رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل العشرون
مؤخرًا أصبحت أشعر بأن الحياة لا تُحبني، وانا كذلك أُبادلها نفس الشعور، فنحن نشبه كثيرًا خطان متوازيان لا يلتقيان أبدًا، فبالرغم من كل محاولاتي في السعي نحو الأفضل أجدها دائمًا تجذبني لأغوص في أعماق اليأس، و كلما مددت يدي لأصافح الأمل بترت أصابعي لكي لا أحاول مُجددًا. ربما في الأمر مُبالغة مني، ولكنها نجحت في جعلي أشعر بالملل، وانعدام الرغبة في المواصلة، وهذا قد يكون أقسى شعور رائع اختبرته في حياتي.
نورهان العشري.
فتح باب الغرفة التي أضاع بها قلبه، ولا يعلم كيف يسترده أبدًا، حاول مرارًا و تكرارًا و لكنه بكل مرة يصطدم بصخرة الفشل الذريع، وبالرغم من ذلك فمازال يحاول حتى لو كلفه الأمر كل شيء يملكه في هذه الحياة
صباحك صافي يا ست الستات.
هكذا هتف وهو يتطلع إلى هذه الجميلة التي و كأن الزمن لم يمر على وجهها الصبوح الذي يحمل كم الحسن ما جعله يفني حياته أسفل قدميها طواعية، ولكنها كعادتها لم تُعطيه مثقال ذرة اهتمام واحدة بل ظلت واقفة بشموخها و عزتها تنظر من النافذة الكبيرة، و كأنها تناجي السماء أن تُحقِق عدالتها و تخُط فرمان حريتها للأبد
وه يا صافية. لساتك مفطرتيش؟ أكده غلط عليكِ يا حبة الجلب.
اعتادت أن تقابل زخم عشقه بالصمت على أمل أن يمل منها ذات يوم، ولكن هذا اليوم تأخر كثيرًا، ولكنها مازالت تتمسك بالأمل لذا ظلت على جمودها ليقترب منها ببطء يتلذذ باستنشاق ذلك الهواء الذي يحمل رائحتها التي يعشقها، و كذلك يعشق النظر إلى خصلات شعرها و يتمنى لو يأتي يوم يمكنه غرس أصابعه بين طياتهم ليستمتع بجميلته التي كانت ابعد ما يمكن عن يديه برغم وجودها أما عينيه.
طيب شوفي. دول عاملينلك الوكل اللي بتحبيه.
ضاقت ذرعًا بصوته الذي كان وقعه كالنشاذ على مسامعها لذا التفتت ناظره إليه بجمود لم يهتز طوال السنوات الماضية كما أنها أتقنت تغليف لهجتها به حين قالت
الوكل في دارك سَم حتى لو كان شهد يا رماح.
حروف اسمه من بين شفاهها كان لها وقعًا خاصًا يفعل الأفاعيل بقلبه الذي يرتضي بالفُتات منها لذا ابتسم بهدوء قبل أن يقول بلهجة تتقد عشقًا.
ورماح من خشمك شهد حتى لو كلامك سَم يا صافية.
ابتسامة ساخرة مرت على شفتيها قبل أن تقول بجفاء
معيزاش يتعكِى صباحي بكلامك يكفيني شوفتك.
حديثها المسموم هو الشيء الوحيد القادر على اختراق دوافعه و جبال الظلام المُحيطة بقلبه الذي تألم في هذه اللحظة و تجلى ألمه بوضوح في عينيه و نبرته حين قال
راح فين عشجك ليا زمان يا صافية؟ خبتيه فين يمكن أجدر اني كمان اخبي حبك اهناك بدل ما هو حارجلي جلبي أكده؟
صافية بنظرات تحمل الضغينة و الاحتقار
دفنته. دفنته في الخرابة اللي دفنتني فيها بالحيا جدام اهلي و ناسي. روح دوِر عليه هناك لو تجدر!
احرقته بحديثها و تذكيرها له بالماضي ليهتف بنبرة تحترق قهرًا
اني عِملت كلات ده عشانك. عشان تبجي ليا. ليا بتحاسبيني اني حاسبيهم هما اللي فرجوا بينا.
لسوأ حظه و حسن حظها انا كانت شجاعه لا تهاب أحد تملك من الثبات ما يُمكنه زعزعة أعتى الرجال، و هذا ما فعلته به حين قالت.
محدش فرج بينا يا واد الهلالية. اني بنفسي اللي رفضتك لما عرفت حجيجتك، وهفضل ارفضك عمري كله.
هذه الجملة التي كانت بمثابة خناجر يختتم بها دائمًا حديثه معها، فلا هو قادر على نفي هذه الاتهامات، ولا قادر على ثنيها على موقفها تجاهه، و كل هذا الضغط الهائل يجعله كالثور الهائج لا ينجو من براثنه لحد سواها، و كما هي عادته حين يخرج من عندها يأتي بعدة فتيات كُن ضحايا انتُزِع برائتهم بوحشية، و يقوم بممارسة ساديته عليهم، و بكل مرة ينتهي به الأمر يصرخ باسمها لكي تستمع إليه وهو مع غيرها عل الغيرة تزور قلبها تجاهه ولكنه لا يجد سوى الاشمئزاز.
كان صدره يعلو و يهبط من فرط الغضب و المجهود في آن واحد، فجاء صوته غليظًا حين أجاب على الهاتف لتبرق عينيه ما أن استمع إلى حديث المتصل لينهي المكالمة وهو يصرُخ بصوت اهتزت له جدران البيت الكبير
زناتي.
هرول زناتي الرجل الثاني في هذا الوكر و كل خلية به ترتعب من صُراخ سيده ليقف أمامه وهو يبتلع ريقه بصعوبة حين شاهد نظراته الجحيمية و نبرته التي تشبهها حين قال
البنته اللي ماتت عِملت في جُثثهم ايه؟
ابتلع زناتي ريقه و تعالت أنفاسه و اهتزت نبرته حين قال بتلعثُم
اني. اني حولتهم عالمعمل يشفوهم، و محيت كل الأدلة ووو.
قاطعه رماح بشراسة
و أي؟ وديت الجُثث فين؟
ارتجف جسد زناتي و كذلك نبرته حين قال
المكبس. كا. كان متعطِل جومت خليت الرچالة رموهم في الچبل.
ما أن أنهى جملته حتى قام رماح بلكمة بقوة في أنفه وهو يصيح بصوت كالرعد في شدته
غبي. عايز توديني كلاتنا في داهيه.
زناتي وهو يرتجف كالاطفال.
يا كبير. ماني. ماني محيت كل حاچة عالچثث. استحالة حد هيعرِف حوصول ايه؟
رماح بهياج
محيت كل الأدلة الا أهم حاچة. الوشم يا غبي.
أخذ يُكيل له اللكمات حتى خارت قواه، فقام بنفضه على الأرض وهو ينتزع سلاحه يوجهه إلى رأسه قائلًا بسخرية
يالا سمعني الشهادة. ميرضنيش تموت كافر.
انتاب زناتي حالة من الذُعر الذي يجعل جسده يرتجف و نبرته حين قال متوسلًا
ابوس يدك يا كبير لاه. اني خدامك.
حاوطته حدقتي رماح بمكر تجلى في نبرته حين قال
صوح. خلاص مش هجتلك. بس.
زناتي بذُعر
بس اي؟
رماح بحقارة
تفدي روحك.
