قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الخامس والأربعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الخامس والأربعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الخامس والأربعون

اتَّسعت حدقتا إسحاق كأنَّهما على وشكِ الانفجار، وارتجَّ جسدهِ مع اندفاعِ فريقِ الأمن إلى الغرفةِ كعاصفةٍ هوجاء، توقَّفت عينيهِ عن الرؤية سوى جسدِ إلياس الداني، تقدَّم بخطوةٍ أثقلُ من أن تحملها قدماه، وقلبهِ يدقُّ كطبولِ القيامة، ولم تتزحزح عينيهِ عن الجسدِ المسجَّى وسطَ بركةٍ من الدماء، هامدًا لا حراكَ فيه، وكأنَّ الحياةَ قد لفظته.

اقتربَ أكثر، وانحنى يرفعُ رأسهِ المرتخي بين يديهِ المرتجفتين، ثمَّ تمتمَ بصوتٍ مخنوقٍ كأنَّ حنجرتهِ تختنقُ بكلِّ حرف:
- إلياس، سامعني؟ إلياس؟! رد عليَّ...

كرَّر النداء، ليفتحَ إلياس عينيهِ بإرهاقٍ يُقاومُ الموت، همسَ بنبرةٍ ضعيفة، ولكنَّها لم تصل اليه، حاول رفعَ كفَّيهِ المرتجفتين، يشيرُ إلى جسدِ أخيه الذي سقطَ مطروحًا كدُميةٍ محطَّمة، وعليها آثارُ عذابٍ لا تُحتمل.

- أرسلان...

همس بها، وكأنَّ اسمهِ آخر ما تبقّى له من الدنيا، ليغمضَ عينيه، وغاص في ظلامٍ عميق.

وصل همسهِ إلى إسحاق، لتخترق أذنيهِ اسمَ فلذةِ كبده، كالسيفِ يخترق السكون، تجمَّد واستدارَ برعب، ورفع رأسهِ ببطء، حتى سقطت عينيهِ على دماءٍ متناثرة، وفراشٍ ملطَّخٍ بالدماء، ناهيك عن صوتِ إنذارٍ يملأُ الفراغَ بأزيزِ الجنون، لحظة اثنين ثلاثة ليفيقَ من بشاعةِ المشهد ويهبَّ فزعًا.

يصرخُ بجنون. بصوتٍ خرج من أعماقِ روحه، صوتٌ تمزَّقَ فيه القلب قبل الحنجرة:
- دكتوووور!

قالها بصرخة زلزلت المكان، ارتجَّت لها الجدران، لو استمعت اليه الطيورُ لتفزع في السماء، وترتعد الأرواحُ النائمة.

ثوانٍ فقط، واقتحم الأطباءُ الغرفةَ كجيشٍ جاء من القيامة، يحملونَ بين أيديهم ما بين الحياةِ والموت، ما بين الرجاءِ والقدر. مع دخولِ مصطفى مفزوعًا يتجوَّلُ بعينيهِ في الغرفةِ التي أصبحت ساحةً لمعركةٍ دامية.

خطا بخطواتٍ ثقيلة. واقترابِ الجميع من الغرفة بعد حدوثِ هرجٍ ومرجٍ مع أصوات الطلقاتِ النارية بالداخلِ والخارج، اباختلاط انذار الأجهزة.

اقترب مصطفى ببطء، كأنَّ خطواتهِ تقودهُ إلى جهنم، لا إلى جسدِ أبنه، توسَّعت عيناهُ بفزع، لا تُصدِّقُ ما ترى، وهو ممددًا، لا يتحرَّك، كأنَّ الحياةَ قد انسحبت من جسدهِ وتركتهُ بارداً، خاليًا من النبض.

ارتجفت ركبتيهِ وسقطَ على الأرضِ كمن خارت قواه، بل كمن سقط قلبهِ قبل جسده، وانحنى فوق إلياس، لا بجسده، بل بروحٍ تحترق، وهمس باسمهِ وتمنَّى بتلك الهمسة أن تكون قادرة على إعادته:
إيلي، إلياس، ، ابني...

قالها بنبرةٍ مبحوحة، يشعرُ بشروخِ نبرته، وكأنَّ حلقهِ تمزَّق من الداخل. وفي لحظةٍ كالإعصارِ دخل إسلام كمن انسلخَ عن عقله، يركضُ إلى أخيه، ولكن منعهُ المسعفون، إلَّا أنَّه دفعهم و سقط، يزحفُ حتى وصل اليه، بصراخهِ كالطفلِ وهو يجذب جسدَ أخيهِ إلى حضنه:.

