رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الرابع والثلاثون
لم يكُن الأمر عادلًا أبدًا حين يتعلق أي شئ بك. تتبدل فيزيائية الأمور و تنحاز المُعطيات و الدوافع و المُبررات وفق إرادتك و إن خالفت كل حدود المنطق، يختل ميزان النظريات العلمية فلا يعُد لكل فعل رد فعل بل لفعلك أنتِ ما يُناسبه و يليق بك. حتى و إن خرق ذلك مقاليد الكون والطبيعة ف رُوَاء وجودك يُكمم كل هتافات و احتجاجات العقل الذي أسلم رأيته هو الآخر أمام إغواء حضورك.
فبات كان كل شئ يتهاون معك رغمًا عني و عن إرادتي فلم يعُد بُد من الانهزام و ما أشهاه بين حنايا صدرك.
خرجت آسيا إلى الشرفة تحاول الوصول إلى شروق التي كان هاتفها مُغلق لتزفر بحنق وهي تقول
يوووه بقى ما تردي أنتِ كمان.
أنهت جملتها و رفعت رأسها إلى الجهة الآخرى لتبرق عينيها حين رأت سيارة فارهة تقف على أعتاب شارعهم، فضيقت عينيها وهي تُفكر لمن تعود هذه السيارة الباهظة الثمن، وفجأة تعالى رنين هاتفها لتُصدم حين ربطت الخيوط ببعضها البعض لتُجيب بترقُب
مستر خالد.
خليها تطلع البلكونة. عايز أشوفها.
هكذا تحدث خالد بنبرة مُتهدجة من فرط روعة الشعور الذي اجتاحه حين أرسلت له آسيا هذه الرسالة القصيرة والتي جلبت إلى قلبه سعادة العالم أجمع ليشعُر بأن لا طاقة له للبقاء بعيدًا عنها اشتهى رؤيتها ولو من بعيد حتى يختبر مدى روعة أن ينظر إليها بلا قيود ولا محاذير.
حاضر.
هكذا تحدثت آسيا باختصار وهي تتوجه إلى الداخل لتجد أشجان التي كانت تجلس فوق مخدعها شاردة لا تُصدق ما حدث خلال الساعات الماضية، فهي أخيرًا تحررت من ذلك القيد الذي أحكم الطوق حول عنقها لعشر سنوات والآن هي حرة في مأمن من خوفه و غدره و قسوته، ولأول مرة ينهمر الدمع من بين مآقيها يتراقص فرحّا لتهمس بخفوت
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه.
شوشو.
كان هذا صوت آسيا الذي أخرجها من شرودها لتمحي عبراتها بكفوفها المُرتعشة وهي ترفع رأسها قائلة بخفوت
نعم يا حبيبتي.
شعرت بأنها تود أن تعانق شقيقتها كثيرًا، فهي ترى الفرح و الراحة بعينيها ولكنها كما كانت تكبت حزنها بين طيات صدرها هاهي تحتفظ بفرحتها خوفاً من حدوث شيء يُفسد ما تشعر به لذا اقتربت ووضعت قبلة حانية فوق جبهتها وهي تقول بحنو
افرحي يا أشجان كابوسك انتهى.
أشجان بنبرة مُرتجفة
خايفة.
آسيا بتحفيز.
اوعي تخافي. محدش هيقدر يأذيكي من هنا ورايح. تعالي معايا.
أنهت جملتها وهي تسحبها إلى الشرفة قائلة بحبور
اقفي شويه في الهوا الأوضة هنا خنقة وانا هضحي وهعملك كوباية نسكافيه تظبط دماغك.
أشجان بهدوء
ايه الرضا دا كله.
غمزت آسيا بمرح قبل أن تقول بتخابُث
بمناسبة الرضا في حد نفسه يسمع صوتك خدي ردي.
تفاجئت أشجان من حديثها و هذا الهاتف الذي وضعته فوق أذنها لتستمع إلى هدير انفاس جعل رجفة قوية تضرب سائر جسدها، و تسارعت أنفاسها و كأنها مراهقة لم تبلغ الخامسة عشر من عمرها، ولكنها لا تدري انها بعينيه أجمل إمرأة خلقت على وجه الأرض للحد الذي يجعل النظر إليها و لو من بعيد نشوة خاصة يشعر بها قلبه للمرة الأولى في حياته.
بيقولوا أن الإنسان لما بيحب روحه بتتقسم و بيروح نصها مع حبيبه. بس ميعرفوش أنه لما بيعشق روحه و قلبه وحياته بتكون متعلقة بنظرة واحدة بس من عيون اللي بيعشقه. مش هترديلي روحي بقى؟!
كتائه ضل طريقه لسنوات في صحراء قاحلة جردت روحه من كل معالم الحياة، وفجأة ظهرت أمامه واحة خضراء تسُر الناظرين هكذا كان شعورها في هذه اللحظة التي غمرت قلبها بفرحة عظيمة لم تشعر بها يومًا جعلت جسدها يرتجف بطريقة ملحوظة مما جعل الحروف تتراقص فوق شفتيها حين همست بخفوت
خالد.
عذوبة حروف اسمه من بين شفتيها جعلت دقات قلبه تتناحر بداخله من فرط العشق الذي احتل قلبه تجاه هذه المرأة ليهتف بنبرة خشنة.
معقول مبقاش في حاجه واقفه بيني وبينك!
لأول مرة تسمح لقلبها بالتعبير عن مشاعره التي كان يُخفيها جيدًا في أعماقه ولكنها الآن تغلبت عليها لتُغمض عينيها بحالمية و ابتسامة خافتة ظللت شفتيها قبل أن يُعنفها عقلها الذي ذكرها بأنه لازال هُناك عائق زمني يحول بينها وبين هذه المشاعر لتتحدث بنبرة حاولت جعلها ثابته قدر الإمكان
انت عارفه أن مينفعش تقول.
قاطعها بهسيس خشن.
أنتِ اللي مينفعش تمنعيني اقول اللي في قلبي بعد كدا.
حاولت الصمود أمام إغواء عشقه الضاري لتهتف بلهفة
أنت مش فاهم.