هوى قلبه بين قدميه حين استمع إلى جملة رماح مما جعله يقول بذُعر
تجصد اي يا كبير؟
البت بتك اللي بتربيها بدرية تاچي تاخد مكانها اهنه تتعلم و تتودك، و تاخد ختم رماح الهلالي، و بعديها تنزل الصالة وسط اخواتها. جولت اي؟
اللهم ارزقني رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، واستجب دعائي من غير رد، وأعوذ بك من الفضيحتين؛ الفقر والدين، اللهم يا رازق السائلين، ويا راحم المساكين، يا ذا القوة المتين، ويا ولي المؤمنين، ويا خير الناصرين، يا غياث المستغيثين، ارزقني يا أرحم الراحمين.
أنتِ بتعملي ايه حرام عليكي؟
هكذا هتفت غنى وهي تشاهد بدرية التي كانت تمسك بخصلات ضي و الأخيرة تحتضن آسيا التي تعانقها بقوة وهي تصرُخ بانفعال
سبيها يا مجرمة. ابعدي عنها.
بدرية بانفعال وهي تدفع آسيا بقوة
بعدي عنها يا بت أنتِ. خلينا نغوروا من اهنه.
تدخلت غنى لتُخلص ضي من بين يديها وهي تقول بصراخ
ابعدي عنها هتموتيها في ايدك.
تدخلت صابرين هي الأخرى تحاول جذب بدرية بعيدًا عن الفتيات وهي تقول بانفعال.
أنتِ اتجننتي في عقلك يا بدرية في اي؟
بدرية بصراخ
بعدوا عني انا و بتي عايزين مننا ايه؟ واحدة و بتها مالكوا انتوا؟
اقتربت صابرين تربت على كتفها وهي تقول بمهادنة
طب اهدي وخدي نفسك و خلينا نتكلم و نحل كل حاجه بالعقل الناس اتلمت علينا بره.
عند سماعها جملة صابرين الأخيرة اضطرت بدرية إلى التزام الهدوء تزامنًا مع قدوم رضا التي كانت تلهث من فرط التعب، فقد كانت تهرول لنداء زوجها عله يتصرف مع هذه المجنونة.
في ايه يا ولاد؟
هكذا تحدث عزام الذي صدمه ما يحدُث لتهتف بدرية بغضب
انا عايزة اخد بتي وامشي من اهنه، و هما مانعيني. يرضيك أكده يا عم عزام؟
تدخلت آسيا بانفعال
وهي مش عايزة تمشي معاكي هو بالعافية؟
عزام بحدة
وطي صوتك يا آسيا و اتكلمي كويس.
ناظرته آسيا بحنق ثم التفتت الى ضي المنهارة بأحضان غنى التي تساقط الدمع من مقلتيها حزنًا على ما يحدُث مع صديقتهم ليقول عزام بنبرة حادة.
خدوا ضي و اطلعوا فوق لحد ما اتكلم مع الحاجة أم ضي شويه.
كان القلق ينهش بدواخلها، ولكنها مُجبرة على الصمت حتى تستطيع مغادرة هذا المكان قبل وقوع الكارثة.
صعدت الفتيات إلى الأعلى ليتوجه عزام إلى الأريكة وهو يقول
اتفضلي يا حاجه عشان نعرف نتكلم.
اطاعته بدرية بمضض و كذلك فعلت كُلًا من صابرين و رضا لتقول بدرية بحنق
اهه. اديني جعدت. جول اللي عِندِك يا عم عزام.
عزام بهدوء
طب صلي على النبي.
الجميع في صوتًا واحد.
عليه أفضل الصلاة و أذكى السلام
عزام باستفهام
قوليلي بقى في ايه؟ و عايزة تمشي من هنا ليه؟
بدرية بجفاء
من غير ليه؟ المكان دا مبجاش لادد عليا. ايه هتشاركوني يا عالم؟
رضا برفق
طب قوليلي بس حد ضايقك ولا داسلك على طرف؟
بدرية بجمود
لاه. اني عايزة امشي من نفسي.
صابرين بحنق
لا حول ولا قوه الا بالله. هو أنتِ يا بنتي ملبوسة! ما كنتي زي الفل امبارح. مالك قلبتي مرة واحدة ليه كدا؟
صمتت بدرية للحظات تتذكر المكالمة التي جاءتها منذ عدة ساعات لتقلب عالمها رأسًا على عقب
عودة لما قبل عدة ساعات
غريبة. ايه اللي فكرك بيا يا رماح؟
هكذا تحدثت بدرية بتهكم قابله رماح بالحدة حين قال
اسمعيني يا مرا أنتِ. معنديش وجت للحديت الماسخ دا.
انتابها القلق لحديثه فهتفت باستفهام
في ايه يا رماح؟ حوصول حاچة ولا اي؟
رماح بانفعال.
تاخدي بت المحروج اللي عِندِك دي و تخفوا من المكان اللي عايشين فيه دا. العمدة عرف طريجكوا و هيبلغ عنكوا الحكومة.
هبت بدرية من مكانها قائلة بذُعر
وه! بتجول اي؟
اللي سمعتيه. رحيم الوتيدي عرف طريجك، و ناوي يبلغ عنك، و في أي وجت ممكن تلاجي الحكومة طابه عليكي و وجتها مش عايز اجولك أني هعمل ايه فيكي انتِ و البت اللي معاكي دي!
كانت لهجته حادة تحمل طابع التهديد الذي تعلم جيدا بأنه لن يتوانى عن تنفيذه، فهو لا يرحم أحد أبدًا
عودة للوقت الحالي
لم يكُن أمامها بُدًا من هذا الأمر لذا قالت بنبرة حزينة
في ناس من عِندينا من البلد چت اهنه و عرفوا ضي و عرفوا اللي حوصولها، و عشان أكده عايزة اخدها و نمشوا.
تعالت شهقات المرأتان قبل أن يقول عزام بحرج
يا ست الحاجة بنتك زي الفل. بلاش التفكير الغريب دا، و الخوف الغير مُبرر.
بدرية بوقاحة.
احنا في الصعيد عِندينا أصول، وبدل المرا اكتشفت على راچل تبجى خاطية.
اوشك عزام على الحديث فأوقفته نظرة رضا التي قالت بنفاذ صبر
طب يعني أنتِ مصرة تمشي؟
بدرية بجفاء
أيوا.
رضا بحنق
طيب عارفة هتروحي فين؟
بدرية بنفاذ صبر
بلاد الله واسعة.
طافت عيني رضا على زوجها و شقيقتها بنظرات ذات مغزى قبل أن تقول باستسلام
طيب يا حبيبتي احنا منقدرش نمنعك. أنتِ مش محتاجة حاجه نعملهالك؟
بدرية بحدة.
محتاچة تبعدوا بناتكوا عن بتي عشان نعرِفوا نمشوا من اهنه.
رضا بغضب حاولت قمعه
لا يا حبيبتي حقك انت هطلع اجبهالك، ولو احتاجتي حاجة أنتِ عارفة مكاننا.
في الأعلى جلست الفتيات تحتضن ضي التي كانت ترتعب من فكرة فراقهم لتقول آسيا بانفعال
بقولك ايه أنتِ مش صغيرة، و تقدري تقوليلها مش جاية معاكي. بطلي الضعف اللي أنتِ فيه دا.
أيدت حديثها غنى التي هتفت بغضب.