لااااا! مستحيل! مستحيل! إلياس افتح عيونك، إلياس إنتَ قولت لي إيه. قالها بصرخاتٍ كالذي فقد عقلهِ تمامًا، هجم عليه الأطباء مع المسعفون، يحاولونَ منعهِ الوصولَ إلى جسدِ إلياس، لكن إسلام التصقَ به كأنَّهم سيخطفونهُ للأبد.

تأزَّم الوضعُ في حالة ضياعٍ وانهيارٍ بالكاملِ لمصطفى الحاضرِ الغائب، وكأنَّه ليس موجودًا بالمكان، ولكن إذا رأى أحدًا حالته، سيقسمُ أنَّه يعاني من خروجِ الروح من الجسد، عيونهِ التي تبدَّلت وارتعاشةِ جسدهِ بالكامل، حتى سقط يرتجفُ يتمنَّى من الله أن يصيبهُ بالعمى من ذلك المشهدِ الباكي.

سحبَ المسعفونَ إلياس بصعوبة من بين يديهِ متَّجهينَ به إلى الفراش، مع صرخاتِ إسلام، ولكن أوقفهُ الطبيب محذِّرًا إياه: -خرَّجوه برة. أنا مقدَّر حالتكم بس لا.

عايزين نشوف شغلنا، لازم نعرف إذا في نبض، لسة عايش ولَّا مات.
اقتربَ إسلام يريد أن يطبقَ على عنقهِ وهو يصرخ:
- لأاااااااااا! هوَّ عايش، سامعني! إلياس سامعني!

ومع تلك الكلمات، دوى صوتُ طبيب اخر:
لسه عايش الحمدُ لله لازم ننقله عمليات بسرعة.
وقعت الكلمات على قلبِ مصطفى كالسهمِ المسموم، تحجَّرت عينيه، وانطفأت روحه، وهزَّ رأسهِ مرارًا، هامسًا لنفسه:
عايز ابني، ابني لازم يعيش يادكتور، سامعني، لازم ابني يعيش.
-إن شاء الله سيادةِ اللوا.

نظر إلى إسلام وهو يبكي كطفلٍ فُجع. كأنَّهُ فقدهُ للأبد، وارتفاع شهقاتهِ كانت شروخًا في قلبِ مصطفى الذي فقد الحركة والشعور، أغمضَ عينيهِ يهربُ من صوت ابنه، وبكائه، نظر إلى ارتعاشةِ يديهِ الملطَّخة بدماءِ ابنه، ثمَّ صاحَ فجأة بصوتٍ أفزعه: -باااااس، مش عايز أسمع صوتك، إنتَ إيه يالا، طفل، أخوك لسة عايش. هدأت نبرتهِ واختتقَ صوتهِ وهو يتمتم: -أيوة لسة عايش، إلياس لسة عايش، مش عايز نفس، ابني عايش سمعتني، امسح دموعك إيَّاك أشوفك بتعيط، أومال سبت إيه لغادة وفر. ارتجفت شفتيهِ وتوقَّف لسانهِ عن تكملةِ اسمها، يستندُ على الجدارِ متوقِّفا: -لله الأمرُ من قبل ومن بعد. ربِّي لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.

اقتربَ ينظر لوالدهِ بأسى، وألقى نفسهِ بأحضانهِ يبكي: -هيقوم يابابا، أنا عارف أنُّه هيقوم. استدار يتَّكئُ على الجدارِ يجرُّ خطواتهِ بصعوبة، إلى أن وقعت عينيهِ على المسعفينَ يركضونَ بجسدِ أرسلان، يحملونه وكأنَّهم يحاولون أن أن يسرقوا من فمهِ الموت، همس اسمهِ بصراخِ قلبه حينما وجد الأطباءَ يحاولونَ إنعاشَ قلبهِ الذي توقَّف، أطبقَ على جفنيه: -كتير على قلبك يافريدة، إذا إحنا وكدا، اللهمَّ إنِّي أشكو إليكَ ضعفي وقلَّة حيلتي قالها وسحب جسدهِ بصعوبة، كمن يُساقُ إلى غرفةِ إعدامه، فكيف سيواجهُ زوجتهِ بعدَ الذي حدث.

