدها عينيها هي التي تتفرق بينهم و التي توسعت على آخرها حين وجدت رنا تهرول من الأعلى و بجانبها طفلي أشجان ليعانقوها هي و خالد مُرددين
بابا خالد. ماما أشجان.
كان مظهرها مُضحكًا بفمها المفتوح و كذلك عينيها الجاحظتين لتتضاعف نظرات الشماتة من قِبل آسيا، و يُقرر خالد إنهاء هذا المشهد الهزلي حين قال بحنو
حبيبتي خدي الولاد واطلعي ريحي شويه وانا هحصلك.
ابتسمت أشجان التي كانت قلقة من الموقف كله، فلم يفوته ذلك فاقترب واضعًا قبلة دافئة فوق خدها ويده المُحيطة بخصرها تضغط عليه قليلًا تزامناً من كلماته المُطمأنة بجانب أذتها
متقلقيش من حاجة وانا موجود.
اتسعت ابتسامتها و قد أراحتها كلماته لتأخذ الأطفال و معهم آسيا إلى الأعلى، و يتوجه هو إلى داخل مكتبه لتتبعه نبيلة التي هرولت خلفه وهي تهتف بأنفاس مقطوعة
خالد. هو أيه اللي حصل من شوية دا! أنت اتجوزت دي فعلًا...
لم تكد تُنهي جملتها حتى افزعها صُراخه حين قال
مسمهاش دي! اسمها أشجان خالد الوتيدي. سامعة يا نبيلة ولا لا؟
هربت الدماء من أوردتها من صراخه و مظهره المُرعب لتتلعثم حين قالت.
أنا. أنا. مقصدتش. أنا. بس. بسأل.
خالد بحدة
و انا جاوبتك.
نبيلة بارتباك من مظهره الغاضب
ربنا. يسعدك. بس. يعني. أنا أصلي. كنت. متضايقة. بسبب اني لقيتكوا غيرتكوا مفاتيح أبواب البيت من غير ما اعرف.
خالد بقسوة
ميخصكيش. البيت له أصحابه، وأصحابه معاهم مفاتيحه.
نبيلة بصدمة
بس يا خالد. دا بيتي و بيت ابويا وامي.
قاطعها بفظاظة
كان، دلوقتي بيتك عند جوزك، والبيت هنا بقى له ست. هي الكل في الكل فيه.
ضيق عينيه وهو يقول بنبرة مُرعبة تشبة ملامحه في هذه اللحظة كثيرًا
طبعًا عرفاها.
من فرط الرعب لم تخرج الكلمات من فمها ليُتابع هو بهسيس مُرعِب
أشجان. مراتي، و مراتي خط أحمر.
تجهمت ملامحه أكثر وهو يقول
سمعاني؟
ازدردت ريقها قبل أن تقول بأنفاس مُتلاحقة
سامعة.
أضاف خالد بنبرة متوعدة
أنتِ اكتر واحدة عارفة اني مبعيدش كلامي مرتين، فاوعي تخليني ألجأ للفعل معاكِ، و افتكري كلامي دا كويس.
أومأت برأسها دون حديث ليُطلق سراحها حين قال بجفاء
ارجعي بيتك، و قبل ما تدخلي البيت دا تاني. استأذني من صحابه.
اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي.
البطل بتاعي سرحان في ايه؟
هكذا تحدث كمال وهو يعانق آسيا من الخلف لتشهق بخوف حين فاجأها ولكنه باغتها حين ادارها إليه وهو يغمرها بشوقه الضاري الذي جرفها معه في دوامه ساحرة كان هو المُتحكم بها ليفصل قربهم وهو يقول بأنفاس مقطوعة
يخربيت الحلاوة هو في كدا!
آسيا بنبرة مُتحشرجة
يعني مش كفاية خضتني! كمان بتقل أدبك!
داعب أنفها بأرنبة أنفه قبل أن يقول مُشاكسًا.
دي مش قلة أدب دا اعتذار رسمي. بس أنت اللي عامل عبيط. وحشتيني.
كان رائعًا للحد الذي أيقظ نيران الذنب في صدرها تجاهه، فلأول مرة تُبادر هي و تحتضنه بهذه القوة وهي تقول بنبرة خافتة
أنت اللي وحشتني اوي. كنت فين كل دا؟
شعر بشيء في حديثها، ولكنه احتواها بقوة وهو يُجيبها بنبرة عاشقة
كنت في مشوار مهم. هحكيلك عليه بعدين. المهم قوليلي مالك؟ حاسس ان فيكِ حاجة!
تمرغت بين ضلوعه الحانية رغم صلابتها لتؤكد لنفسها انه معها، وهي تقول بدلال
وحشتني بس، و كنت مفتقداك جدًا طول النهار.
رفع رأسها لينظر إلى داخل عينيها قبل أن يقول باهتمام
عليكِ حمرا. آسيا أنتِ عيطتي النهاردة؟
بللت حلقها قبل أن تقول بارتباك
لا هعيط ليه؟
أدارت وجهها الناحية الأخرى حتى لا يستشعر كذبها ليُدير رأسها مرة أخرى بأنامله فوق ذقنها وهو يقول بإلحاح.
أنا عارف بقولك ايه؟ قوليلي مين ضايقك؟ نبيلة ولا ميرهان؟ قوليلي والمرة دي هطربق الدنيا على دماغهم.
آسيا بلهفة
والله أبدًا انت بس وحشتني. مش متعودة تغيب عني كل دا، فغصب عني عيطت.
تضخم قلبه من فرط السعادة لحديثها ليقترب منها ويديه يشتد طوقهم حول خصرها لتتعانق أضلعهم و تشتبك أنفاسهم لتحترق بلوعة الهوى الذي تجلى في نبرته حين قال
بقى انا السبب في دموع حبيبي! لا دانا عليا غرامة واجبة التنفيذ
آسيا بخفوت
كمال.
كمال بنبرة تقطُر عشقًا
روح قلب كمال. بقى انا وحشتك للدرجادي! طب وحياتك عندي لهعملك حتة مفاجئة بالليل تخلي عيون حبيبي الزعلانين دول يرضوا عني. بس قبلها لازم اخد التمام.
قهقهت على حديثه الذي تعلم مغزاه ليقوم هو بوضع يده خلف ركبتها و الأخرى خلف ظهرها ليحملها وعينيه لازالت تشتبك مع عينيها في حديث خاص أذاب أوصالها كما فعل هو حين اقترب يرتشف هذا العسل المُذاب بين شفتيها لتبادله بنهم أفقده صوابه، فلأول مرة تُغدق عليه من حنانها و عشقها بهذه الطريقة التي أججت نيرانًا هوجاء داخل صدره تردد صداها في أرجاء الغرفة التي شهدت على ملحمة عشق من نوعًا خاص، فقد كانت تحاول تعويضه عن الذنب الذي ارتكبته بحقه، ولكن هل يفلح؟!
اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
بعد أن انتهى من الإدلاء بأقواله أمام الشرطة توجه إلى غرفتها بأقدام متلهفة ليفتح الباب و يتفاجيء من خلو الغرفة منها، فهوى قلبه بين قدميه ذُعرًا ليندفع إلى الخارج بحثًا عنها، و لكن دون جدوى، لتقوده أقدامه إلى الخارج فلم يجد شيء، فتوجه الى الأعلى لرؤية يزيد حتى يساعده في البحث عنها و فجأة وهو بالطابق الثالت تجمدت خطواته حين شاهد...