للمرة الثانية يقاطعها ولكن هذه المرة بتنهيدة قوية و نبرة محرورة
مشكلتي اني فاهم. مش مقدرتش امنع نفسي اجي و املي عيني منك.
أصابتها جملته بصاعقة قوية جعلتها كالممسوسة تنظر حولها بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت
هاه. انت. انت فين؟
أعجبه ارتباكها و لهفتها ليقول بخشونة
بصي وراكي.
التفتت الى الخلف و سرعان ما تجمدت بمكانها حين رأته يترجل من سيارته و يقف أمامها و على الرغم من أن الضوء كان خافت ولكن قلبها رأى ملامحه الوسيمة و انتفض متأثرًا بها لتحاول العودة إلى أرض الواقع حين قالت بلهفة
انت مجنون ايه اللي جابك هنا؟
أجابها بصوتًا أجش دغدغ جميع حواسها
هتصدقي لو قولتلك اني لأول مرة اتفق انا وقلبي على حاجه، وهي اني مكنتش هقدر انام النهاردة من غير ما أشوفك.
كان كل ما يحدُث كثيرًا عليها لتتحمله، فكل هذه المشاعر التي تشعر بها تجاهه والتي يغمرها بها شيئًا جديدًا عليها للحد الذي جعل الخوف يغزو أوردتها فحاولت الحديث بجدية
خالد ممكن تسمعني؟
غازلها بطريقة الخاصة حين قال
ممكن! دانا مش هعمل حاجه بعد كدا غير أن انا اسمعك.
سارعت بإغلاق المجال أمام كليهم خوفًا من أن تكُن ممن استعجل شيئًا قبل أوانه فيُعاقب بحرمانه لذا هتفت قائلة
ارجوك انا لسه مبقتش حرة. لسه فيه عدة.
تجعدت ملامحه حين ذكرته بهذا العائق الزمني الذي يفصل بينهم لتحتد لهجته قليلاً حين قال
مش لازم تفكريني. بس خلينا نعتبر أن الثواني دي مش محسوبة من الزمن، وربنا يصبرني لحد ما التلت شهور دول يخلصوا.
شعرت بما يُخابره، ولكنها حتى لو اشفقت على كليهمَ لابد من أن تضع حدًا فاصلًا بين اي خطأ وارد الحدوث لذا قالت بهدوء
هو ينفع اطلب منك طلب؟
خالد بنبرة تقطُر عشقًا
أنتِ ينفع تطلبي عنيا مش هقولك لا.
ما بال هذا الرجل يتلاعب بدقات قلبها كعازف يضرب بأنامله فوق آلته الموسيقيه لتعزف اعذب الألحان، و على الرغم من هذه السعادة الفريدة من نوعها التي سكنت قلبها ولكنها أعادت الأمور إلى دفتها حين قالت بنبرة جادة
ياريت من هنا لحد ما عدتي تخلص لا اشوفك ولا اكلمك. عايزة بعد ما الأيام دي تعدي افرح من قلبي من غير اي ذرة تأنيب ضمير.
كان يعلم ما تريده حتى قبل أن تتفوه به، و بالرغم غضبه الذي كان يجيش بصدره في هذه اللحظة إلا أنه يعلم بأن ما تقوله هو الصواب إذا قال بنبرة خشنة
ينفع بس بشرط.
فاجأها حديثه و نبرته التي جعلت الخجل يعرف طريقه إلى وجنتيها لتهتف باندفاع
ايه دا معلش؟ انا مش هعمل اي حاجه خالص على فكرة.
ابتسم على عفويتها و خجلها الذي شعر به من ارتجافة نبرتها ليقول بنبرة عابثة
حتى لو كانت حاجة صغننة أوي.
اجابته باندفاع
مش عارفه.
وصلتها ضحكته التي ضاعفت من خجلها ليقول بنبرة مُطمئنه
طيب متقلقيش هي حاجة بسيطة اوي.
لانت ملامحها قليلًا لتقول بخفوت
ايه هي؟
خالد بنبرة خشنة مُشتاقة
عايز اشوف ضحكتك قبل ما امشي.
رغمًا عنها ارتسمت ابتسامة رائعة فوق ثغرها جعلته يشعر و كأنه ملك الكون بأكمله ليقول بنبرة موقد بلهيب العشق
انا كدا خدت اللي جيت عشانه.
اخفضت رأسها خجلًا قبل أن تقول بخفوت
طب ممكن توعدني تنفذ اللي طلبته منك؟
خالد بابتسامة عاشقة
اوعدك.
حاولت اخفاء بسمتها وهي تقول بخجل
طب ممكن تمشي بقى.
خالد بوعيد
همشي. بس خليكي فاكرة اني قلبي أسود ومبنساش حاجه.
أشجان بلهفة
يعني ايه؟ مش فاهمة.
أجابها بتخابُث لم يخلو من الوقاحة
يعني كله هيطلع عليك في الآخر يا حلو.
غمرها الخجل للحد الذي جعلها تهرول إلى الداخل و قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها من شدة خفقاته.
اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
نظرت إلى نفسها في المرآة و ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها، فمن يراها وهي بهذا الجمال لا يتخيل كم الدمار الذي يجتاح صدرها حتى بات التنفس مؤلمًا، فسحبت كمية كبيرة من الهواء داخلها وهي تحاول ابتلاع هذه الغصة الصدئة التي تمتد من القلب الى الحلق لكي تستطِع مواجهة الجميع برأس مرفوع، فلن تسمح لأحد بأن يُشفِق عليها أبدًا. أنهت زينتها المُتقنة بعد أن صبغت شفتيها بلون نبيذي جريء يتنافى مع براءة ملامحها و ارتدت فستان باللون الكحلي المزين بفصوص لامعه براقه أعطته مظهرًا رائعًا مما جعل الأنفاس تعلق بصدره حين دلف إلى داخل الغرفة لتقع عينيه عليها وهي بهذه الطلة المُبهرة، فقد كان تحول كبير بين طفلته الجميلة و بين هذه المرأة الفاتنة التي تنظر إليه بعينين جامدتين و كأنهم حجر ليهتف قلبه مؤنبًا.