دقائقَ معدودة حتى انقلبت المشفى إلى جحيمِ صفَّارات، وصُراخ، أقدام تركض، ضباط يقتحمونَ المكانَ بعد تسرُّبِ الخبر.
أصبحت المشفى سكنة عسكرية، وجوهٌ جامدة، وعيونٌ تفتِّشُ على يدِ الغدر التي فعلت ذلك، وأسئلة لا صوتَ لها: من فعل هذا؟ ، كيف؟ ، لماذا؟ .

أمَّا الحقيقة، فكانت تصرخُ في أذهانِ الجميع: من لا يملك قلبًا، لا ينتمي لدينٍ ولا وطن.

بمنزلِ يزن.
جلسَ على جهازهِ يُنهي بعض أعماله، استمع إلى رنينِ هاتفه، حملهُ مبتسمًا بعدما وجد اسمها ينيرُ فوق شاشته، فتحدَّث: -أوعي تقولي وحشتك، أنا لسة سايبك من ساعتين تقريبًا، نهضت ميرال من جوارِ طفلها وتحرَّكت إلى الشرفة، رفعت أناملها تعيدُ خصلاتها التي تطايرت بسبب الهواء وأجابته: -أكيد وحشتني، بس أنا ماتصلتش علشان كدا.

تراجعَ بجسدهِ يستمعُ إليها باهتمام بعدما أحسَّ بنبرةِ صوتها الحزين، حمحمَ قائلًا: -سامعك حبيبتي محتاجة حاجة، هوَّ إلياس رجع ولَّا لسة؟

جذبت المقعدَ وجلست عليهِ تتجوَّلُ بعينيها في الحديقةِ قائلة: -لا. لسة بس احتمال يبات الليلة هناك، عمُّو مصطفى بقاله فترة طويلة أوي مرجعشِ بيته، قالِّي لازم يقنعه، حتى قالي هلعب على وتر ابنها ولازم أكون جنبها. فبكدا عمُّو مصطفى هيوافق ويرجع يرتاح شوية، المهم مش دا اللي عايزة أقولَّك عليه.
-أنا سامعك خير فيه حاجة؟

أخرجت تنهيدة شقَّت صدرها، لتقول: -رؤى يايزن، رؤى لازم نقعد نتكلِّم معاها، بقت صعبة أوي ومبتسمعشِ منِّي أيِّ كلمة، وخايفة إلياس يعرف تغيُّرها يقلب عليها، خلِّي بالك هوَّ سامحها المرَّة اللي فاتت علشان أنا اتحايلت عليه، بس أفعالها تجاوزت كلِّ الحدود، تخيَّل بقت تسهر وترجع بعد الساعة اتناشر، لسة راجعة من شوية، وحمدت ربِّنا إنِّ إلياس مش هنا.

أجابها معترضًا على حديثها: -أنا طلبت أخدها عندي وإنتي اللي رفضتي ياميرال. قاطعتهُ ممتعضة: -كنت محتاجة أقرَّب منها، قولت يمكن لمَّا نقرَّب من بعض أعرف أشيل الحقد اللي جوايا منها، بس دلوقتي بقت تتمادى، أنا مش هتحمِّل تماديها دا.
-هيَّ عملت إيه ياميرال مخليكي مضايقة منها كدا؟

حاولت تغيير الموضوع وسحبهِ إلى حديثٍ آخر فأردفت متسائلة: -بكرة تيجي نتكلِّم معاها مع بعض، ونشوف هيَّ ناوية على إيه، وكمان لازم تقولِّي إيه اللي حصل بينك وبين رحيل، مجتشِ فرصة تحكي لي بسبب اللي حصل لأرسلان وماما فريدة.
نظر بشاشةِ هاتفهِ بعدما استمع إلى انتظارِ مكالمة فأجابها سريعًا: -تمام بكرة هجيلك ونتكلِّم معاها، معايا تليفون مهم هكلِّمك تاني.

-أوكيه. قالتها وأغلقت الهاتف تنظرُ للخارجِ بشرود، بينما أجاب يزن سريعًا على هاتفه: -فيه إيه، عرفت أخبار عن رحيل؟
-لا ياباشا، المستشفى اللي فيها أرسلان الجارحي مقلوبة، كلِّمني حد من فريقِ الأمن وقال أرسلان الجارحي حدِّ حاول يقتله، رحت علشان أتأكد للأسف الوضع هنا صعب أوي.
هبَّ من مكانهِ يصرخ به: -إنت بتنقَّطني ماتقول إيه اللي حصل عندك، أنا كنت هناك من ساعتين.