اسيا عندها حق. دي حياتك، وأنتِ حرة فيها أنتِ مبقتيش صغيرة، وهي مش هتتحكم فيكي مش كفاية قسوتها عليكي و طريقتها الزفت معاكي.
تدحرج الدمع فوق خديها يخبرهن اي واقع مؤلم يُحيط بها قبل أن تقول بنبرة تتضور وجعًا
مبجتش صغيرة بس معِنديش حد استجوى بيه. هي اللي بجيالي في الدنيا دي. انا عمري ماشفت ابوي، ولا اعرِفه. معرِفش أهل غيرها، وانتوا بعديها. مجدرش اعملها تمشي لحالها.
هتفت آسيا بغضب.
طيب قوليلها مش هنمشي من هنا. مينفعش تسمعي كلامها عالعمياني كدا. أنتِ مش هيلة صغيرة.
ضي بألم
امي محدش يجدر عليها يا آسيا. اديكي شوفتي لما جولتلها مش هروح معاكي عِملت فيا ايه.
غنى بنفاذ صبر
خلاص نقفلها احنا.
قومي يا بت أنتِ وهي اطلعوا بره. عايزة اتكلم مع ضي شويه.
هكذا تحدثت رضا من خلفهم لتستدير رؤوس الفتيات ينتظروها بصدمة لم تعبأ لها، وحين أوشكت آسيا على الحديث أوقفتها رضا التي قالت بحدة
سمعتيني قولت ايه؟
تدخلت غنى التي قالت بتهكم
والله يا خالتي انتوا حرام عليكوا عمايلكوا فينا دي. هو احنا مبنصعبش عليكوا؟ دا احنا حتى لحمكوا و دمكوا.
غضبت رضا من حديث غنى الذي لامس وترًا حساسًا داخل قلبها لذا هتفت بانفعال.
ما هو عشان انتوا لحمنا يا عين خالتك بنحافظ عليكوا. انما انتوا في التراوة عايزين كل حاجه على كيفكوا. لا بتفكروا لافي أهل ولا في ناس ولا في اي حاجه. كل اللي يهمكوا تعملوا اللي في كيفكوا وبس، واحنا في النهاية اللي بنشيل الطين على دماغنا.
آسيا بتهكم
اه ما احنا بنات يعني هموم بالكوم يا ماما.
رضا بحدة
عليكي نور، وانتي بالذات اكبر هم في حياتي. عقبال ما ينزاح و ارتاح منه.
آسيا بانفعال.
مش هينزاح غير بمزاجي عشان تبقي عارفة.
رضا بغموض
هنشوف يا بت بطني.
وجهت انظارها إلى ضي قائلة بجمود
اقعدي مع اخواتك شويه يا ضي على ما امك تلم حاجتكوا تحت عشان هتمشوا، وتعرفي يا حبيبتي أن مفيش حد هيحبلك الخير ولا هيعوز مصلحتك اكتر من امك.
أنهت جملتها و التفتت تغادر الغرفة لتندفع العبرات بغزارة من عيني ضي التي قالت بقهر
خلاص يا بنات. انا همشي معاها. بزيداها فضايح و وچع جلب.
كان الاستسلام هو الخيار الوحيد ولو كانوا مُكرهين لذا التفت غنى تحتضنها بقوة بينما تعاملت آسيا مع الأمر بعملية إذ توجهت إلى الخزانه و قامت بجذب شيء ما لتُعطيه لضي وهي تقول
التليفون دا تخليه معاكي، و متوريهوش لأمك، واول ما تعرفي هتروحوا فين كلميني عرفيني و أنا هجيب البنات ونجيلك لو روحتي فين؟
امتدت يد ضي تأخذ الهاتف من آسيا بامتنان لتقول غنى من بين عبارتها.
متفكريش أن احنا هنسيبك ولا هنتخلى عنك، وهنرجع نتجمع كلنا. أنتِ بس عرفينا هتروحوا فين.
احتضنت ضي كُلًا من آسيا و غنى وهي تقول بامتنان
ربنا ما يحرمني منيكوا. انتوا عوضي عن كل حاچة.
مرت ساعة إلى أن انتهت بدرية من حزم أمتعتهم البسيطة و بجانبها ضي التي كان وجهها لوحة حية عن الحزن و الأسى الذي جعل بدرية تشعر بالشفقة تجاهها مما جعلها تقول بنبرة جافة
اعدلي بوزك ده. حد جالك اننا رايحين چهنم ولا اي؟
تساوى كل شي بعينيها في هذه اللحظة فهاهي ستفارق أحب الأماكن و الأشخاص إلى قلبها، فما الذي سيحدُث أسوأ من ذلك لذا لم تُجيبها إنما سارت خلفها كالتي تُساق إلى موتها، فوداع الأحبة يُعد موت، مغادرة الأماكن التي نعتبرها وطنًا لنا موت، الفراق بعد التعود موت، ولكن موت يحياه الإنسان بجميع تفاصيله المؤلمة إلى أن يحين له النجاة منه.
تعانقت الفتيات بقوة و شوق بدأ قبل الفراق الذي جعل قلوبهن تنفطر ألمًا حد تفجر الدمع كالفيضانات، فكان مشهد تأذى منه جميع الحاضرين و اغتمت قلوب الجميع ماعدا القاسية قلوبهم و الذي لا يفلح شيء في إيقاظ مشاعر الأحساس بداخلهم
همي شويه مفيش وجت للدلع ده كله.
هكذا هتفت بدرية بجفاء فزفرت أسيا بحدة قبل أن تقول بسخط
عندي احساس أن امك دي نهايتها على أيدي قريب.
ضي بنبرة تشعب بها الحزن.
أمي يا أسيا مجدرش ابيعها واصل. دا جدري و مفيش مهرب منيه.
حاوطتها غنى بحب تجلى في نبرتها حين قالت
سيبك منها. المهم اول ما تستقروا في مكان كلمينا عشان نتقابل.
أنهت جملتها و قامت بجذب شيء من جيوب فستانها و كان عبارة عن منديل ابيض حين فتحته التمع بريق الذهب أمام اعينهن فهتفت ضي قائلة بصدمة
وه. ايه دا يا غنى؟
غنى بتهكم.
دي دبلت جوازي من اللي ما يتسمى. خديها خليها معاكي لو اتزنقتي اتصرفي فيها. انا عارفه انها مش بتمسكك فلوس.
ضي برفض قاطع
لاه طبعًا. بتجولي ايه أنتِ. دهبك اني ماليش صالح بيه.
اغتاظت آسيا من حديثها فهتفت بحنق
علي صوتك كمان خلي الناس كلها تسمع. اتنيلي خدي الزفتة منها دي دبلة فقر أصلًا
أوشكت ضي على الحديث فاوقفتها غنى التي قالت بحزم.
ولا كلمة خديها خليها معاكي لو اتزنقتي في أي وقت بيعيها و لو ضايقتك و مدت ايديها عليكي هاتي بعضك و تعالي على هنا.
اذعنت ضي لحديث الفتيات و ناظرتهن بامتنان قبل أن تنتفض من مكانها إثر نداء بدرية التي بلغ منها القلق درجاته القصوى، فهرولت ضي إليها لتستقل السيارة و تغادر بأقصى سرعة.