كل هذا من صُنع يداك، فلا تتذمر.
تنحنح بخشونة قبل أن يقول بجمود
خلصتي! الجماعه وصلوا تحت.
خلصت.
كانت نبرتها جامدة و حديثها مُختصر لتبدأ شراره غضبه بالاتقاد، فجاءت لهجته جافة حين قال وعينيه مُسلطة فوق شفاهها المُغوية
هو الروچ دا مش ممكن يتخفف شويه عن كدا!
غنى بجمود
دا ثابت لا بيتخفف ولا بيتمسح.
استنكر حديثه ليهتف ساخطًا
. ولما هو كدا بتحطيه ليه؟
غنى باختصار
عجبني لونه.
التفتت تنوي الخروج من الغرفة لتوقفها يده التي اعتقلت كفها بعُنف تجلى في نبرته حين قال
الطريقة دي مش هتنفع معايا خلي بالك.
ارتفع أحد حاجبيها باستنكار ليُتابع قائلًا بنبرة أهدأ
القسوة دي مش طبعك، فمتحاوليش تتصنعيها عشان مش هتعرفي.
كانت عينيه تحمل اعتذارًا لم يتخطى حدود شفتيه و نبرته تحوي عتب استنكرته بشدة لتقول بجفاء
القسوة دي زي ماهي صفة وراثية هي صفة مُكتسبة بردو، و أظن انك اكتر واحد عارف دا.
فطن إلى المغزى وراء حديثها، وقد أيدها قلبه الذي خاصمه لأجلها لذا تحدث بنبرة يتخللها الندم
عارف، و عارف اني قسيت عليكِ. بس انا كنت موجوع اوي وقتها.
لم ترق ملامحها ولا نظراتها لحديثه لتُجيبه بتهكُم تعلم كم سيُثير غضبه
سلامتك.
وصلت إلى مبتغاها وبدأ غضبه بالتصاعد ليهتف بتحذير
غنى. بلاش الطريقة دي معايا.
أرادن ترسيم الحدود بينهم لتثأر منه على مهلها، فهتفت بنبرة جافة.
هو انت ليه متخيل أن عشان طريقتي دي مش عجباك اني هغيرها!
حديثها و نبرتها وملامحها و كل شيء يُحيط بها يوحي بأن غضبها لم يتلاشى بعد لذا تحدث بهدوء يخفي توسل بين طياته
مش هتغيريها عشاني؟
قست نظراتها و نبرتها حين قالت
لا، و مش هطالبك تتقبلني زي مانا. عشان احنا مش هنطول سوى.
خطت إلى حقل ألغام بدأ بالانفجار داخل صدره ليهتف بنبرة قاسية
هو أنتِ متخيلة اني ممكن في يوم من الأيام اطلقك!
ارتج قلبها لهذه الكلمة، ولكنها نحته من منصبه بعد كل هذه الجراح التي نالت منه لتهتف بجفاء
اه متخيلة. ليه متخيلش؟ من حقك تعيش حياتك مرتاح، و راحتك عمرها ما هتبقى معايا، ولا انا راحتي هتبقى معاك.
عاندها و استمسك قلبه بجميع الخيوط التي تربطهما ليهتف بحدة
حتى لو كلامك صح. مش هطلقك لو على موتي. يا غنى.
جملته خدرت أوجاعها قليلاً ولكنها لم تفلح في محو هذه المرارة التي علقت بحلقها لتقول بتهكُم.
ايه دا؟ دي مش بس القسوة اللي طلعت صفة مُكتسبة دي الأنانية كمان!
ياسر بنبرة يتخللها نزعة تملُكية
عندك حق. انا أناني و خصوصًا لو كان الموضوع يخصك.
علي عكس المتوقع لم يبتهج قلبها بكلماته بل آنت جراحه دفعة واحدة لتقول بمرارة و كأن صبارًا نبت في جوفها
كان نفسي افرح بكلامك والله بس يا خسارة الموضوع مش في ايدك لوحدك عشان مهما كنت أناني زي ما بتقول انا حياتي بقت في أيدي، وانا اللي هحدد وجهتها مش حد تاني.
اضناه التعب و مل من الحديث، فكم كان يود لو يندفع تجاهها يدفن آلامه بين ذراعيها ولكنه يرى بوضوح رفضها الواضح له. لذا حاول جعلها تعرف مدى عشقه الضاري لها حين قال
ملهاش وجهة غيري يا غنى. لو مهما كنتِ غضبانه و زعلانه مني ولو مهما كنت موجوع منك ملناش مكان غير بعض.
شعرت بالتعب من هذا الجدال هي الأخرى لتقول باختصار
هنشوف.
استنيني ننزل سوى، ومش عايز حد يحس بحاجه باللي ما بينا.
هكذا تحدث بجفاء قابلته بالسخرية حين قالت
دا بجد! على أساس انهم مشافوش بعنيهم اللي حصل الصبح؟
صحح حديثه قائلًا
اقصد حد من اهلك.
واصلت سخريتها ولكن هذه المرة لامس المرارة في نبرتها حين قالت
لا متقلقش. هعرف أمثل عليهم دور العروسة الفرحانه اللي غرقانه في العسل مع عريسها. اي أوامر تانيه؟
ضاق ذرعًا من حديثها الذي يجعل حوافر الذنب تنغرز بقلبه ليهتف بانفعال
بلاش تصعبي كل حاجه علينا كدا.
غنى بحدة.
كل حاجه صعبة من البداية احنا اللي قاوحنا، و نستحق كل اللي بيجرالنا.
ياسر بتعب
ماشي زي ما تحبي. بس خلينا متفقين أن احنا قدرنا نكون سوى حتى لو القرب دا فيه موتنا.