-للأسف ياباشمهندس، فيه حد هجم على أوضة أرسلان الجارحي وإلياس باشا اتصاب وحالته خطيرة جدًا، عرفت أنُّه بالعمليات، لم ينتظر تكملةَ حديثه، حمل هاتفهِ وتحرَّك للخارجِ مع مهاتفةِ كريم، بخروجِ إيمان التي خرجت على صوتهِ العالي: -أبيه يزن فيه حاجة؟ نظرَ إلى هاتفهِ الذي أعطاهُ انشغال كريم بمكالمة، ثمَّ أشارَ على يدها: -اقفلي مع كريم عايزه ضروري، قالها واتَّجه إلى دراجتهِ البخارية ومازال يحاولُ مهاتفةَ كريم: -أيوة قابلني في المستشفى اللي فيها أرسلان الجارحي، فيه حد حاول يموِّته.

?-?-?.

عند ميرال.

نهضت من مكانها ودلفت إلى غرفةِ طفلها، راقبت نومهِ للحظات ثمَّ انحنت تقبِّله، تمرِّرُ أناملها على خصلاتهِ مرَّةً وعلى وجنتيهِ مرَّة، ظلَّت تحدجهُ لفترةٍ وثغرها مبتسمًا ترى فيه صورةَ زوجها المصغَّرة، رفع ذراعيهِ يتثاءب، فشقَّت ابتسامتها على طفولتهِ البريئة. أشارت إلى مربيَّته: -خلِّيكي جنبه لحدِّ ما يروح في النوم، ولو جاع أكَّليه فواكه، بلاش أكل تقيل علشان ينام براحته، ومتنسيش اللبن، أنا حضَّرته له وجبته جاهزة.

-حاضر يامدام. تحرَّكت للخارج ونظراتها مازالت متعلِّقة عليهِ إلى أن خرجت وأغلقت البابَ خلفها، قابلتها رؤى تحملُ قهوتها، توقَّفت أمامها متسائلة: -فين الشغالة؟ معقول مفيش حد يعملي فنجان قهوة! خطت من جوارها قائلة: -هوَّ جريمة تعملي لنفسك قهوة، أنا مشيتها، والدتها تعبانة، ومش محتاجاها، أنا طول الوقت برَّة من شغلي للمستشفى، وكمان إلياس، ولمَّا بيرجع مابحبِّش حد يعملُّه حاجة. توقَّفت واستدارت إليها تحدجها واستطردت: -من وقت مااتجوزنا وهو مبقاش ياكل غير من إيدي. قطبت جبينها تشيرُ إليها: -معقولة ياميرال بتوقفي في المطبخ، علشان تعملي أكل!

رفعت ميرال حاحبها مستغربةً ردَّها فأجابتها: -أنا اللي مستغربة كلامك، يعني المفروض عشتي فترة كبيرة في الملجأ، المفروض الموضوع يكون عادي لمَّا أقوله، مش تكبر زي مابتتكلِّمي، اقتربت خطوةً منها وتابعت حديثها: -وعلى العموم أنا بكون سعيدة جدًا، وأنا شايفة جوزي مش عجبه أكل غير أكلي.
-والله، ومن إمتى دا، مش شايفة إنِّ إلياس متحكِّم زيادة عن اللزوم؟

أفلتت ضحكةً صغيرة تهزُّ رأسها ساخرةً من حديثها: -متحكِّم، ياشيخة مش شايفة الكلمة كبيرة أوي عليكي، مابلاش إنتي يارؤى، إحنا لسة متكلِّمين في الموضوع دا من كام يوم. خطت خطوةً أخرى إلى أن توقَّفت أمامها ولم يفصلها سوى أنفاسهما وتابعت حديثها: -رؤى لآخر مرَّة هحذَّرك تدخلي بيني وبين جوزي، وعلى فكرة إنتي من بكرة هتنقلي عند يزن، هوَّ عايزك عنده، شايف إنِّك الأولى تقعدي عند أخوكي مش جوز أختك.