اللهم أعطنا من الدنيا ما تقينا به فِتنتها وتغنينا به عن أهلها ويكون بلاغًا لنا إلى ما هو خير منها، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك أنت العليُّ العظيم. اللهم املأ قلوبنا بحمدك، واكتب في قلوبنا لك ودًّا، وأمدَّنا من فضلك في الرزق مدًّا، ولا تسلِّط علينا من أهل السوء أحدًا يا رب العالمين.
جاء الصباح مُغبرًا برماد الأمس الذي ابكى العيون و فطر القلوب مما جعل وجهها لا يُفسر وهي تدلف إلى المكتب لتضع أشيائها و تقوم بإعداد البرنامج اليومي لكمال الذي كان يتوسل الليل حتى يمر و يراها. على عكسها، فهو لم يزُر تفكيرها، ولو بمثقال ذرة بل على العكس تمامًا، فهي قضت الليل تحارب شبح رجل كانت تلجأ إليه كلما عصفت بها الحياة، وبيدها حرمت على نفسها ركنها الآمن، وهاهي تتجرع مرارة وحدتها بدونه، ولكنها ستصمُد أمام قرارات عقلها تتمنى لو تجني ثمارها قريبًا.
جذبت دفترها لتتوجه إلى كمال الذي كان يحاول إخراجها من عقله حتى يستطيع التركيز على الملفات التي بين يديه، ولكن مع كل دقة على باب مكتبه كان يدق قلبه أضعافها ليأخذ نفسًا قويًا قبل أن يسمح لها بالدخول لتطل عليه بهيئتها المُبهرة من بداية مظهرها الرائع و وجهها المشع و حتى مشيتها التي تشبه عارضات الأزياء، و هذه الهالة من الثقة بالنفس و الطاقة التي تُحيط بها تجعل يومه أفضل، ولم يعُد في مقداره إنكار ذلك.
صباح الخير يا مستر كمال.
ابتسامة بسيطة لونت ثغره قبل أن يُجيبها بهدوء
صباح النور.
تحب اقول لحضرتك بروجرام النهاردة؟
هكذا تحدث آسيا بعملية لم تروق له، و خاصةً عينيها التي كان يتفرع بهم شعيرات حمراء من المؤكد أنها نتيجة نوبة بكاء كبيرة.
أحب اشرب قهوة من ايدك الاول.
بصعوبة نجحت في رسم ابتسامة بسيطة فوق ثغرها وهو توميء برأسها لتنو أن تتوجه إلى الخارج لإعداد القهوة و لكن أوقفها صوته حين قال باهتمام
آسيا.
التفتت تناظره بصمت ليقول باستفهام
أنتِ كويسة؟
لم تكُن في حالة تسمح لها بالحديث خاصةً معه لذا قالت باختصار
كويسة.
أبى كبريائه عليه أن يُعيد استفهامه ليومأ برأسه مما جعلها تغادر دون أن تُضيف شيء، فقد كان داخلها يحمل من الغم ما جعلها لا تلحظ نظرات صاحبتها إلى حيث تقف، فقد كانت في عالم آخر حتى أنها لم تنتبه إلى صوت ماكينة القهوة التي أطلقت صوتًا عاليّا ليخترق أذنها صوت أشجان القادم من الخلف.
آسيا. طمنيني حصل اية امبارح؟
التفتت آسيا إلى شقيقتها لتقول بنبرة مغمومة
خالتك بدرية خدت ضي و مشيت.
أشجان بصدمة
مشيت فين؟
آسيا بحزن
منعرفش. المشكلة الأكبر أن البوليس جه امبارح الفجر يسأل عنها.
شهقت أشجان بصدمة
يالهوي بوليس! ليه هي عملت ايه؟
معرفش، و للأسف الظابط مقالش حاجة لبابا. كل اللي قاله أن لو جت يعرفوا، وأن الموضوع كبير. انا قلقانه اوى على ضي يا أشجان.
أنهت جملتها و ألقت بنفسها في أحضان شقيقتها التي عانقتها بحنان و أخذت تربت فوق خصلات شعرها وهي تحاول تهدئتها قائلة
اهدي يا حبيبتي. إن شاء الله مفيش حاجه وحشة.
مر بعض الوقت قبل أن تعود إلى المكتب لتجده مُمسكًا ببعض الأوراق بين يديه، فقامت بوضع القهوة أمامه وهي تقول بجمود
اتفضل القهوة.
جمودها و عينيها الحمراء و انهيارها بين احضان شقيقتها كلها أشياء جعلوه يشعر بالألم لأجلها والغضب لكونها لو تخبره السبب حين سألها منذ قليل، ولكنه بالرغم من كل شيء لم يُريد فرض نفسه عليها مرة أخرى لذا قال بجفاء
عندنا بروجرام ايه النهارده؟
شرعت في سرد برنامجه اليومي بآليه بينما عينيه كانت تطالعها بفضول نهش دواخله، ولكنها كانت بعيدة عنه و عن كل ما يشعر به كثيرًا و لدهشته كان الموضوع مؤلم!
جهزتيلي العقود اللي هراجعها؟
جهزتها.
حجزتي في المطعم اللي قولتلك عليه عشان الميتنج مع الممولين؟
حجزت.
ضاق ذراعًا بإجابتها المختصرة لذا هتف بغضب
هو احنا متخاصمين ولا حاجه؟
آسيا بعدم فهم
يعني ايه؟ مفهمتش!
ابتسامة ابعد ما يكون عن المرح لونت ثغره قبل أن يقول بجفاء
ولا حاجه. اتفضلي على مكتبه، و خدي الورق دا معاكي.
أوشكت على مد يدها لتأخذ الورق من يده ليأتي إلى مسامعها صوت رنين هاتفها، وحين نظرت إلى المتصل تبدلت ملامحها، و تشقق قناع الجمود الذي ترتديه بشكل ملحوظ التقمته عينيه التي احتدت نظراتها حين رأى تخبطها الواضح، و ارتجافة الحروف فوق شفتيها حين قالت
حضرتك. محتاج حاجه. اقصد امشي؟
اجتاح صدره غضب هائل لا يعرف مصدره، ولكنه ثقيل حد الألم الذي لا يُمكنه الإفصاح عنه، بالرغم من أنه يرغب و بشدة في هزها بعنف حتى يعرف مابها و ما الذي جعلها ترتجف هكذا؟ أيمكن أن يكون رجل؟
هذا الهاجس جعله حرارة جسده ترتفع و أنفاسه تتلاحق مما جعله نبرته تبدو حادة كنصل السكين حين قال
امشي.
تفاجئت من حالته، ولكنه لم تهتم فقد كانت تسابق خطواتها حتى تخرج لتُجيب على اكثر نداء يحتاجه قلبها في هذه اللحظة، ولكن لسوء حظها انتهى الاتصال لتحاول بشتى الطرق منع نفسها من مهاتفة رؤوف الذي هو اكثر انسان تحتاجه الآن، و ما هي إلا لحظات حتى أتتها منه رسالة نصية أضرمت نيرانًا هوجاء بدقات قلبها
عايز اشوفك. محتاج اكلم معاكي.
لأول مرة تنحي عقلها جانبًا و تستمع إلى قلبها الذي جعلها ترسل إليه الرد في التو و الحال.
اللّهم إن كان رزقي في السّماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقرّبه، وإن كان قريباً فيسّره، وإن كان قليلاً فكثّره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه. اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولَا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ.
لأول مرة يتأخر عن عمله، ولكن طفلته كانت مريضه و قد اضطر إلى السهر بجانبها حتى تنخفض درجة حرارتها، و الإطمئنان أنها أصبحت بخير، وهاهو يسارع الزمن حتى يصل إلى مكتبه، و ما هي إلا دقائق حتى توقف المصعد في الطابق الخاص به، و ما أن انفتح الباب حتى تفاجيء بأشجان امامه، فبعد أن اطمأنت على شقيقتها توجهت إلى المصعد للنزول إلى القسم الخاص بها، ولكنها تفاجئت بنفسها وجهًا لوجه مع هذا الوحش كما يسمونه، و لسوأ حظها كانت تبكي أيضًا ككل مرة يراها بها لذا رفع حاجبه باندهاش قبلان يقول بتهكم.
أنتِ تاني! و بتعيطي بردو!
تيبست أطرافها من فرط الحرج فبكل مرة يراها تكن حزينة و تبكي لذا اخفضت رأسها بحرج قبل أن تقول بصوت خافت
والله المرة دي.
باغتها حين قال بجفاء
لا مش عايز اعرف بصراحة.
اغتاظت من وقاحته فرفعت رأسها بعينيه يتوهج زمردها من فرط الغضب مما جعل ابتسامة رائعة تزين شفتيه لتتوهج وجنتيها خجلًا جعله يقول بتهكم وهو يتوجه إلى مكتبه
مش نكدية فعلًا.
لم تستمع الى جملته الأخيرة، ولكنه استوقفته قائلة بلهفة
مستر خالد.
توقف على مضض، فهو بحياته لم يتأهر على عمله، و قد لاحظت ضيقه لذا قالت بحرج
أنا طلعت الفلوس اللي حضرتك ادتهالي...
قاطعها بنبرة جافة
هششش. الكلام دا مينفعش هنا. تعالي ورايا عالمكتب.
أنهى جملته و توجه إلى المكتب لتهتف بحنق
هو عبيط دا ولا ايه؟
مُجبرة توجهت خلفه، وهي تشعر بالحرج من نظرات الفتيات في مكتب السكرتارية الخاصة به، ولكنها لا تملك خيارًا آخر لذا قامت بالطرق فوق باب الغرفة ليأتيها صوته يسمح لها بالدخول، فأطاعته لتجده أخذ مكانه خلف المكتب الخشبي يناظرها بأعيُن لاح بهم الغضب الذي جعل نبرتها مُهتزة حين قالت
حضرتك قولتلي اجي وراك عالمكتب.
تشابهت نظراته الحادة مع نبرته حين قال.
المفروض انك كبيرة بدرجة كافية تخليكي عارفة ايه اللي ينفع يتقال وسط الناس و ايه اللي مينفعش!
جحظت عينيها من وقاحة كلماته، فهتفت باندهاش
ناس مين؟ مكنش في حد في الريسبشن غيرنا.
خالد بجفاء
الحيطان ليها ودان يا مدام! اومال انا عرفت ازاي انك محتاجة الفلوس!
شهقة خافتة غافلت شفاهها مما جعلها ترفع يدها تغطي ثغرها وهي تناظره بصدمة، فطافت عينيه على هذه المرأة التي تُشبه الأطفال في تصرفاتها، فهاهي الآن تتصرف كصغيرته حين يخبرها بأنها اخطأت، وللحظة شعر بالشفقة على هذه القهر الذي تمارسه الحياة على بريئة مثلها.
اقعدي يا أشجان.
لأول مرة يتفوه باسمها مما جعل شعور غريب يكتنفها، ولكنها لم تستطع تفسيره إنما اطاعته و توجهت لتجلس على المقعد أمامه بهدوء جعل لهجته ترق قليلًا حين قال
واضح انك شخص بيتصرف بعفوية، و بتلقائية.
ابتسامة خافتة ارتسمت على ثغرها، ولكنها سرعان ما انمحت حين سمعته يقول بحنق
و دا غلط جدًا، و يعتبر شغل ولاد صغيرين، وانا شخصيًا مابحبوش، فياريت بعد كدا تفكري كويس اوي في كل كلمة بتقوليها فين و لمين؟
كادت أن تبكي في هذه اللحظة، وقد تجلى ذلك في عينيها مما جعل الغضب يزحف اليه ليهتف بقسوة
و لو عايزة تعيطي عيطي في أي مكان بعيد عني.
حل الغضب مكان الحزن بداخلها لذا نصبت عودها وهي تقول بنبرة جافة
أنا مش طفلة صغيرة عشان اعيط يا فندم، ولو فعلًا بتصرف بتلقائية و بعفوية، فدي صفة نادرة في الزمن دا، وحاجة محبش اغيرها في نفسي.
انتبه الى ملامحها التي تلونت بحمرة قانية جراء غضبها و أيضًا ذلك الزمرد الذي توهج لونه بطريقة خاطفة للأنفاس أسرته للحظات، فقد كانت إمرأة فاتنه بحق، ولكن فتنتها تختبيء خلف واقعها الأليم. لذا و في هذه اللحظة قرر ان يساعدها لا يعلم السبب ولا يهتم، فقط لا يُريد أن يرى بكائها أبدً بعد اليوم.
أخرجه من شروده جملتها الغاضبة.
أنا كنت عايزة اقول لحضرتك بس أن الفلوس اللي بعتهالي أدتها لواحدة غلبانه كانت بتجهز بنتها. انا مخدتش منها ولا جنية، و مش محتاجة أصلًا. عن اذنك.
التفتت تنوي المغادرة وهي تشعر بأنها ناقمة عليه و على الظروف التي جعلت منها امرأة حزينة ينفر الجميع منها، ولكنها توقفت إثر جملته و نبرته القوية
اتمنى انك تثبتي على كدا.
التفتت تناظره قائلة بعدم فهم
نعم!
فاجأها حين قال بنبرة خشنة.
كل ما تيجي تعيطي. افتكري حاجة تعصبك، وتخليكي تتغلبي على ضعفك.
تنهيدة قوية شقت جوفها تتمنى لو تخبره أنها تكره البكاء أكثر من أي شخص في هذا العالم ولكن طريقتها الوحيدة للتنفيس عن ألم لا يمكن وصفه، ولا التبرأ منه.
لأول مرة بحياته يأخذ قرار دون أن يمر على عقله انما اندفع من بين شفتيه رغمًا عنه
لو حابه انا ممكن اديكي شغل تخلصيه في البيت، و هيبقى له سالري غير اللي بتاخديه كل شهر.
مرت لحظات حتى استطاعت تجاوز صدمتها لتقول بعدم فهم
شغل ايه؟ انا مش فاهمة.
خالد بخشونة
الملف بتاعك مكتوب فيه انك معاكي كورسات انجليش، فممكن ابعت معاكي ايميلات و فايلات تترجميهالي؟
لم تصدق ما سمعته أذنيها لتقول بعدم تصديق
حضرتك بتتكلم بجد؟
خالد بجفاء
مفروض أننا أصحاب ههزر معاكي؟
تحمحمت بحرج قبل أن تقول بخفوت
بعتذر. مقصدتش.
ود أن يبتسم على حرجها و لكنه قال بجفاء
ها موافقة ولا اي؟
كانت فرصة لن تُضيعها أبدًا خاصةً و أن كرامتها لن تُمس لا أجابته بثقة
موافقة.
طافت عينيه مُطولًا، فقد كانت نوعًا من النساء لم يختبره مُسبقًا، مختلفة بل مميزة قد يكون لإنها ضعيفة، للحد أن نسمة هواء يمكن أن تجرحها، و قد يكون لانه يعرف نبذة عن الظروف المُحيطة بحياتها. لايعلم ما الذي يشعر به الآن امامها، ولكنه يستنكره بشده فهي امرأة خجولة و بريئة و أيضًا متزوجه.
بعد ما تخلصي شغل تعالي لسلمى هتديكي الشغل اللي هتخلصيه في البيت، ولو في اي ملاحظات هتقولك عليها.
اومأت بسعادة لونت ملامحها فأظهرت مدى جمال ملامحها التي حولتها السعادة حتى بدت فاتنة.
اللهم من اراد بي سوء فاشغله في نفسه وراحته وصحته وعافيته ورد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا له يارب وارزقه اضعاف مايتمناه لي اللهم ارني فيه عجائب قدرتك وحسبنا الله ونعم الوكيل.
كيف اللي بتجوله ده؟ اني بنفسي شايفها هو اني هتوه عن وش البومة دي!
هكذا هتف رحيم بانفعال وهو يحادث الضابط محمد الذي صرخ بحنق
قولتلك روحنا لقيناهم مشيوا من هناك. في حد بلغهم أننا رايحين يا رحيم.
كاد رحيم أن يجن في هذه اللحظة فهتف بجفاء
يا بيه محدش يعرِف حاچة. اني متوكد من الحديت ده. شوف انت اكيد حد سمعك وانت بتكَلمني.
زفر محمد غاضبًا
طيب مش موضوعنا. عايزين دلوقتي راحوا فين؟
صمت رحيم يُفكِر قليلًا قبل أن يقول بنفاذ صبر
في طريچة ممكن توصلنا لمكانهم.
طريقة ايه؟
أطلق زفرة قوية قبل ان يقول بجفاء
في الحجيجة هو شخص ممكن يساعدنا.
محمد بحنق
طب و الشخص دا واثق فيه ولا؟
رحيم بتأكيد
زي ماني واثج في نفسي يا بين.
التفت إلى الجهة الأخرى قبل أن يقول بينه و بين نفسه بحزن
دا التمن هيكون غالي جوي.
أستغفر الله العظيم من جميع الذنوب كبائرها وصغائرها. أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. أستغفر الله العظيم على النعم التي أنعم على بها ولم أشكره. أستغفر الله العظيم من الرياء والمجاهرة بالذنب وعقوق الوالدين وقطع الرحم.
ياسر. رايح فين يا حبيبي؟
هكذا هتفت هيام موجهة حديثها إلى ياسر الذي كان يتحدث بالهاتف ليُنهي مكالمته و يتوجه إليها قائلًا بابتسامة هادئة
صباح الفل.
صباح الهنا و الفرح على عيونك يا قلب أختك.
هكذا تحدثت هيام بحب يلون حدقتيها و نبرتها ليأتيها صوت حانق من الخلف
و هييجي منين الفرح و الهنا طول ما العبد لله في الكلية الغبرة دي!
ناظرته هيام بحنق تجلى في نبرتها حين قالت.
ايه يا ابني النكد دا عالصبح؟ دا بدل ما تقول صباح الخير
يزيد بنفاذ صبر
ايوا هو فين الخير؟ و أنا أول ما صحيت اصطبحت بوش روضة.
هكذا تحدث يُشاكِس روضة القادمة من الأعلى لتقول بسخرية
علي أساس أن انا اقول ايه بقى على وشك؟
يزيد بغرور
وش الهنا وش السعد.
تدخل ياسر قائلًا بسخرية
و ممكن وش الفقر بردو.
التفت يزيد يناظره بسخط قبل أن يقول بوقاحة
الصراحة يا ريس دمك تقيل. مضحكناش.
تظاهر ياسر بالنهوض من على مقعده وهو يقول بوعيد
عايز تضحك؟ هضحكك حلو.
انتفض يزيد من مكانه وهو يقول بخوف
ياعم مكانك اضحك ليه اتهبلت؟ انا هاخد روضة و نقعد نندب على جنب.
روضة بسخرية
روضة مش فضيالك. هقعد اتفرج عالفيلم بتاعي
يزيد بفضول وهو يتوجه إلى المقعد بجانبها
فيلم ايه دا؟ اوبا الجميلة و الجحش بحب الفيلم دا على يالا.
استغلت هيام انشغالهم و اقتربت بجانب إذن ياسر تقول بخفوت.
ايه يا حبيبي. فكرت في اللي قولتلك عليه؟ بص شوف كدا البنية حلوة و زي القمر متتعيبش ازاي؟
التفت ياسر يناظر روضة التي كانت جميلة بحق، بملامحها المنمقة و ابتسامتها الرائعة، فهي بالفعل فتاة بغاية الروعة يتمناها اي رجل الا هو، فقلبه مُحصن ضد سحر أي امرأة سواها لذا التفت ناظرًا إلى هيام ليقول بخشونة
قلبي مش شايفها يا هيام.
قطع حديثه يدها التي وضعتها فوق شفاهه تمنعه من الحديث وهي تقول بتوسل.
و رحمة ابوك الغالي لتركن قلبك على جنب. فكر بعقلك. شوفها بعين الريس ياسر اللي عقله يوزن بلد. اختار اللي يليق لك يا قلب أختك.
أوشك على الحديث فقاطعته مرة أخرى وهي تقول بحنو
معاك لآخر الشهر تفكر. بس وغلاوة هيام عندك فكر بعقلك. مش هيضيعك صدقني.
تحمحم ياسر بخشونة قبل أن يقول بنفاذ صبر
أنا همشي دلوقتي علشان رحيم هيقابلني عالشونة.
هيام بقلق
خير في حاجه؟
ياسر باختصار
لا.
اللهم إني توكلت عليك فأعنّي، ووفقني، واجبر خاطري، جبرا أنت وليّه. - يا رب، أدعوك بعزتك وجلالك، أن لا تصعّب لي حاجة، ولا تعظم على أمراً، ولا تحنِ لي قامة، ولا تفضح لي سراً، ولا تكسر لي ظهراً. - اللهم لا تجعل ابتلائي في جسدي، ولا في مالي، ولا في أهلي، وسهّل على ما استثقلته نفسي.
أخذت تجول في المكان من حولها برهبة حاولت قمعها البارحة حين خاضت تلك المواجهة مع اهلها المزعومين، ولكنها وقعت فريسة لها طوال الليل خاصةً حين لم يأتي عمر، فقد شعرت بالخوف يغزو أوردتها من اي فعل أخرق قد تفعله هذه المرأة معها، ولكنها تذكرت كلمات عمر المطمئنة ذلك اليوم حين أتى ليطلب يدها للزواج
عودة لوقت سابق.
تفاجئت من رنين جرس الباب في هذا الوقت المُبكر من الصباح، فتوجهت بلهفة لمعرفة من الطارق، فصُدِمت حين رأت عمر يقف أمام باب المنزل بأعيُن لا تُبشر بالخير، فهتفت بقلق
جدتي جرالها حاجه؟
اندهش أنها أطلقت على جدته هذا اللقب، ولكنه اكتفى بطمأنتها قائلًا
اطمني. هي كويسة.
هدأت أنفاسها قليلاً لتقول بارتياح
طب الحمد لله.
ممكن اتكلم معاكي شويه؟
اتفضل.
تنحت شروق جانبًا حتى افسحت له المجال ليمُر و تبعته هي لتجلس في المقعد أمامه تنتظر منه ام يبدأ بالحديث، و الحقيقة أنه لم ينتظر بل عمل بمبدأ قطع العرق و إسالة الدماء ليقول بجمود
شروق انا طالب ايدك للجواز!
شروق بصدمة
نعم؟!
تحمحم عمر قبل أن يقول بجمود.
اسمعيني كويس يا شروق. انتوا ليكوا حق عندنا، وانا بشكل أو بآخر مُجبر اردهولكوا، و ماما وجدتي بينهم صراع من زمان اوي وانا مش عايزك أنتِ و جميلة تكونوا ضحايا للصراع دا.
ناظرته بهدوء عكس ما يعصف بداخلها من خوف و قلق، و رهبة، و صدمة لم تفلح في تخطيها بعد، ولكنها تحدثت بثبات تُحسد عليه
ممكن اعرف ايه اللي في دماغك بالظبط؟
اعجب بهدوء أعصابها كثيرًا لذا شرع يقص عليها ما يجول بداخله.
أنتِ فاضلك سنة و تتمي واحد و عشرين سنة وقتها اقدر اسلمك ورثك، و عشان اكون متطمن عليكوا لازم تكونوا قدام عيني.
و قدام عين ممتك بردو.
هكذا أضافت شروق ليقول بنبرة قوية تشبه نظراته التي طمأنتها كثيرًا
قدام عنين الكل هتبقي تخصيني، وقتها محدش هيقدر يقرب منكوا.
شروق بهدوء
اوك بس ممكن اعرف ازاي انت ضامن حاجة زي دي؟
عمر بنفاذ صبر.
أنا من ضمن أهداف الصراع اللي داير بين ماما و جدتي. اللي هي شايفه أن ماما اخدت منها ابنها، وعايزة تاخدني منها، و امي بتعافر عشان متسمحش ليها تعمل دا، و بالتالي فالكل بيتلاشى أنه يقف قدامي.
لمحة من التوتر مرت بعينيها مما جعله يقول بمرح
و بعدين ابن خالك مسيطر متقلقيش. انا شاكمهم كلهم هناك.
رغمًا عنها ابتسمت على حديثه ليُضيف بنبرة مُطمئنة.
مش عايزك تخافي من حد، و اتأكدي انك في امان انتِ و جميلة طول مانا موجود.
عودة للوقت الحالي
زفرت بتعب وهي تجلس فوق السرير العريض تُفكِر كيف ستتعامل مع اولئك البشر، و بالطبع لن تنسى ثأر والدتها الذي هو هدفها الأول و الأخير، و لأجله قبلت الزواج من عمر، والبقاء في هذا المنزل.
طرق خافت على باب الغرفة جعل رعشة قوية تضرب جسدها، و من ثم تأهبت جميع حواسها أستعدادًا لما هو قادم لتجد نفسها وجهًا لوجه مع نبيلة التي كانت هادئة بشكل مريب، فلم تتحرك شروق من مكانها بل ظلت ثابته تناظرها بأعين مظلمة كليل حالك لا نجوم فيه لتقول نبيلة بمرح
مبروك يا عروسة.
شروق بهدوء
الله يبارك فيكي يا حماتي.
اغتاظت نبيلة من كلمة شروق التي جعلتها تهتف بتهكم.
حماتك! هقول ايه معلش يا حبيبتي ما انتوا تربية الحواري.
شروق بنفس هدوئها زاد عليه ابتسامى بسيطة
بالظبط. احنا في الحواري بنقول كدا.
هذه الفتاة بالنسبة إليه كتلة من الاستفزاز ولكنها لن تسمح لها بجعلها تنهار لذا هتفت بتهكم
لا بس أذكية و ناصحين، و بتعرفوا ترسموا و تخططوا كويس.
لا هو مش موضوع حواري. هو تقريبًا موضوع جينات هي اللي بتتحكم في موضوع الذكاء دا.
هكذا تحدثت شروق بهدوء كاد أن يُصيبها بجلطة دماغية، فصرخت نبيلة بانفعال
اتعدلي يا بت أنتِ. أنتِ هتشتغليني بالكلام؟
نصبت شروق عودها و توجهت لتقف وجهًا لوجه مع نبيلة قبل أن تقول بندية و نبرة جافة ولكن ثابته
ليا اسم، و اظن أنتِ عرفاه، وياريت لما تحبي تتكلمي معايا تناديني بيه، و لو كانت ردودي ضايقتك، فأنا عندي ردور تانيه ممكن تزعلك، فالأحسن منتكلمش مع بعض يا حماتي.
قالت جملتها الأخيرة بابتسامة عريضة أصابت نبيلة بالجنون ولكنها لن تسمح لغريمتها بالانتصار عليها لذا نحت غضبها جانباً قبل أن تقول بتهكم
تصدقي نسمة الهبلة خلفت، و ربت. والله فاجئتيني.
حريق هائل نشب في صدرها حين سمعت حديثها عن والدتها ولكنها نجحت في كظم غضبها لتقول بنبرة جامدة
كويس ان أنتِ عارفة أنها ربت، و تربيتي تمنعني أرد على واحدة في سنك، فياريت تحترمي سنك أنتِ كمان و تخرجي بره اوضتي.
أصابتها كلمات شروق في مقتل فعمى عينيها الغضب وحين أوشكت على الرد جاءها صوت عمر الساخر من الخلف
ايه يا بلبلة حد بردو يضايق عروسة كدا يوم صباحيتها؟
التفتت تناظر عمر بحنق تجلى في نبرتها حين قالت
عروسة ايه وزفت ايه؟ تعالى اسمع تربية الحواري اللي جبتها وسطنا و شيلتها اسمك قالت ايه لأمك و أهانتها ازاي؟
عمر بجمود.
سمعت، و بحيي شروق على هدوئها قدام الإهانات اللي وجهتيهالها، و أدبها في الرد عليكي و بصراحة بحسدها على اللتنين، و الحقيقة اني اتأكدت في اللحظة دي اني اخترت صح.
تجمدت الدماء في أوردتها من حديث ابنها و لكن ما جعلها تتخطى صدمتها هي ابتسامة شروق المنتصرة لتصرخ بغل
بتنصرها عليا عمر؟ بتنصرها على امك!
عمر بجمود.
بالعكس أنا منصرتش حد على حد. الكلام بينكوا كان خلصان من قبل ما آجي، و اتمنى بجد اني مجيش في يوم اشوف الموقف اللي شفته دا تاني. عشان وقتها هتبقى خسرنا بعض فعلًا.
تضخم قلبها من فرط الغضب، و قد تأكدت في هذه اللحظة بأنها على وشك التعرض لخسارة هائلة لذا يجب عليها وضع خطة مُحكمة لأعادة الأمور إلى مسارها الصحيح لذا هتفت بنبرة منكسرة
حاضر يا عمر. مش هدخل اوضتك تاني.
اللهم إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدّين وقهر الرّجال. - اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلّه، لا إله إلا أنت. - يا فارج الغم، اجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا، يا سامع كل شكوى، وكاشف كل كرب.
يؤذينا الشوق ليلًا، و تتجلى آثاره على القلوب نهارًا حيث لا شيء قادر على تعديل مزاج شخص قضى الليل يتقلب على جمر الشوق ينتظر أن يأتي الصباح بدواء قادر على إصلاح آثار الليلة الفائتة، ولكن يضيع انتظاره هباءً حين يجد نفسه مشتاق و أيضًا مجبر على التعامل وكأن شيئًا لم يكُن.
نورهان العشري.
أخذت تتجول بين الفصول، فقد بدأت بالعمل منذ أسبوع مضى، وقد فادها العمل كثيرًا، فهاهي تمضي النهار بأكمله في هذه المكان و تعود لتمكث في غرفتها بين ذكرياتها و آلامها إلى أن ينتشلها النوم من بؤرة أحزانها و تقضي الليل بين كوابيس و هواجس إلى أن تستيقظ لتدفن جميع اوجاعها في العمل الشاق و هذا هو الشيء الوحيد المُريح بالنسبة إليها، ولكنها لم تسلم من من وخزات الشوق الذي يجذبها من قلبها جرًا لتختلس بضع نظرات إليه من هذه النافذة التي تُطِل على مقر عمله، فهذه النظرات هي الشيء الوحيد الذي يُعطيها دفعة لتُكمل يومها الطويل.
كعادتها تحاول المقاومة و لكن دون جدوى، فهاهي تستعجل إنهاء حصتها لتتوجه إلى هذه الغرفة تحاول إلهاء الأولاد قليلًا ولكن عينيها على ذلك الرجل الذي كان وسيمًا، قويًا، ذو هيبة تحيط به كهالة مُشِعة تجذبها إليه لتقع بعشقه مرارًا و تكرارًا، و كلما قاومت سقط قلبها أكثر و أكثر في عشقه لتنفلت عبرة يتيمة من طرف عينيها تحكي واقعها الأليم، و لكنها سُرعان ما محتها وهي تلتف إلى الجهة الأخرى حين أوشك على الإمساك بها، أو هكذا ظنت لا تعلم بأنه يرى نظراتها و إن قلبه يستشعر مراقبتها له قبل أن تراها عينه بل إنه هو الآخر يسترق النظر إليها من أحد المخازن حتى يُملي عينيه من جمالها، و يروي شوق قلبه العاصي الذي يشبهه بالطفل العاق الذي يخبئ أفعاله النكراء عن العالم أجمع.
اختفت عن ناظريه ليزفر بتعب وهو يتوجه إلى الخارج قائلًا بجفاء
فين الشاي يا ابني انت وهو؟
تحدث أحد الصبيان في المخزن
انا قولت لحماصه يبعته يا ريس ياسر و هو اللي اتأخر.
هتف الصبي الآخر بلهفه
حماصة مين يا عم انت. مقاليش حاجه يا ريس.
بطل كذب. قولتلك بس انت مكنتش مركز...
قاطع شجارهم ياسر قائلًا بحنق
خلاص. اعملك قفلة انت وهو. انقلوا يالا الحاجات دي المخزن التاني من سكات.
توجه إلى الخارج ينوي طلب كوب من الشاي الذي كان هو مشروبه المفضل، و حين خطت أقدامه إلى خارج المكان وجد فتى القهوة يحمل صينية عليها كوب من الشاي فهتف مُناديًا
ساعة عشان تجيب كوباية الشاي؟
و بنفس اللحظة أتاه صوتها العذب وهي تقول بعتب
كل دا يا جندي على ما تجيبلي كوباية الشاي!
توقف الاثنان وجهًا لوجه أمام بعضهم البعض، فاحترق الهواء من حولهم من فرط الأشواق العاتية التي فاضت بها القلوب و تجلت بوضوح في نظراتهم، فقد كان لقاء من ترتيب القدر الذي انتهت له قلوبهم لتشتبك نظراتهم لثوان قبل أن يقول فتى القهوة
هو انتوا اللتنين عايزين شاي ولا اي؟
تحمحم ياسر بخشونة هو يُدير رأسه بصعوبة عنها كما التفتت هي الأخرى ناظره للفتى ليقول ياسر بخشونة
أنا باعتلك بقالي ساعه على الشاي.
و هتفت هي الأخرى بنبرة رقيقة
وانا كمان بعتلك مع عم عطية البواب.
شعر الفتى بالحرج من هذا المأذق ليقول باندفاع
طيب في كوباية واحدة حد فيكوا ياخدها، وانا هعمل للتاني.
أطلق زفرة حارة قبل أن يقول بجمود
اديهالها و اعملي انا واحدة تانية.
أرادت أن تُطيل الأمر أكثر لذا هتفت بلهفة
لا خلاص خدها. انت بتحب تشرب الشاي الصبح كدا.
لا إراديًا تعلقت عينيه بها بشوق سرعان ما تحول لغصب و كأنه يعاتبها قائلًا.
ما الذي تنوين فعله بي؟
ولكنه في نهاية الأمر تغلب على ما يجول بصدره ليهتف بجفاء
مش مشكلة هستنى شويه. خديه أنتِ.
لا تعلم لما أرادت الانتصار في هذه المعركة البسيطة لذا عاندته قائلة برقة
لا لا خدها انت. احنا كدا كدا بنشربه زي بعض. فأكيد هيبقى مظبوط.
رقتها و نظراتها كانا كالأسلحة الفتاكة التي جعلت نظراته متوسلة هذه المرة و كأنه يُخبرها
رفقًا بي فقلبي ليس في مقدوره المقاومة أكثر.
مثلها يعاند فقط ليبقى أمام عينيها وقتًا أطول لا هتف بجفاء
لا مش مشكله. خديها وانا هطلب واحدة تانية.
خلاص يا ياسر. يعني انت شربت كإني انا شربت.
كانت لها الغلبة حين قالت بلهجة اقرب للتوسل الذي اخترق صدره مما جعل أنفاسه تتشاجر بداخله والكلمات تتناحر فوق شفتيه تريد الخروج ولكنه نجح في قمعها ليسمعها توجه حديثها إلى الفتى قائلة بتعب
اعملي واحدة الله يباركلك، و ياريت تجيبي حبة مسكن معاها.
هذه المرة غافلته الكلمات و خرجت متلهفة من بين شفاهه حين قال
تعبانه ولا اي؟
التفتت تناظره بلهفة تجلت بوضوح في عينيها وهي تقول بخفوت
مصدعة شويه.
تصنع الجمود وهو يقول باستفهام
من ايه؟
غنى بنبرة مغمومة
بقالي فترة مبنمش حلو. عادي يعني هبقى كويسة.
أراد لهذا اللقاء أن ينتهي الآن و إلا لن يستطيع الابتعاد عنها أبدًا لذا هتف بجفاء
إن شاء الله.
أنهى جملته و توجه للداخل وهو يحارب جيوش شوقًا عاتيه تجتاح صدره الذي أصاب دقاته الجنون يتمنى لو تحدُث معجزة تجعله يذهب الآن و يعانقها حتى تئن عظامها بين يديه طالبة للرحمة، ولكن لسوأ حظه فزمن المعجزات ولى منذ أمد بعيد.
التف حول مكتبه وقام بجلب شريط دواء من أحد الأدراج و توجه الى أحد صبيانه و هو يقول بجفاء
اطلع ادي دا للواد جنيدي و قوله الريس ياسر بيقولك دا مسكن كويس.
تناول الصبي منه الشريط و هرول إلى الخارج ليقف ياسر أمام أحد النوافذ يحاول تنظيم دقات قلبه، و إذا به يتفاجئ حين رأى...