لم تُجيبه ليقوم بإلتقاط هاتفه و مفاتيحه و يتقدم تجاهها و كفه يحتضن كفها و يُشبك أصابعه في الفراغ بين أصابعها، وكأنه يؤكد على حديثه بالأفعال، و لأنها كانت في غنى عن أي استفهامات أو استنتاجات من قِبل والديها لم تجذب يدها من بين يديه لتهبط معه إلى الأسفل، فحين رأتهم هيام زار القلق قلبها، و احتارت في تفسير ما تراه ليلتفت يزيد إلى روضة التي لم تخلو نظراتها من الحسد و يقوم بوضع كفه أمام عينيها وهو يتلو المُعوذتين لتجذب كفه من أمامها وهي تقول بحنق.
بتعمل ايه يا زفت انت؟
يزيد بسخرية
بحاول امنع عنك أعراض الذبحة القلبية.
روضة بحدة
دمك سم.
يزيد بتقريع
مش أسم من نظراتك. يا بت دا أنتِ شايفه المرار اللي كنا فيه الصبح. بدل ما يصعبوا عليكي بتبصيلهم كإنهم كلوا ورثك. ارحمي يا شيخة.
روضة بنبرة يتخللها الشعور بالذنب
والله انا مقصدش أحقد على حد. بس غصب عني.
يزيد بتأثُر.
ايوا عارف دي بتبقى موهبة فطرية. خالتك اعتماد بردو ما شاء الله موهوبة اوي تلمح الواحد على اول الحارة تنقره العين يتقلب على ضهره على طول.
نجح في رسم ابتسامة كبيرة على شفتيها قبل أن يقول بتهكم
أيوا كدا الله يسترك اضحكي كفاية علينا بوز هيام اختي و عبط غنى. مش هيبقى فقر روضة كمان. دا انتوا لو قاصدين تقطفوا زهرة شبابنا مش هتعملوا كدا.
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين.
كان كالوحش المتعطش للأنتقام، فبدت ملامحه مُخيفة و نظراته حادة و عروق رقبته التي نفرت من كل هذا الغضب المقيت الذي يتقد في عينيه لتتراجع صافية إلى الخلف فزعًا حين اقتحم غرفتها بهذه الهيئة المُرعبة وتهتف بجزع
مالك في اي؟
رماح بشراسة
وكَمان ليكي عين تسألي مالي؟
تراجعت إلى الخلف وهي تقول بنبرة مُرتجفة
حوصول ايه؟ و ليه بتكلمني اكده؟
قست عينيه و توعدت نبرته حين قال.
كل خير يا عروسة. بس النهاردة دخلتك اللي اتأچلت ليها سنين، و چه الوجت اللي هكسر فيها عين بنت الوتايدة، و ارميكي زي ما عِملت في أختك!
انمحت نظرة الضعف من عينيها و حل محلها الغضب المُلغم بالانتقام لتقوم بجذب فازة الورد وهي تقول بعُنف.
ولا أنت ولا عشرة زييك يجدروا يكسِروا عين بنت الوتايدة، و خيتي اللي طالها غدركوا من وهي حتة لحمة حمرا اني اللي هچيب حجها يا اما هموت واني بحاول، و اظن انك خابر زين اني معيفرجش معايا موت من حيا أجله هرتاح من سحنتك الغبرة دي.
لطالما كانت شراستها أكثر صفة مُحببة إليه، ولكنه الآن لا يرى بها سوى غريمته خاصةً حين تذكر ما حدث ليلة البارحة
عودة إلى الليلة الماضية.
كانت بدرية تقف من بعيد و عينيها تراقب ابنتها الوحيدة بفرح لم تستطِع مشاركتها إياه فما يحول بينهم شيطان مريد لن تجعلها تعلق بين براثنه لتختار أن تواجه طغيانه وحدها بعد أن اطمأنت على طفلتها، فلم يعد هُناك فرق بين الحياة أو الموت، فقد أوقعت نفسها في فخ هذا الشيطان و قد كانت تعلم أن النهاية ستكون مروعة
مشي جدامي و اياكي تنطجي بحرف واحد.
تجمد جسد بدرية حين سمعت هذا الصوت المرعب بجانب أذنها و شعرت بانغراز شيء صلب في جنبها الأيمن والذي كان فوهه سلاح أحد رجال رماح لتُطيعه وهي تودع ابنتها بنظرات صامته و تتوجه معه إلى أحد السيارات و منه إلى مستودع يقع في منطقة معزولة علمت أنها ربما ستكون مثواها الأخير.
دلفت إلى داخل المستودع المُظلم لتجد رماح يجلس أمامها وبيده كأس شراب و هناك إضاءة خافته تعكس جانب وجهه الذي تجعد من فرط الغضب لتشعُر بالتشفي حين رأت ذلك، ولكن سرعان ما ارتج جسدها للخلف حين سمعت صوته القاسي يقول
چبتي الچرأة دي منين عشان تبعيني لابن الوتايدة يا مرا أنتِ؟!
كانت تقف في مواجهة الموت الذي لم تكُن تهابه بل كانت في انتظاره لتقول بجفاء.
لما الإنسان ميبجاش عِنديه حاچة يخاف عليها مبتفرجش معاه، و بعدين كيف بتسألني عن الچرأة و اني قضيت حياتي كلها معاك!
اومأ برأسه قبل أن يقول بوعيد
في ديه عِندك حج. اني اللي سكتلك كتير جوي و خليت عيارك يفلت.
صمت لثوان قبل أن ترى الكوب الزجاجي يتحطم بين يديه و بلمح البصر وجدته يقف أمامها و يده المجروحة تُحيط بعنقها و وجهه البشع قريب من وجهها كثيرًا ليقول بنبرة مُرعبة.
عِملتي أكده ليه يا بت الرفدي؟ بعتيله البت بكام؟ انطوجي.
مدت يدها تحاول نزع طوق يده من حول عنقها وهي تقول بنبرة مختنقة
مقابل أنه يحميها منك.
شدد يديه حول عنقها وهو يهتف بعُنف
فكراني عبيط اياك هصدج الكلمتين دول. انطوجي اتفجتي على ايه وياه؟
كانت تشبهه كثيرًا، و بمرور السنوات تعلمت منه المكر والخداع لتقول وهي تنازع لتبقى على قيد الحياة.