-واللهِ ياميرال، بتطرديني من بيت إلياس. وياترى بتطرديني خوف ولَّا. قاطعتها ميرال ترفعُ أناملها بتحذير وارتفعت نبرتها حتى احمرَّ وجهها من الغضب: - ولا كلمة، وبلاش أحلامك الهبلة الغير منطقية، وبعدين دا مش بيت إلياس دا بيتي أنا، اللي متعرفهوش كتبه باسمي من أوَّل مانقلنا هنا، حتى لو بيته ماهو جوزي وليَّا الحق أقعَّد اللي يريَّحني؛ واللي ميريحنيش زي حضرتك أقولُّه مع السلامة.
-أفهم من كدا إيه ياميرال؟

استدارت للمغادرة ونطقت: -أخوكي أولى بيكي، على الأقل لو قعدتي قدَّامه بقميص نوم اسمه أخوكي. توقَّفت وأدارت رأسها ترمقها باحتقارٍ وتمتمت بنبرةٍ مشمئزة: -بدل ماأقعد في بيت راجل غريب وأظبَّط مواعيده وأخرج له بحجج فارغة، عيب عليكي احترمي حتى الدم اللي بينا، وافتكري إنِّ دا جوز أختك. بس لحدِّ كدا وكفاية، إلياس مبقاش عايزك في البيت.

-كدَّابة. قالتها سريعًا واقتربت منها وهتفت بنبرةٍ خرجت غاضبة اخترقت صدرَ ميرال حينما قالت: -إنتي اللي ألَّفتي كدا، خايفة. ماهو هتفضلي خايفة منِّي، ماأنا البنت اللي كانت هتخطف جوزك، اقتربت أكثر وبخَّت حديثها كالسمِّ القاتل: -إيه نسيتي لو إنِّك مانتحرتي كنت زماني مراته وإنتي برَّة حياته، وقتها كان فين الحبِّ اللي بتقولي وتنفخي نفسك بيه، أنا متأكِّدة هوَّ اضطر يكمِّل معاكي بعد تحذير الدكتور له، ماهو ياحرام حاولتي بدل المرة تلاتة تتخلَّصي من حياتك، كان لازم يجاريكي لحدِّ مايطمِّن، بس مكنشِ يعرف أنُّه هيتورَّط بابنك. فوقي وبصي لنفسك؛ لولا الدكتور مكنشِ كمِّل معاكي وإنتي متأكِّدة وكلِّنا عارفين أنُّه انجبر يرجع لك.

لطمة قوية على وجهها ثمَّ أشارت إليها بالخروج: -اطلعي برَّة بيتي حالًا، مش عايزة أشوفك. لوت شفتيها: -إيه عرِّيت حقيقتك قدَّام نفسك دا لو كنتي مش عرفاها أصلًا. بلاش تنفخي نفسك ياميرال إنتي مش أقلِّ مني، إحنا بنات راجح ياحبيبتي، راجح اللي شردهم، تخيلي واحد هيحب واحدة ابوها قتل ابوه، واغتص. ب امه، دا لو محاولش ينتقم منك وحاول اللي يعمل اللي ابوكي عمله مع أمه يعمله معاكي، ايه مش إلياس حاول يعملها.

سحبتها ميرال بقوَّةٍ تدفعها خارج المنزلِ ثمَّ أشارت إلى الأمنِ الخاصِّ بالفيلا: -خد البنتِ دي ودِّيها عند يزن، ممنوع تدخل بيتي تاني، التفتَت لها قائلة: -متستهليش الشفقة يابنتِ راجح. قالتها وأغلقت البابَ خلفها بقوةٍ جعلت جسدَ رؤى ينتفض، سحبها الرجلُ إلى السيارة في محاولةٍ منها لإبعاده، ولكن كان الأقوى في السيطرةِ عليها، بينما جلست ميرال خلف الباب تبكي بشهقاتٍ تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ شهقاتها وحديثُ رؤى يخترقُ آذانها: -إحنا بنات راجح. ظلَّت الكلمات كصوتِ رعدٍ تتذلَّلُ له الآذان. نهضت من مكانها سريعًا، وصعدت غرفتها، وقامت بتبديلِ ثيابها مع إزالةِ عبراتها التي أغرقت وجهها، حملت حقيبتها تضعُ هاتفها بها، هبطت للأسفل متَّجهةً سريعًا إلى سيارتها، تحرَّكت بخطواتٍ مبعثرةٍ، ولم تشعرُ بأنَّ حارسها الشخصي قد اقترب، ظنًّا أنَّها علمت ماحدثَ لزوجها بسبب حالتها التي كانت بها.

ألف سلامة على الباشا ياهانم، إن شاء الله يقوم بالسلامة.
لم تستمع إلى حديثهِ جيدًا، فنبضُ قلبها كان كبركانٍ يثورُ بداخلها، يشوِّشُ كلَّ شيءٍ من حولها.
فتحت باب السيارة بجسدٍ مرتعش، فتقدَّم هو ووقفَ أمامها مشيرًا إلى المقعدِ الخلفي قائلاً:
-أنا هوصَّل حضرتك للمستشفى، مينفعشِ تسوقي وإنتي في الحالة دي.

تمتمَ بها لتشعرَ بها كطعنةٍ في صدرها، فأشارت له بالابتعاد، وقد عجزَ لسانها عن النطقِ للحظات، تحاول لملمةَ شتاتها، ثمَّ همست بصوتٍ خافتٍ بالكادِ وصل أذنه:
-أنا، عايزة أسوق. تعالَ ورايا.
قالتها وصعدت إلى السيارة دون أن تضيفَ كلمةٍ واحدة.

مرَّت الدقائقُ وهي جالسةً في مقعد القيادة، لا تتحرَّك.
فقط دموعها تنسابُ على وجنتيها، وكأنَّها نارٌ تحرقها من الداخل.
رفعت الهاتفَ بيدٍ مرتجفة، أرادت أن تحادثه. أن تسمعَ صوتهِ فقط، تشتاقُ لاحتضانه، لصوتهِ الحنونِ يربتُ على قلبها الهش، لا تريدهُ أن يبتعدَ الآن، لا تريدُ من هذا العالم سوى شيءٍ واحد، هو فقط...

مرَّ الرنينُ عليها كدهرٍ وهو لم يجب عليها، تحرَّكت بالسيارة بعدما فقدت الأمل في الوصولِ إليه، تمنَّت لو أنَّ لديها أجنحة لتطيرَ اليه، تلقي نفسها بأحضانه.

بعد فترةٍ وصلت إلى المشفى، ولكن توقَّفت تلتفتُ حولها بذهول من كمِّ الأمن الذي يحاصرُ المشفى، ازداد نبضها ظنًّا أنَّ أرسلان أصابهُ مكروه، خطت بعض الخطواتِ للداخل، ولكن أوقفها الأمن يهتفُ بنبرةٍ غاضبة: -ممنوع الدخول ياأستاذة، قسم الطوارئ بالجهة التانية.
قطبت جبينها باعتراض وأتت للتحدُّث ولكن قاطعها رجلُ الأمن الخاص بها: -ابعد يابني دي مدام إلياس باشا السيوفي.

دقَّق بملامحها للحظات ثمَّ رفع نظرهِ للرجلِ قائلا:
معنديش أوامر أدخَّل أيِّ مخلوق!
صرخ به الأمني بصرامة، واقترب ليعترضَ طريقها بجسده، لكنَّها لم تتحرَّك، بل نظرت إليه بنظرةٍ ممزوجةٍ بالدهشة، فتحت فاهها للرد ولكن قاطعها صوتُ رجلِ الأمنِ الحادِّ الغاضب: مين رئيسك؟ دي مدام إلياس السيوفي، من حقَّها تدخل.

أخرج بطاقتهِ ببطء، ثمَّ أكمل: وأنا رئيس طقمِ الأمن الخاص بالباشا، ولَّا علشان متصاب هتتحكِّموا فينا؟!

تدخَّل الآخر، يعترضُ بنبرةٍ لا تخلو من الاتهام: طيب، بدل حضرتك رجل أمن وعارف خطورة الوضع، مش من حق أيِّ حد يدخل قبل ما نتأكِّد إنِّ المستشفى خالية من الخطر، ولَّا ناوي تضحِّي بيها زي جوزها؟

تجمَّد الزمن حولها للحظة...
زي جوزها؟
الكلمة ضربت داخلها كطلقةٍ باردة. نظرت لهم بحدَّة، تتساءلُ بعينيها قبل لسانها: هوَّ إيه اللي بيحصل؟ إزاي تمنعني أدخل، إنتَ متعرفش أنا مين؟
التفتت نحو رجلها الخاص، الذي شحُبَ كأنَّ روحهِ انسحبت وهتفت: اتِّصل بإلياس، خليه ينزل يشوف ليه مش عايزني أدخل!

نظر إليها بعينيهِ التي تريدُ أن تخبرها بشيءٍ لا يُقال، ثمَّ التقت نظراتهِ بعينِ رجلِ الأمن، الذي تنحَّى جانبًا وأشارَ لها بالدخول. دون كلمة.

تحرَّك الرجلُ معها بصمت، عيناهُ تراقبُ الأجواء.
المستشفى انقلبت في دقائق لثكنةٍ عسكرية، ظلَّا يتحركانِ إلى أن أوقفهم المسؤولُ صارخًا: مين سمح لكم تدخلوا؟ اتفضلوا برَّه بدل ما نعمل مشكلة!