متفجتش على حاچة، و بعد يدك عني. ده بدل ما تشكرني اني لحجت المُصيبة جبل ما تحصول.
استرعت جملتها انتباهه ليخفف قبضته حول عنقها قليلاً قبل أن يقول باستفهام
تجصدي ايه؟
بدرية بتشفي
البت اللي كت طمعان فيها دي تبجى بتك يا رماح.
برقت عينيه من هول الصدمة كما تصنم جسده لتستغل الفرصة و تبتعد عنه لتقول بغليل
ايه؟ اتصدمت اياك؟
لم تكُن قد ابتعدت قدر الإمكان عن يديه التي جذبتها من أسفل عنقها ليحكم قبضته كالكماشة حول عنقها من جديد وهو يقول بشراسة
بتلفي عليا تعابينك يا بدرية؟ عايزة تضحكي عليا! لاه يا بت الكلب. دا لا عشتي ولا كنتي لما تضحكي على رماح.
بدرية بلُهاث
لاه مبكذبش. البت تبجى بتك من صلبك، و تجدر تتوكد بنفسك.
اهتاج كالثور يصرُخ بها
بتجولي ايه يا وليه أنتِ؟ اني مليش عيال.
كانت على وشك مفارقة الحياة بين يديه لتهمس باختناق.
سيبني واني هحكيلك.
تركها دون أن يبتعد عنها لتحاول استرداد أنفاسها الهاربة أمام ناظريه ليهتف بوعيد
جبل ما تتحدتي اعرِفي أن دي آخر فرصة ليكي، ولو مجولتيش الحجيجة أو حاولتي تكذبي هجطع خبرك و ارميكي في الخلا للكلاب تنهش في لحمك.
ظهر الخوف جليًا على ملامحها لتبدأ في سرد قصتها حين قالت بجفاء.
لما چبرتني انزل اللي في بطني كرهت حالي و كت ناويه اجتل نفسي و ارتاح منيك. من كتر قهرتي و انت مرحمتش لا حزني على ولدي ولا جلبي اللي بيتجطع من الوچع عليه، و بعد ما چتك السفرية مع الباشا الكبير لبلاد بره كنت مقرره اجتلك لما تعاود، واخد تار ولدي اللي چبرتني اجتله. بس ربنا كان رحيم بيا، و عرفت وانت هناك اني حبلة في الشهر الرابع، وجتها طرت من الفرحة و حلفت اني لازمن احافظ عاللي في بطني، ولما عرفت من زناتي انك راچع چريت عليه و جولتله اني حبله واني خايفه لا تسجطني، وجتها جعدنا نفكِر لحد ما نفيسة مرته جالتلي هنجوله اني حامل و انك تعبانه و زعلانه منيه و هتجعدي معانا شوي، و لما تولدي هجول أن اللي في بطنك ولدي لحد ما ياچي الوجت و تجدري تجوليله.
تذكر رماح هذه الفترة، فبحياته لن ينسى هذه الأيام التي نال بها مراده من الحياة ليستمع الى حديث بدرية التي قالت بنبرة مغلولة.
و ربنا عماك عني وعن بتي و اتشغلت مع ست الحسن والچمال، و عِملت عملتك السوده، و نسيت اني موچودة من أساسه، و چت نجاة، وكانت نچاتي من المُر اللي كت عايشة فيه، و شوف النهاردة بعد سبعتاشر سنه و في نفس الايام اللي خدت فيها بنت الوتايدة جنص من بين أهلها و ناسها. ابنهم النهاردة خد بتك، وخلاها مرته.
حديثها كان كالصاعقة على مسامعه ليتفاقم الغضب بداخله، فقد أخذت هذه العائلة ابنته مثلما فعل معهم ليغيب عقله في هذه اللحظة و يقوم برفع كفه الضخم و هوى فوق خد بدرية بصفعة قوية وهو يصرُخ بجنون
يا كلبة يا بت الكلب. بتسلمي لحمي لابن الوتايدة؟
طرحتها الصفعة أرضًا لتهتف بدرية بألم
زي ما سكينة باعتلك لحمهم زمان. الدنيا بتدور يا رماح. و اللي عملته زمان اني عملته معاك دلوك و مش ندمانه. اني حميت بتي من شرك.
رماح بصراخ وهو ينهال عليها بالضرب بوحشية
أخرسي يا بت الكلب. مش هيتهنى ببتي ليله. اني هدفنه بالحيا زي ما دفنت اخوي بسببه.
أخذ يضربها بوحشية حتى فقدت الوعي ليهب من مكانه وهو يتواصل مع أحد رجاله صارخًا بهياج
رحيم الوتيدي رايح عالبلد الليلة عايز على طلعة النهار يوصل خبره، و اوعى حد فيكوا يجرب من عروسته.
اندفع هو و رجاله إلى الطريق الصحراوي الذي ستمر منه سيارة رحيم التي لاحت لهم من بعيد، والتي كانت مُزينة بأشرطة من الستان الذي لمع من بعيد ليُعطي الأمر لرجاله بالاستعداد و ما هي دقائق حتى اندفعت الأعيرة النارية و حاوط السيارة بأربع سيارات دفع رباعي ليتوقف السائق في الحال و يتوجه الرجال للسيطرة عليه ليرفع يده مُستسلمًا بينما رماح اندفع بغل إلى المقعد الخلفي ينوي الإجهاز على رحيم ولكنه تفاجأ بخلو السيارة الا من صندوق صغير ملفوف بعناية ليبدو كهدية أنيقة فجذبه بانفعال وهو يقوم بفتحه كالمجنون لتتجمد الدماء بأوردته حين رأى هذه القماشة البيضاء المُلطخة بالدماء ليتوقف عقله أمام حقيقة مروعة وهو أن ذلك الوغد جعل ابنته زوجة فعليه له.
عودة للوقت الحالي
عايزة تموتي يا صافية؟ حاضر من عيني. بس مش هتموتي غير لما اخد حجي منك وقتها هجتلك و ارميكي جدام سرايا الوتايدة.
هكذا تحدث بشراسه جعلتها تعلم بأنه هذه المرة عازمًا على تنفيذ مبتغاه فغزى الرعب أوردتها و انتفض عقلها رافضًا اقتربت هذا الدنيء منها وحين أوشك على الانقضاض عليها قامت بضرب الفازة بأحد الطاولات لتتهشم و يتبقى منها قطعة كبيرة مدببة كالسكين قامت بغرزها بمنتصف بطنها لتنبثق الدماء الغزيرة أمام عينيه التي خيم عليها الذهول من فعلتها، فلم يُعيده إلى رشده سوى جسدها الذي كان يتهاوى لتمتد يديه و تمسكها قبل أن تسقط على الأرض الصلبة وهو يصرُخ ملء فمه.
صافية.
اللهم ارزقنا راحة البال وسكينة النفس، وأبعد عنا الهموم والأحزان. اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء حزننا وذهاب همنا.
دلف الى داخل الغرفة وجدها تُمسِك ألبوم صور تبين أنه لوالدتها و يبدو عليها التأثر ليقترب منها وهو يقول بمزاح
نفسي مرة ادخل عليكي الاقيكي بتعملي حاجه مفيدة.
رفعت رأسها تناظره فلمح العبرات التي كانت تتهادى فوق خديها لتقول بنبرة مُتحشرجة
كنت بتفرج على صور ماما.
مد يده يلتقط أحد الصور يناظرها بإعجاب قبل أن يقول
الله يرحمها عمتي كانت وتكة. معرفش مطلعتيش شبهها ليه؟ يا خسارة والله.
قال جملته الأخيرة يداعبها فلون التهكم محياها و نبرتها حين قالت
و يا خسارة ليه أن شاء الله! ايه الحدث العظيم اللي فاتني!
لون العبث نظراته ونبرته حين قال
مكنتش هحلك.
ارتجف قلبها تأثرًا بجملته لتحاول الثبات قائلة بتهكم
طب الحمد لله اني مطلعتش شبهها.
وقعت عينيه على صورة أخرى قبل أن يفرق نظراته بينها وبين الصورة ليقول بتخابُث
لا بس في شبه بردو.
أرادت تغيير دفة اللعب لصالحها لتقول بهدوء.
كمال كمان قال كدا. قالي عيونك و شعرك زي عيونها و شعرها.
نجحت في مسعاها فقد تجهمت ملامحه وهو يقول بجفاء
محدش على فكرة بياخد لكمال على كلام في البيت دا.
شروق باندهاش
معقول! مع أن كمال شخص عاقل جدًا و شخصيته متزنه.
تفاقم الأمر رغمًا عنه و شعر بالكدر من حديثها ليقول بتهكم غاضب
لا والله! و ايه كمان؟
استرسلت شروق في وصف كمال من وجهة نظرها لتقول بإعجاب.
شخص هادي و عاقل، و رزين كدا في كلامه. له هيبة و وقار في نفس الوقت. صوته واطي بس نبرته مؤثرة.
تشعبت الغيرة في أوردته ليهتف بسخط
من شايفه انك بتبالغي اوي خصوصا انك مشوفتيهوش غير مرة واحدة و مقعدتيش معاه غير ساعة.
شروق بنبرة مُدافعة عن وجهة نظرها
علي فكرة انا ليا نظرة في الناس و بقدر احكم عليهم من اول ما اتكلم معاهم، وعمري نظرتي ما خابت في حد.
هب من مكانه وهو يتوجه إلى الشاحن الكهربائي ليضع هاتفه به وهو يتمتم بحنق
علي أساس انك بتفهمي اوي.
لم تصل إلى أذنها كلماته لتقول باستفهام
بتبرطم بتقول ايه مسمعتش!
عمر بجفاء
أحسن بردو.
عند رؤيتها للهاتف حوت عينيها الخُبث وهي تقول بلهفة
طب بقولك ايه ممكن تديلي رقمه؟
التفت عمر ناظرًا إليها بصدمة
نعم!
شروق بلهفة
عايزة اتصل اشكره على البوم الصور اللي بعتهولي. بجد كانت لفته حلوة منه.
اهتاج غاضبًا.
دانا اللي هعمل منك لفتة أنتِ وهو لو متظبطيش.
شروق بصدمة
انت بتقول ايه يا عمر.
اقترب منها إلى أن أصبح أمامها مُباشرةً لترفع رقبتها إلى الأعلى لرؤية ملامح هذا الضخم الغاضبة، فإذا به ينزل إلى مستواها و يجلس على ركبتيه وهو يقول بنبرة مُحذرة
أنتِ مش شايفة انك مزوداها أوي!
حاولت البقاء ثابته أمام إغواء قربه منها بهذا الشكل لتقول بهدوء
أنا اللي مزوداها!
هسهس بجفاء
أيوا أنتِ.
شروق بنبرة جافة.
بصراحة اللي بقى غريب هو أنت!
فاجئها حين لم ينفي الأمر بل قال بجدية
و دا مش بيوحيلك بحاجة؟
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول باستفهام
حاجة زي ايه؟
باغتتها كلماته الحادة والتي توحي بنفاذ صبره
أنا مش عاجبني وضعنا دا، وعايز اغيره.
ران صمت تام بينهم كانت هي تحاول استجداء كل ذرة ثبات لديها حتى تنجو من هذا الهجوم الضاري على مشاعرها التي وان تعرت أمام هذا الرجل، فستموت من فرط القهر لذا تحدثت بنبرة ثابتة نوعًا
ماله وضعنا؟
عايز نعيش سوى زي أي زوج و زوجة!
فجر بارود كلماته بوجهها الذي اعتلته الدهشة، فلم يُعطيها الوقت للتغلب عليها أو استيعاب حديثه ليهوي على ثغرها بضراوة افزعتها، فقد كان يتوق لفعل ذلك منذ أن جلس يمشط لها خصلات شعرها، وقد فاقت رغبته كل حدود العقل ليردعه رفضها الواضح لقربه، والآن هو لن ينتظر حتى يجد منها القبول، فمشاعره اصحبت ضاريه لا يُمكن السيطرة عليها، ولا الوقوف أمامها، فأطال في قبلته و يديه تحكمان الطوق حول عنقها ليجعل افتراقها عنه أمرًا مستحيل بينما هي كانت تحاول بضراوه الابتعاد عنه، ولكن الغلبة كانت لقلبها الذي خطع لسطوة الهوى الذي يسكبه فوق حبتي التوت خاصتها ليظل ينهل منهما بنهم أفقده صوابه، فبدأت يديه تأخذ منحنى جريء أكثر ليتنبه عقلها في اللحظة الحاسمة وتقوم بدفعه بعيدًا عنها لتقطع التحامهم وهي تناظره بصدمة و أثر عدوانه يظهر بوضوح على ملامحها بينما هو لا زال أسيرًا لهذا النبيذ المُذاب فوق شفتيها اللتان ضمتهم بغضب قبل أن تهتف بحدة.
اخرج بره يا عمر.
جاءت اللحظة الحاسمة بالنسبة إليه ليعاندها و كفيه يمسكان بكتفيها
مش هخرج و لازم نتكلم.
شروق بانفعال
انت كمان ليك عين تتكلم! انت مش وعدتني انك عمري ما هتكرر اللي عملته دا تاني.
عمر بحدة
وعدتك بعد ما قعدتي تهري وتقولي اخويا وزفت، لكن أنا مش اخوكي انا جوزك، ودا حقي.
شروق بصدمة
حق ايه اللي بتتكلم عنه؟ عمر فوق.
أنا فايق. فوقي أنتِ و شوفي اللي بيحصل بينا. بطلي تعاندي.
شروق بجفاء.
والله! تمام. هبطل اعاند. كنت بتقول عايز ايه بقى؟
ظن أنه سينال مأربه و هتف قلبه بأنين العشق ليتجاهله و يقول بنبرة موقدة بالرغبة
عايز نعيش زي اي اتنين متجوزين.
باغتته حين قالت بجدية
وانا موافقة.
صدمه حديثها حد توسع عينيه لتُكمل حديثها الذي وضعه في مواجهة ضارية من نفسه الأمارة بالسوء
بس ياترى هتقدر تقول للناس كلها أن انا مراتك! ولا احنا هنكون زي اي اتنين متجوزين في أوضة النوم بس!
اللهم اني أعوذ بك من ملمات نوازل البلاء وأهوال عظائم الضراء فأعذني ربي من صرعة البأساء واحجبني عن سطوات البلاء ونجني من مفاجآت النقم واحرسني من زوال النعم ومن زلل القدم واجعلني اللهم ربي في حمى عزك وحياط حرزك من مباغتة الدوائر.
توجهت بخطٍ واثقة إلى داخل الشركة وهي شبه واثقة من أنها ستفوز في هذه المقابلة، فمن تحمل شهادة خبرة من شركة بحجم شركة الوتيدي حتمًا لم يستطِع أحد التشكيك في قدراتها لذا جلست بكل ثقة وهي تضع رجلاً فوق الأخرى تنتظر دورها في المقابلة بعد أن سلمت السيرة الذاتية الخاصة بها إلى السكرتيرة لتتفاجيء بعد قليل أنها توجهت إليها وهي تقول بأسف
للأسف يا آنسة حضرتك ملكيش شغل عندنا.
برقت عينيها بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت
نعم! ليه بتقولي كدا؟ هو انا ورقي في حاجة غلط؟
احتارت الفتاة بماذا تُجيبها لتُضيف آسيا بنبرة تقترب من البكاء
لو سمحتي عرفيني لو في مشكلة.
شعرت الفتاة بالشفقة عليها لتقول.
بصراحة مش عارفه اقولك ايه؟ بس اللي حصل غريب انا بمجرد ما قدمت ورقك يدوب قرأوا الاسم وبعد كدا قالولي ابلغك أن ملكيش شغل هنا. معرفش اللي هقوله دا صح ولا لا؟ بس ممكن يكون حد موصي عليكِ أن محدش يشغلك.
هبت آسيا من مكانها وهي تزن الكلمات داخل عقلها لتهتف بحنق
ممكن! دا اكيد. هو مفيش غيره. ماشي يا كمال أما وريتك.
كان خطواتها تنقش اللهب على كل مكان تمر عليه إلى أن وصلت إلى مكتبه لتتجاهل نداءات الفتاة التي جلبها لتحل محلها و تقتحم غرفة مكتبة بوجه يحمل غاضب و عينين تُرسِل أعيرة نارية بدلًا عن النظرات، وما ان أوشكت الفتاة خلفها أن تخبره بأنها لم تستطِع ردعها أوقفها بيده و أشار لها بالخروج لتطيعه و تغلق الباب خلفها لتهتف آسيا بشراسة
تصدق انا شوفت في حياتي ناس بجحة كتير لكن مشوفتش أبجح منك.
نصب عوده وهو يتوجه إليها واضعًا يديه بجيوب بنطاله ليشملها بنظرة تلكأت على كل أنش بها حتى جعلت حفنة من وخزات الخجل تتفشى في سائر جسدها لتأتي نبرته المتوعدة و تضاعف غضبها حين قال
تصدقي انا هكون مبسوط اوي وانا بقص لسانك.
اغتاظت من وقاحته و بروده لتهتف بانفعال
كمان! هو انت اللي بيجري في عروقك دا دم ولا مية!
كمال بنبرة باردة كالثلج
أنتِ ايه رأيك؟
أسيا بحنق.
رأيي أنه استحاله يكون دم. دا اكيد مية ساقعة متلجة. انت ازاي بارد كدا وانت بتدمر مستقبل الناس.
كمال بجمود
اشرحيلي تقصدي ايه؟
أسيا بحدة
أنت اللي منعتهم يشغلوني صح؟
ضيق عينيه بتفكير قبل أن يقول بلا مُبالاه.
اه. أنتِ تقصدي الشركة الخايبة اللي كنتِ راحة تقدمي فيها النهاردة! أيوا انا. بصراحة ماهو انا مقبلش انك بعد ما كنتِ بتشتغلي في شركة زي شركتنا تروحي تشتغلي في شركة اي كلام زي دي. كدا سمعة شركتنا ممكن تتضرر.
ناظرته بصدمة و كأنه نبت له قرنان، ولكن سرعان ما تبددت صدمتها لتتحول إلى انفجار مُريع حين صرخت قائلة
الله يخربيت شركتكوا و اليوم اللي دخلتها فيه.
كمال بتحذير
مش بقول لسانك عايز يتقص.
لون الحزن معالمها وهي تهتف بنبرة مُحترقة
كله الا مستقبلي يا كمال بيه. مش هسمحلك تضيعه.
رقت نبرته حين استشعر حزنها و هتف بنبرة خافتة
وانا عمري ما هقصد اضيع مستقبلك. بالعكس أنا مستعد افرشهولك بالدهب. بس ريحيني.
تبدد الحزن ليحتل محله الغضب حين هتفت بشراسة
والله! وعشان كدا عرضتني للموقف الزفت دا. عشان أنا اللي اجيلك برجليا أصل كمال بيه الوتيدي مينفعش يتنازل هو.
كمال بجمود.
يعني أنا لو كنت جيتلك كنتي قبلتي تتكلمي معايا؟
أسيا بصرامة
لا.
كمال بجفاء
حلو يبقى انا عملت الصح.
استفزها حديثه لتهتف باستنكار
انت فاكر انك كدا بتضغط عليا! لعلمك انا اعند مما تتخيل، ولو فاكر اني ممكن بعد الإهانة اللي وجهتهالي دي اني ممكن اتعامل معاك تبقى غلطان.
لم يجد أمامه مفرًا من التنازل أمام هذا الشعور الطاغي الذي يكتنف قلبه تجاهها لذا قال بنفاذ صبر.
طيب ماشي. انا بعتذرلك عاللي حصل مني. بس أنتِ كمان لازم تعذريني.
دق قلبها لاعتذاره الذي صدمها لوهلة و لكنها تابعت بنبرتةمغترة
ولا الف عذر يخلوك تعمل اللي عملته وتقول اللي قولته.
تصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه من عنادها ليهتف بانفعال
كلامك دا معناه اني ظلمتك. طيب على الأقل اشرحيلي اللي حصل بدل مانا هتجنن كدا.
تغلب قلبها الذي أشفق عليه على شيطان العقل الذي يريد تعذيبه لتهتف بحدة.
تمام. عايز تعرف اللي حصل؟ هقولك. رؤوف دا ابن عمي و طلب يوصلني للشركة و ركبت معاه عادي فين المشكلة؟
لم يكن يتحمل أن تذكر اسم هذا الرجل أمامه، ولكنه قال على مضض.
طيب ماشي هنعدي موضوع ابن عمك على الرغم اني مش بالعه اصلًا ليه اخدتي الورد من وائل؟
رقت لهجتها قليلًا حين قالت بتخابُث
يومها كان عيد ميلادي و تقدر تتأكد من السي في بتاعي اللي عندكوا، ومستر وائل حب يفرحني.
قاطعها مزمجرًا بانفعال.
ويجبلك ورد احمر يوم عيد ميلادك ليه مفهمتش عاشقك في الضلمة ولا حاجه؟
تعمدت صبغ نبرتها بالدلال حين قالت
انت عندك حق هو عاشقني فعلًا بس مش في الضلمة ولا حاجه. علشان يومها طلب ايدي للجواز.
توسعت حدقتيه من فرط الصدمة التي تحولت لغضب أسود جعل ملامحه تتجهم ليهتف بهسيس خشن؟
و قولتيله ايه؟
التفتت الى الجهة الأخرى و قالت بخفوت
قولتله هفكر.
اهتاجت النزعة الوحشية التي بداخله ليهتف بشراسة وهو يهزها من كتفيها بعُنف.
هتفكري! و زعلانه من اللي انا عملته يومها! دانا هطربق المكتب فوق دماغك.
ارتجف بدنها من مظهره المُرعب لتهتف باستفهام
انا مش فاهمة حاجه انت اي مشكلتك؟
أطلق العنان لمشاعره في الخروج على السطح ليصرخ بصوت جهوري غاضب
مشكلتي اني بحبك، وأنتِ غبية مبتفهميش.
لم تكُن تتخيل هذا الاعتراف المرعب بالحب، ولا أن يتنازل و ينزع قناع الثبات الذي كان يتحلى به أمامها لتهتف بعدم تصديق
ايه؟
قربها منه بطريقة اجفلتها وهو يقول بأنفاس متلاحقة و اعيُن يتجلى بها عشقًا اهوج لا يستطيع السيطرة عليه و بنبرة موقدة بلهيب العشق أجابها
بحبك يا آسيا. عارفة يعني ايه بحبك؟
كانت لحظة اشتهتها بكل جوارحها ولكنها لم تتخيل هذا الشعور الذي اكتنفها حين سمعت تصريحه بعشقه لها لتتولد داخلها رغبة بالهرب بالتلاشي حتى لا تسقط في هذا الفخ الذي نصبته له ذات يوم فإذا بها تنتزع نفسها من بين يديه و تهرول إلى الخارج.
اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل.
اللهم يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
طمنيني يا غنى. حصل حاجه امبارح؟
ابتسامة ساخرة أوشكت بالظهور على شفتيها قبل أن تقمعها وهي تقول بتحذير
ماما. بلاش أسألتك دي.
صابرين بحدة
يا بت طب ريحي قلبي. قوليلي. قولتيله ولا لسه؟
غنى بصرامة
اقفلي على الموضوع دا يا ماما.
صابرين بغضب
ماهو لو مقولتيش انا هقول. حرام عليكي نفسك وحرام عليكي هو. انا عارفة أن دي الحاجة الوحيدة اللي هتقف بينكوا.
غنى بنبرة يشوبها القهر
لو بيحبني مفيش حاجه هتقف بينا. اسكتي بقى.
صابرين بعناد
دا جوزك و من حقه يعرفي يا بنتي.
افزعهم ذلك الصوت القادم من الخلف
هو ايه اللي من حقي اعرفه؟