اقتربَ رجلها منه، همس بنبرةٍ محذِّرة وهو يُخرجُ بطاقتهِ مرَّةً أخرى: مدام إلياس، هي متعرفشِ اللي حصل، أرجوك خلِّيها تطلع.

تحوَّلت نظراتُ المسؤولِ نحو ميرال، التي كانت تتابعهم دون فهم، يدها على هاتفها، تحاولُ الاتصالَ بإلياس، ولكن لا رد.
ضغطت أكثر، قلبها يضربُ صدرها كطبولِ الحرب.

اقتربت، ثمَّ صرخت بنبرةٍ مخنوقة: أنا ميرال السيوفي، وماما محجوزة فوق، لازم أطلع لها! بحاول أوصل لجوزي ومش عارفة هوَّ فين، إحنا مش مجرمين!
أشارت على نفسها، وعيناها تدمع: أكيد شكلي مش شكلِ مجرمة؟!

تبادلَ الرجالُ نظراتٍ سريعة، ثمَّ أشار أحدهم لرجلِ الأمن: معاهم ياابني لحدِّ فوق.

تحرَّكت بجانبه، بخطواتٍ سريعة، تتساءل: هوَّ فيه إيه؟ أرسلان وماما كويسين؟
التزم الرجلُ الصمت، وصمتهِ كان أفظع من أيِّ جواب، جعل قلبها يصرخُ من الخوف. تحرَّكت حتى وصلت إلى الطابقِ المنشود، خرجت من المصعد تخطو في أوَّلِ الردهة، ولكن توقَّفت حينما وقعت عيناها على مشهدٍ شعرت بخنقِ أنفاسها: يزن يحتضنُ إسلام، ويحاول السيطرةَ عليه، وجهُ إسلام محمَّر، وعيناهُ دامعتان.

خطت نحوهم بخطواتٍ ثقيلة رغم استعجالها، وكلَّ سيناريو مرعب يعصفُ برأسها...
هل أصابَ والدتها مكروه؟ هل أرسلان بخير؟

وقفت أمامهم، ووزَّعت نظراتِ القلق والرجاء عليهما ثمَّ تساءلت بصوتٍ مرتجف: ماما، ماما حصلَّها حاجة؟

تجمَّد جسدُ يزن، وجحظت عيناه...
نسيَ تمامًا أنَّها لم تعرف بعد.
نسيَ أنَّ صدمتها ستصبحُ أكبر ماتتحمَّله.

?-?-?.

ميرال ردَّدها مقتربًا منها، جيتي إزاي؟

تذكَّرت رؤى، فأردفت بصوتٍ مختنقٍ بالكادِ خرج من بين شفتيها، لكنَّه اخترقَ أعماقَ يزن كالسهم، حينما أردفت: -لسة واصلة، عايزة إلياس، كلَّمته كتير ومبيردش، تنهَّدت بحزنٍ وتابعت: -أنا روَّحت رؤى بيتك. ولكنَّها توقَّفت بعدما أدركت وجوده: -إنتَ هنا بتعمل إيه؟ إحنا كنَّا بنكلِّم بعض من نصِّ ساعة تقريبًا، ومقولتش إنَّك جاي، ثمَّ وقعت عيناها على إسلام الذي تراجعَ يزيلُ دموعه، محاولًا السيطرة على بكائهِ أمامها: -إسلام ماله؟! اقتربت منهُ وأمسكت ذراعه: -ماما فريدة كويسة، أوعى يكون حصل لها حاجة، إسلام، ماما فريدة كويسة؟

هزَّ رأسهِ دون حديث، يبتعدُ بنظراتهِ عن مرمى عينيها، شهقت تتطلَّعُ إليه: -ياربي أرسلان، أيوة هو، علشان كدا إلياس مابيردش، حسِّيت إنِّ فيه حاجة في المستشفى. دول منعونا من الدخول، بس معرفشِ أحمد قالُّهم إيه.

سحبتهُ من ذراعه: -إسلام. فين إلياس تلاقيه دلوقتي هيتجنِّن على أخوه، أنا عارفة ومتأكدة مهما يحاول يداري، دقَّقت بملامحهِ بعدما كثُرت دموعهِ بغزارةٍ على وجنتيه.
-هوَّ إنتَ مابتردش عليَّا ليه؟ انتقلت ببصرها إلى يزن الذي يطالعها بألمٍ يشقُّ صدرهِ ثمَّ قالت: -هوَّ حالته خطيرة أوي كدا يايزن، إيه اللي حصل، هوَّ مش كان كويس؟

أنتوا مابتردوش عليَّا ليه؟ خطت قائلة: -أنا لازم ألاقي جوزي دلوقتي، لازم أكون جنبه، قالتها وتحركت بعض الخطوات.

تجمَّد يزن مكانه، للحظة شعر بأنَّ قلبهِ سيخرجُ من صدرهِ من حديثها: -استني ياميرال. مش هتلاقيه.

ضاقت عينيها بتعجُّبٍ وهي تراقبُ ملامحَ إسلام الباكية، ووجههِ الشاحب، نظراتهِ الشاردة بكافَّةِ الاتجاهات، فسألتهُ بقلقٍ خانق: - في إيه ياإسلام، معقول كنت بتحبِّ أرسلان أوي كدا؟

ولكن توقَّفت عن الحديثِ عندما وصلت الممرضة، وبكلماتٍ قليلة، ألقت قنبلتها: - أنتو قرايب الظابط اللي انضرب، فين والده أو أيِّ حد قريب من الدرجة الأولى؟ ابتلعَ إسلام ريقهِ بصعوبة، وأجابها بنبرةٍ تصرخُ بالألم: -أنا أخوه، وبابا جاي أهو، هوَّ فيه إيه؟
-هوَّ المريض كان بكلية واحدة؟

شهقت ميرال، والتفتت تنظرُ للممرضة وكأنَّها تتحدَّثُ بلغةٍ أخرى، تطلَّعت إليها بعينينِ مذهولتينِ تجاهدُ لفهمِ ماقيل، بينما إسلام، لم يستطع أن يتنفَّس، وكأنَّ شيئًا ثقيلًا ضربَ صدرهِ حتى أخرج شهقةً كشهقةِ إخراجِ الروح، ليضعَ يدهِ فوق فمه، محاولًا منعَ صرخةٍ حارقةٍ من الانفجار. ليرتجفَ جسده، ممَّا جعل قدميهِ لم تساعدهُ على الوقوف. فتراجعَ يصطدمُ بالجدارِ بقوةٍ بعدما علمَ بما حدث.

بينما ميرال التي التفتت ببطء تتساءل: -هوَّ مين اللي بتتكلِّمي عنُّه؟!
ردت الممرضة سريعًا
-الظابط اللي انضرب من شوية، للأسف محتاجين حدِّ من أقاربه. الدكتور عايزه ضروري. قالتها بوصولِ مصطفى الذي يتحرَّكُ بتثاقلٍ كأنَّ عمرهِ زاد الضعف متسائلًا بنبرةٍ مكسورةٍ متقطِّعة: -فيه إيه يابنتي؟

-حضرتك لازم تنزل الاستعلامات.
-ليه؟!
-مش حضرتك والد حضرةِ الظابط إلياس السيوفي، قالتها بعدما نظرت بدفترها، ثمَّ أكملت: -الحالة محتاجة حضرتك ضروري يافندم.

استدارت ميرال بجسدها كلِّه، على كلماتِ الممرضة الذي يتردَّدُ كصفعةٍ قاتلة، وكأنَّها نطقت حكمًا بالإعدام حينما قالت: - للأسف، الكلية التانية متضرِّرة جدًا، وهنضطَّر نستأصلها...
توقَّفت، ثمَّ ختمت حديثها المُدمي: - أتمنَّى تلاقوا متبرع في أقرب وقت، الدكتور هيفهم حضرتك اكتر مني.

صدمة بل صاعقة ضربتهم حتى شعروا باهتزازِ جسدهم الذي كان يصرخ لهم بكمِّ الوجع: -إنتي قصدك مين؟!
تساءلت بها ميرال بجهل.
اقترب يزن يحاوطُ جسدها، يضمُّها وأردف: -هيكون كويس إن شاءالله حبيبتي.
-هوَّ مين؟! قالتها بتيه تنظرُ إلى مصطفى الذي شعرَ وكأنَّ الأرضَ تُسحبُ من تحت قدميه.

وميرال التي كانت على وشكِ الانهيار، طالعتهم بوجه شاحبًا كأنَّ الدم فارق ملامحها.
أمَّا إسلام، فقد انهارَ تمامًا، وخرج صوتهِ مكسورًا، نحيب في هيئة كلمات: -يعني ممكن يموت، قالها اسلام بتقطع.

الفصل التالي
بعد 04 ساعات و 21 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة