قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل التاسع والستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل التاسع والستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل التاسع والستون

حاولت رولا دفعه عنها، لكن تمسُّكه بها كان كالغريق الذي وجد طوق نجاته، وكأنه فقد آخر ما تبقَّى من عقله.
رفع عينيه إليها، نظرات تصرخ بألف كلمة، شوق، ألم، ولهفة كسرت كلَّ ما بينهما.
همس بصوت متهدِّج: ياله موِّتيني يا رولا، أنا من غيرك ميِّت أصلًا.
ارتجف قلبها بعنف، وتسارعت أنفاسها، بينما لمعت عيناها بدموعٍ خانتها رغمًا عنها.
بلال، متبقاش مجنون.

لم يستمع، انحنى يدفن رأسه في عنقها، وأنفاسه الساخنة قضت على ما تبقَّى من مقاومتها. أغمضت عينيها تحاول التماسك، لكن كيف يصمد القلب أمام من يهواه؟
شعر بدقَّات قلبها الصاخبة، فرفع رأسه ببطء، والتقت عيناهما. بعشقٍ يصرخ بالقلوب: سؤال واحد بس، إنتي بتحبِّيني وعايزاني، ولَّا عايزة إيه؟!
نظرت الى عيناه بعشق: بحبَّك! إنتَ لسة برضو مش واثق في حبِّي، بلال أنا بموت في اليوم ألف مرة وإنتَ مش جنبي.

وضع جبينه فوق جبينها: بتعذِّبيني يا ملكة فؤادي.
رفعت أناملها على وجهه، تنظر إلى عينيه.
لحظة واحدة، كفيلة بإشعال كلِّ ما حاولوا إخماده.
لتتلاشى المسافات، وتسقط كل الحواجز، وغرق الاثنان في دوَّامةٍ من المشاعر، تناسيا فيها الألم، والخذلان، وكلَّ ما فرَّق بينهما.
همست باسمه، همسة واحدة فقط، كانت كفيلة لفقد السيطرة، احتواها بشوقه، بينما كانت هي تغرق أكثر، بلا مقاومة، بلا تفكير.

مرَّت الدقائق كأنها نبضة قلب، سريعة، مشتعلة، وخاطفة.
لكن انتهى كلُّ شيء، حين ابتعدت عنه فجأة، تسحب ملابسها بارتباك، وكأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه. انزلقت دمعة على خدِّها، دمعة خذلان، وضعت كفَّيها على وجهها، وانفجرت بالبكاء.
تجمَّد مكانه، يحدِّق بها بذهول: إنتي، بتعيَّطي؟!
لم تُجِب. كانت ترتدي ملابسها بصمتٍ بارد، صمتًا أخافه أكثر من أي رد.

اشتعل الغضب بداخله، فقذف بملابسها أرضًا بعنف ونهض مقتربًا منها: ممكن أفهم بتعيَّطي ليه، ندمانة؟ معقول تكوني ندمانة؟!
رفعت عينيها إليه أخيرًا، وداخلها حربًا لا تُحتمل، فقالت بصوتٍ خرج مكسورًا لكنه حاد: آه، ندمانة! ارتحت؟!
ضربت كفَّها على وجهها بقهر، وكأنها تعاقب نفسها: أنا ليه ضعفت كده. ليه؟! أنا مستاهلش منك كده، ولا مستاهلة أضعف أصلًا!

أمسك بذراعيها بقوة، يهزُّها بعنف، والغضب يشتعل في عينيه: بُصِّيلي!
هزَّها مرةً أخرى، وصوته أصبح أقسى: بصِّيلي وأنا بكلِّمك!
اضطرت ترفع عينيها إليه...
ليقولها بحدَّة وجرحٍ واضح: إنتي مراتي، واللي حصل ده إهانة ليَّا، ومش أول مرة تعمليها.

دفعته بقوة حتى ابتعد عنها، وتراجعت تشعر بأنفاسٍ متقطِّعة، نظرت اليه بعينينِ تشتعلان باضطرابٍ وغضب.
إنتَ رجَّعتني من غير ما أعرف، من غير ما أوافق، يا أستاذ اللي بتقول مراتي!

تجمَّد للحظة، كأن كلماتها صفعةً باغتته. ليشهق بصدمة، ثم أشار بحدَّة نحو الفراش، وقال بصوتٍ غاضب: أومال اللي حصل من شوية ده كان إيه، ده برضه من غير رضاكِ؟
ارتجفت شفتيها، وبدت كأنها تحارب نفسها: بلال، إنتَ ضغطت عليَّ، وإنتَ عارف إنِّي رافضة العلاقة دي.
رفعت عينيها إليه، مزيجًا من الوجع والخوف: طول ما اسمك مربوط بحدِّ تاني، أنا أوافق إزاي؟!

سكتت لحظة، ثم أكملت بصوتٍ أكثر انكسار: إزاي أثق فيك، وأنا كلِّ لحظة حاسَّة إنك ممكن تسيبني وتضحِّي بيا علشان غيري؟
اهتزَّت أنفاسها: إنتَ وصَّلتني لإحساس بشع، مجرَّد حاجة عابرة مش أكتر.
غرست عيناها بعينيه: مجرَّد نزوة، أو متعة مش أكتر.
نزلت كلماتها عليه كضرباتٍ متتالية.
تجمَّد في مكانه، لتتبدَّل ملامحه، بين ذهول، وغضب، وجرحٍ عميق لم يستطع إخفائه.

تراجع خطوةً للخلف، يهزُّ رأسه ببطء، وكأنه يرفض تصديق ما سمعه، أو ربما يرفض أن يرى نفسه بالصورة التي رسمتها له.
عايزة تطلَّقي تاني، أنا تحت أمرك، وآسف.
توقَّف مستديرًا إليها واختنق صوته: وعد مش هقرَّب لك تاني، آسف. نطقها بصوتٍ مكسور ودمعة فرَّت هاربة، ثم
استدار فجأة، واتَّجه نحو الحمَّام.
خطواته كانت بطيئة، لكنها مثقلة، وصمته كان أعلى من أي صراخ.
اسرعت تقف أمامه
ايه بكرة هتفجأني بورقة طلاقي.

دنت خطوة حتى ازالت المسافة بينهما
اسمعني وحط الكلمتين دول في عقلك، أنا مستحيل هرجع لك طول مااسمك مربوط بالبت دي، ماليش دعوة بطريقة الجواز، انا محدش يشاركني في جوزي حتى بالأسم
اقتربت خطوة اخرى، حتى تلاشت كل الحواجز، ليشعر أنه يتنفس أنفاسها
لو قعدت العمر كله كدا، لا يعني لا
أشارت الى الفراش بغضب
واللي حصل من شوية اعتبرها زي ماقولت لك، لحد مااحس اني اهم حاجة في حياتك، وقتها بس انام في حضنك وأنا مطمنة.

لكزته بصدره بقوة وانسابت دموعها
وطلاق، لا يادكتور، قاعدة على قلبك، مش ورايا حاجة
كان ينظر اليها بصمت قاتل، لا يهمه كل ماقالته سوى شعورها بالندمان. استدار وفتح باب الحمام وغاب خلفه. بينما هي توقفت متجمِّدة تنظر إلى الباب الذي أُغلق، لتهوي على الأرض باكية، تلوم نفسها عمَّا فعلته وقالته، أطبقت على جفنيها ومازالت تبكي بصمتٍ مؤلم.
دقائق ثم نهضت ترتِّب من وضعية ملابسها، وتحرَّكت مغادرةً المكان.

مضى أسبوعًا والحال كما هو عليه، ابتعد بلال كليًّا عن الكمبوند، ورتَّب لسفره ليوسف.
ذات يوم خرج من شقَّته متَّجهًا إلى شقَّتها، طرق الباب، دلف بعدما فتحت له: قدَّامي يومين وهسافر، بابا لسة مكلِّمني، وقالِّي موضوع أسامة خلاص، بعد دورة البرلمان وسقوطه فيه ناس كتيرة قدِّموا فيه شكاوي، يعني كابوسه انتهى، دلوقتي عادي ترجعي لحياتك وتحقَّقي كل اللي تتمنِّيه.
نصيحة من أخ لو بتعبريني زي ما بتقولي.

كمِّلي تعليمك كلُّه في مكان واحد، علشان المستوى يفضل ثابت، وبلاش سفر أيام الدراسة، قدَّامك سنة خلَّصيها وسافري، ولو احتجتيني في أي وقت أنا موجود.
أنا متشكِّرة جدًّا، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.
أكيد كنتي هتلاقي حد غيري، إنتي طيبة وتستاهلي.
الشقَّة دي بتاعتك متخرجيش منها، اعتبريها هدية من أخ لأخته.
انسابت دموعها، وهزَّت رأسها: هوَّ أنا ممكن أحضنك؟

تردَّد للحظات ثم أومأ مبتسمًا، ضمَّها يربت على ظهرها مع بكائها الصاخب: أنا محظوظة بيك أوي، ربِّنا يسعدك بجد.
ابتعدت تنظر إليه بدموع عيناها: مش من حقِّي أدخَّل، بس لازم كل لما أشوفك أقولَّك الكلمتين دول، رولا بتحبَّك بجنون، دي وحدة مجنونة بحبَّك، أنا معرفش طبيعة علاقتكم إيه دلوقتي، بس البنت دي مجنونة بيك، حاول تراضيها، ولو اتصالحتوا حافظ عليها.

رسم ابتسامة وقال باختصار: إن شاءلله، أنا همشي دلوقتي وأرجع بالليل، فيه شوية مراجعات عايزك تجهِّزيهم وتحفظيهم على الجهاز، معلش هتعبك، أخ بقى لازم مقابل.
أفلتت ضحكة ناعمة طفولية وأشارت لعينيها: من عيوني، أؤمر بس.
طالعها وقال: هجيب المحامي علشان موضوع الطلاق، جاهزة؟
جدًّا، جدًّا، تنفَّست وأغمضت عيناها: حاسَّة كنت زي الطير المحبوس.
هتستهبلي يا بت، إنتي صدَّقتي نفسك!

ضحكت بصخبٍ كالطفلة: مش قصدي إنتَ طبعًا، أنا قصدي أسامة، ادعي بس يتسجن.
حتى لو متسجنش، خلاص مبقاش يقدر يقرَّب لك، ارمي حمولك على الله.

عند يوسف.
خرج من المشفى متَّجهًا إلى مسكنه. أوقفته دارين: يوسف.
التفت ينظر إليها بصمت، اقتربت منه: ممكن تعزمني على قهوة؟
آسف يا دكتورة، واقع من التعب، لازم أروح أرتاح.
اقتربت منه قائلة: ماهو في بيتك، إيه مش بتستقبل ضيوف؟
لا، طبعًا.
أيوة مينفعش أدخَّلك، إنتي بنت وأنا أعزب
ضحكت قائلة: والشيطان شاطر.
بالظبط بعد إذنك، قالها وانسحب دون أن يسمع ردَّها.

راقبت تحرُّكه متأفِّفة: وماله، مصيرك تقع، اتَّجهت إلى سيارتها، صعدت بها وتحرَّكت إلى المكان المقصود.
دلفت لداخل أحد المباني، فتحت باب الشقَّة بمفتاحٍ خاص، ثم توجَّهت للداخل، وجدت بعض الأشخاص على طاولة دائرية: تحدَّثت معه، وحاولت ولكنَّه رافض حتى الاقتراب.
رمقها موسى يشير إلى قائده: حتى إيفا هي الأخرى لم تستطع. فتح الآخر الشاشة، وأشار عليها:.

هذا كل ما يخصُّه، طبيب مصري مجتهد، والده يمتلك شركات أمن، ولكنه كان يعمل ظابط بالأمن الوطني، هناك أحاديث كثيرة عن تخلِّيه عن منصبه.
نهض الآخر ينظر بالشاشة: لا أظن أنه يهمُّنا سيدي، هذا والده كان يُعرف بالأمانة وحبِّه لوطنه، لا أظن أن هذا سينفعنا.
سينفع موشيه، بأدويتك سينفع، لكن أريد أن أعلم من يكون والده، أريد تفاصيل أعمق.
لديه عم يمتلك عدَّة أندية رياضية. أريد أكثر موشيه، لا أريد تفاصيل سطحية.

أمرك سيدي، هل تريد شيئًا آخر؟
نعم، ابدأ معه من الآن، بكلتا الحالتين لا أريده، أنا أكره المصريين.
وأنا كذلك سيدي.

بأحد الفنادق المميَّزة بلوس أنجلس. كان يجلس أحدهم أمامه: دا كل اللي حاولت أوصله؟
نظر للخارج وقال: يعني بيلفُّوا حول يوسف.
نعم سيدي، عنصرنا بيأكِّد أنُّهم بيحاولوا يقرَّبوا منه، كمان البنت اللي بتلفِّ حول الشباب.
البنت دي يهودية برضو؟
نعم. لكنها عرَّفت نفسها ليوسف إنها سورية.
أومأ اسحاق يسبُّهم، ثم رفع عيناه: جنسيتها إيه البت دي؟
برتغالية.

مطَّ شفتيه للأمام، عارفين المصرييِّن بيحبُّوا السورييِّن، فحبُّوا يلعبوا على المنطقة دي.
فيه حاجة كمان.
اللي اسمه موسى دا خطير، وبتاع أدوية مسمِّمة ومخدَّرات، لازم حد ينبِّه يوسف علشان ما يقرَّبش منهم.
صمت إسحاق شاردًا.
طيب. روح إنتَ كمِّل شغلك وأنا هتصرَّف.
مضى الشهر الكريم، الى قبل عيد الفطر بيومين.

دلف إلياس إلى غرفة والدته، وجدها تقرأ بمصحفها، ووالده مستغرقًا بالنوم.

عاملة إيه يا مدام فريدة.
نزعت نظَّارتها ورفعت عيناها إليه: كويسة حبيبي، لسة راجع ولَّا إيه؟
أه وهاخد ميرال ونروح الحسين، أو السيدة عائشة.
أشارت إليه بالجلوس: اقعد عايزة أتكلِّم معاك.
جلس منتظرًا حديثها، وضعت مصحفها بعدما طبعت قبلة فوقه، ثم استدارت إليه: مراتك مالها، دايمًا حزينة، أنتوا مخبيِّن عليَّا حاجة؟
هزَّ رأسه بالرفض، وقال: زعلانة بس من سفر يوسف، بيوحشها يا ماما.

حبيبتي ربِّنا يكون في عونها، سحبت نفسا تتعمَّق بعينيه: إلياس ليه يوسف طلَّق ضي، معقول كان بيخدعها؟
معرفش يا ماما، كلِّ اللي قاله مش مرتاح ومش عايز أظلمها.
وإنتَ عادي تسيبه يطلَّقها، هيَّ واحدة غريبة علشان يسيبها عادي، أنا عايزاك تكلِّمه، لازم أتكلِّم معاه.
ماما لو سمحتِ، بلاش ندخل في حياتهم، وبعدين إنتي شايفة ضي، نسيت وبدأت تبني حياتها، وهوَّ ربِّنا يوفَّقه.

أومأت له باعتراض: مش كل اللي بنشوفه صح يا بن جمال، وإنتَ أكتر حد عارف.
نهض حينما فقد السيطرة: عايزة حاجة أجبها لك معايا؟
تسلم حبيبي، نظر لوالده ثم اتجه إليها: بابا كويس؟ عارف مقصَّر معاه، بس إن شاءلله مالك صحِّته تتحسِّن وأسلِّمه الشغل.
متشلش همِّ أبوك، الأدوية تقيلة وبتنيِّمه معظم الوقت، متنساش بكرة آخر رمضان، عايزة نتجمَّع تاني.
بإذن الله حبيبتي، ياله هسيبك وأشوف ميرال.

قالها وغادر متَّجهًا إلى غرفته، لكن تباطأت خطواته رغمًا عنه أمام باب غرفة ابنه، الذي كان مواربًا، دفعه برفق، ودلف إلى الداخل، فاستقبلته رائحة يوسف.
ارتجف قلبه لوهلة، ظنًّا أنه بالداخل، أنَّ كل هذا مجرد وهم ثقيل وسيجده جالسًا على فراشه، يبتسم كعادته.

لكن الحقيقة كانت أقسى. تجمَّد في مكانه، لتستقرَّ عيناه على زوجته، التي كانت تقف أمام الخزانة، تخرج ملابس يوسف قطعةً تلو الأخرى، تمرِّر عليها يدها بحنانٍ مرتجف، ثم تعطِّرها وكأنها تهيِّئه للعودة، ودموعها تنساب في صمتٍ موجع، دون صوت، دون شكوى، فقط ألم صامت يفتك بها ببطء.
لم يشعر بدمعته التي خانته، حتى سقطت.
مسحها سريعًا، واقترب منها بخطواتٍ ثقيلة.
ميرا، بتعملي إيه؟

انتفضت على صوته، واستدارت سريعًا تمسح دموعها، تحاول عبثًا أن تبدو قوية، لكن صوتها خرج مخنوقًا: برتِّب هدوم يوسف، ممكن يرجع في أي وقت، ويزعل مني.
توقفت لحظة، ثم أردفت بمرارة كسرت نبرتها: إيه يا ماما، أهمِّ حاجة عندك إلياس.

اقترب منها، سحب القميص من يدها برفق، ثم أعاده إلى مكانه، وأغلق زجاجة العطر ووضعها كما كانت، كأنَّ كل شيء يجب أن يظلَّ ثابتًا. ثم استدار إليها، وضمَّها إليه بقوة، يخشى أن تنهار بين يديه.
حبيبي لازم إلياس يكون أهمِّ منه، مش كده ولا إيه؟
قالها بنبرة حاول أن يجعلها خفيفة، لكن الغيرة المختبئة في قلبه تسرَّبت رغماً عنه: ليه هتخلِّيني أغير منه. ما بقيتيش بتهتمِّي بإلياس يا ميرو...

رفع يده، يمرِّرها على ملامحها، تلك الملامح التي بهتت، انطفأ بريقها، وشحب وجهها حتى بدت وكأنها كبرت أعوامًا دفعةً واحدة.
انهارت بين ذراعيه فجأة، تشبَّثت به وكأنها تغرق، وبكت، لا، لم يكن بكاءً عاديًّا، بل نحيبًا ممزَّق، يخرج من قلب أمٍّ يُسحب منه جزءٌ حي.
هموت وأحضنه يا إلياس، هموت. شهقت بين كلماتها: وحشني أوي، إنتَ وعدتني، فين وعدك؟!

رفعت وجهها إليه، وعيناها تصرخان: ابني وحشني، ومهما تقول إنه كويس قلبي بيقول إنه بيكدب عليَّ.
تصلَّب جسده للحظة، ثم أبعدها قليلًا، وأمسك وجهها بين كفَّيه، يمسح دموعها بحنان، رغم أن عينيه امتلأتا بقلق، شك، خوف.
حبيبتي ابنك ما بقاش طفل، كبر، ولازم نحترم رغبته.
هزَّت رأسها بعنف، ترفض حديثه: ابنك بيتوجع يا إلياس، إنتَ ليه مش حاسس بيه؟!
توقَّف، كلماتها أصابته في مقتل.

انعقد حاجباه، ونظر إليها بريبة، والشكُّ بدأ يتسلَّل إلى صدره كسمٍّ بطيء: يعني إيه، بيتوجع؟
تجمَّدت، تراجعت خطوة، وأدارت له ظهرها، تحاول الهروب من عينيه: أنا، أنا قصدي علشان لوحده، بيتوجع.
لم يقتنع، أمسك ذراعها، وأدارها نحوه بإصرار: ميرا، إنتِ أكيد مش مخبية حاجة، صح؟
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفض لكنه صار أخطر: يوسف سافر علشان يحقَّق حلمه...

فتحت فمها، لتتحدَّث، والكلمات كانت على حافَّة الخروج، ولكن الألم يخنقها، والسرُّ يحرق صدرها، فتراجعت.
كيف تخونه؟
كيف تكسر وعد ابنها؟
كيف تختار بين زوجها، وابنها؟
أغمضت عينيها بقهر، ثم سحبت نفسًا وهربت: هجهز علشان نخرج...
قالتها وغادرت بسرعة.
ظلَّ واقفًا مكانه، يتابع انسحابها، وصدره يعلو ويهبط بثقل.
مرَّر يده في شعره، وزفر بعمق، لكن عينيه ظلَّت معلَّقة بباب الغرفة، وبكلِّ ما لم يُقال.

كلِّ يوم شكِّي بيزيد يا يوسف...
همس بها بصوتٍ مكسور: يا ترى إيه اللي حصل معاك؟

هل الموضوع متعلِّق بضي، ولَّا في حاجة تانية؟
التفت الى صورته، كان يبتسم بها، جلس على فراشه، وسحبها، ينظر إليها بعيونٍ دامعة: أكتر حاجة كسرتني غيابك يا ابني.
قالها بصوتٍ مبحوح، كأنَّ الكلمات تخرج من جرحٍ مفتوح لا يلتئم: ليه تعمل فيَّا كده، للدرجة دي هُنت عليك؟
سكت لحظة، وارتجف صدره وهو يهمس، بصوتٍ يكاد لا يُسمع: طيب، أبوك مش وحشك يا يوسف؟

وانزلقت دمعة، دمعة واحدة فقط. لكنها لم تكن عادية، كانت تصرخ، تحمل في داخلها ستَّة أشهرٍ من الغياب، من الانتظار، من ليالٍ كان يقضيها محدِّقًا في هاتفه، ينتظر صوتًا، رسالة، أي شيء يُطمئنه.
ستَّة أشهر، والاشتياق ينهش قلبه بلا رحمة.
اهتزَّ جسده بعنف، كأنَّ قلبه لم يعد يحتمل، كأن كل ما كتمه انفجر دفعةً واحدة.
رفع يده إلى صدره، يضغط عليه، يحاول أن يُهدِّئ ذلك الألم الذي يتمدَّد داخله كالنار.

اشتاق له، لا، لم يكن مجرد شوق، كان يريد أن يضمَّه، أن يسحبه إلى صدره بقوة، أن يدفن وجهه في عنقه، أن يخبِّئ كلَّ هذا الضعف، كل هذا الانكسار، داخل حضن ابنه، وكأنه هو الملجأ، لا العكس.
توقف فجأة، سؤال مرعب اخترق عقله: هل وصل إلياس السيوفي، إلى هذا الحد؟!
إلى أن يبحث عن قوَّته، في حضن ابنه؟
إلى أن يتمنَّى لحظة ضعف، فقط ليبكي دون أن يُرى؟
ابتسم، ابتسامة موجعة، مهزومة، لا تشبهه أبدًا.

أنا بقيت ضعيف كده منَّك يا بني، بدل ماتكون قوِّتي تبقى ضعفي؟
لكن الحقيقة التي لم ينطقها، أنه لم يكن ضعيفًا، بل كان أبًا.
وقلب الأب حين يُكسر، لا يُصدر صوتًا عاديًّا، بل صرخة، لا يسمعها أحد.

عند يوسف.
دلف إلى غرفة العمليات بخطواتٍ ثابتة، رغم العاصفة التي تعصف داخله. ارتدى قناعه، محاولًا محو كلَّ الذكريات، كلَّ الوجع، كلَّ ما تركه خلفه.
وقف بجوار أستاذه، بعينينِ متيقِّظتين، والقلب يخفق بإصرار.
بدأت العملية وصوت الأجهزة يملأ المكان، ويداه تتحركان بدقَّة مذهلة، وتركيزٍ حاد، أنفاسه منتظمة، وكأنه لم يعد ذلك الإنسان المثقل، بل طبيبًا وُلد من رحم الألم.

مرَّت الساعات طويلة، مرهقة، لكنه لم يشعر بها. كان غارقًا بالكامل، كل تركيزه داخل صدر مريض، يقاتل بصمت ليمنحه فرصةً أخرى. وأخيرًا أنهى عمله، ليتراجع ينظر لأستاذه الذي أومأ ونطق من تحت قناعه: تمَّت العملية بنجاح.
كلمة واحدة، لكنها كانت كفيلة بأن تعيد له شيئًا فقده منذ زمن.
ابتعد خطوةً للخلف، نزع قناعه ببطء، وأنفاسه خرجت ثقيلة، تحمل كل التوتُّر الذي كبته طوال الوقت.

مرَّر يده على جبينه، ثم تحرك بجوار أستاذه خارج غرفة العمليات.
وقبل أن يتحدث، سبقه صوت أستاذه، ممتلئًا بالفخر: أحييك يا بطلي، لقد كنت ذكيًا للغاية.
نظرة إعجاب صريحة استقرت بعينيه وهو يكمل: أداءك اليوم، نتيجة تعبك واجتهادك المستمر. أثق أنك ستصل لمكانة تفوق توقعاتك.
خفض يوسف رأسه قليلًا، بابتسامة هادئة امتزج فيها الامتنان بشيءٍ من الانكسار: تحياتي لك أستاذي، كلُّ هذا بفضل ربِّنا، ثم توجيهاتك القيمة.

ربت الأستاذ على كتفه: كما توقَّعت، لكن الآن تأكَّدت.
توقف لحظة، ثم التفت إليه: برافو يا يوسف، غدًا سأمنحك فرصة أخرى.
رفع يوسف رأسه، ونظر إليه باستفهام، لتتَّسع ابتسامة الأستاذ قليلًا: أريدك أن تجري العملية بمفردك.
تجمَّدت ملامحه لثوانٍ...
ثم لمعت عيناه بشكلٍ لم يستطع إخفائه، فرحة خالصة، صادقة، كأنها أول عوض من ربِّ العالمين ليتسلَّل الفرح لقلبه منذ وقتٍ طويل. لأنها ليست مجرَّد فرصة...

بل اعتراف، وثقة، وحلم يقترب.
سررتُ جدًّا، وشكرًا لثقتك الغالية بيا.
هزَّ الأستاذ رأسه بنفي، وقال بصوتٍ ازداد عمقًا: ليست ثقة فقط يا يوسف.
اقترب خطوة، وأضاف: هذا نتيجة تطوُّرك، ورغبتك الحقيقية في الوصول.
سكت يوسف، لكن عينيه كانت تتحدث.
بكثيرٍ من السعادة، ورغم كل هذا الشعور.
مرَّ طيفها حزينًا في ذهنه. وجهها، صوتها تلومه. همس اسمها دون وعي.
ضي، ليتصلَّب قلبه للحظة، حاول إخفاء كلَّ شيء خلف ابتسامةٍ هادئة.

باليوم التالي بالقاهرة وخاصة
بمكتب آسر، دلفت رولا إليه: سوسو، آسر معاه حد؟
لا. ربتت على كتفها وأشارت إليها: يعني أدخل يا سيدة السكرتيرة؟
تبسَّمت آسيا: ادخلي متخافيش، نظرت رولا لما تفعله: بتعملي إيه؟
مشروع في الجامعة. هيَّ سدن مجتش معاكي؟ كانت بتقول هتعدِّي.
لا، زمانها جاية، أسيبك وأروح للمتر.
ابتسمت لها تهزُّ رأسها، دلفت إليه: مساء الخير على اللي مخاصمني.

رفع رأسه ينظر إليها: مساء الخير حبيبتي، عاملة إيه.
خلَّصت شغل قولت ندردش شوية، وأقولَّك مش ناوي ترجع البيت ولَّا إيه؟
أنا مش مهاجر ولا حاجة، بس مشغول، معظم الوقت في المكتب، وبروح الشقَّة هنا قريبة بس.
صمت وهو يتعمَّق بالنظر إليها: إنتي عاملة إيه، لسة ما بتكلميش بلال؟
ارتبكت تبتعد بنظراتها المضطربة، نهض من مكانه وجلس بمقابلتها: لآخر مرة هقولِّك بلال بيحبِّك، بلاش تخسريه، وخصوصًا إنك بتحبِّيه.

تنهيدة حزينة خرجت من أعماق قلبها: أنا مكسورة منه يا آسر، كان نفسي يبقى شاريني، مش على طول رماني كدا.
رولا، الراجل منِّنا بيحس بالقهر لمَّا يشوف حبيبته مش عايزاه، ولَّا مش شيفاه.
أنا بحبُّه وأوي كمان، لكن هوَّ مش بيثبت إنه متمسِّك بيا، مش عايزة حبِّ الكلام يا آسر.
المهم سيبك من دا كلُّه، إيه أخبار الشغل معاك؟

الحمدلله كويس أوي، من فترة جالي قضية تقيلة، بس النهاردة لقيت حد بيهدِّدني لو كمِّلتها هتندم على عمرك.
طب مادام القضية خطيرة، ليه ماسك فيها، اعتذر.
عاد بجسده للخلف، ينقر بأنامله على المكتب، ثم رفع نظره إليها: مش فاهم يعني علشان واحد هدَّد، يبقى المفروض أخاف وأتراجع! لا طبعًا، مادام ماشي بالحق ميهمِّنيش.

نهضت واستدارت تجلس أمامه: اسمعني، أنا قرأت حاجات كتيرة عن القضايا دي، علشان خاطري بلاها القضية دي، وبعدين بابا لو عرف هيقولَّك نفس كلامي.
بالعكس، أنا متأكد بابا هيشجَّعني، أنا مستحيل أخون وظيفتي، الناس دي أمنت لي، عايزاني أتخلَّى عنهم!
أوف يا آسر، أنا دلوقتي متأكدة إنُّهم اختاروك علشان عمُّو إلياس وعمُّو أرسلان، متأكِّدين الناس دي مش هتقدر تعمل حاجة، لكن بعد اللي حصل، الناس دي مبتهزرش.

رولا، انزلي شوفي شغلك، وسبيني أشوف شغلي، وزي ماقولت لك، كلُّه قدر ومكتوب.
توقَّفت تطالعه بامتعاض؛
دا آخر قرار عندك؟
دا اللي المفروض يتعمل، أنا ببني آسر الشافعي، عايز أكون قدِّ المسؤولية.
قاطعهم دخول آسيا: عمُّو أرسلان برة يا آسر.
هبَّ من مكانه وأشار إليها: إنتي سيباه برة، دخَّليه، قاطعهم دخول أرسلان بابتسامته: وأنا لو عايز أدخل يا متر هستنَّى أستأذن.
ضحك آسر مقتربًا منه: نوَّرت المكتب يا عمُّو.

بنور اللي فيه، جنبك فيه حوريات البحر، قالها وهو ينظر إلى رولا.
إزيك يا طليقة ابني.
رفعت حاجبها: ودا لقب جديد بقى ولَّا إيه؟
جلس وهو يفتح جاكيته: بس يا بركان 500 فولت.
خطت إلى جلوسه، واستندت بظهرها على المقعد: رغم إن حضرتك بتتريق لكن مش مهم، نوَّرت المكتب يا أبو طليقي.
ارتفعت ضحكاته يغمز إليها: لا دا إحنا اطوَّرنا، وبقينا عاقلين.
وحياتك يا عمُّو بمزاجي.
طب امشي يا ختي هتصاحبيني.

والله. همشي بس لمَّا تقولِّي طليقي فين.
في جيب بنطلوني.
ضحك آسر يشير إليها بالخروج: انزلي لشغلك يالَّه.
انحنت تستند على ركبتيها وتنظر إليه: عايزة أقولَّك حاجة قبل ما أمشي، حبِّيتك أكتر من ابنك.
إيه يابت شغل العشق الممنوع دا، دا لو أمِّ طليقك سمعتك هتعلَّقك على باب الكمبوند، وهيَّ الأيام دي بتعشقك أصلًا.
خرجت وهي تضحك: هستناك تحت نشرب القهوة يا حبيبي.

شهق يشير إليها: وزوِّدي فنجان لطليقك هكلِّمه. بلاش قهوة عوضي طول اليوم بالمية مفيدة
ليه حضرتك شايفني تخينة
غمز إليها
أوي، ماتيجي تعملي رياضة عندي في الجيم، اهو تسحبي لي، زباين
وماله واجيب طليقي يدربني، اهو اولى
ياختاااي، دا انتوا كدا هتقفلوه
ضحكت وتحركت وهي تقول
هتعزمني على السحور، ياابو طليقي
بعد فترة.

كان يقلِّب بين الأوراق باهتمام، تراجع بجسده: مش غريبة يجوا لمحامي في بداية حياته مع احترامي يا آسر، لكن القضايا دي تقيلة حبيبي وعايزة محامين تقيلة وعقر.
تقصد إيه يا عمُّو؟
شرد بكلمات أحد حرس بلال، ثم التفت إلى آسر: اعتذر عن القضية دي يا آسر.
حضرتك اللي بتقول كدا يا عمُّو؟!
استند على المكتب ونظر إلى عينيه: أنا بأمرك مش باخد رأيك يا متر.
آسف يا عمُّو، مع احترامي لحضرتك، لكن دا شغلي، ومستقبلي.

نهض أرسلان يغلق حلَّته وعيناه على جلوس آسر: اللي عندي قولته، بالليل هنتظر منك تقولِّي رفضت القضية.
ما أظنش يا عمُّو، آسف جدًّا لحضرتك.
انحنى أرسلان ينظر بعمق عيناه: الراجل اللي عامل عبيط ومش قادر يوقف قصاد الظلم زي ما مفهِّمك، دا اللي حاول يغت صب أختك يا متر، وفي نفس الوقت، باعت حد تبعه العيادة عند بلال. قال إيه انزلاق في العمود الفقري. وبنفس الوقت مسلم اختك مشروع بملايين.

اربط الأحداث يا متر، إنتَ ذكي وتفهمها وهيَّ طايرة.

باليوم التالي وهو آخر أيام الشهر الكريم. اجتمع الجميع حول طاولة الطعام، بينما دارت فريدة بعينيها تبحث عن بلال: فين بلال، مجاش ليه يا أرسلان؟

انتظرت رولا ردِّه بلهفةٍ واضحة، كأنها تنتظر إجابة تطمئن قلبها.
تنهَّد أرسلان بخفَّة قبل أن يجيب: اعتذر يا ماما، قال عنده شغل في المستشفى الليلة، وهيفطر مع صحابه.
اعترضت بنبرةٍ حازمة: يعني إيه؟ مش كفاية يوسف! لا طبعًا، الكلام ده مينفعش، اتِّصل بيه خلِّيه ييجي فورًا.
تدخَّل أرسلان بهدوء: يا ماما، مش هيلحق، يرضيكي يعمل حادثة لا قدَّر الله؟

شهقت رولا دون وعي، وكأن قلبها سبق عقلها: لا، لا، خلِّيه ييجي براحته.
التفتت الأنظار إليها، فارتبكت، بينما مالت ضي نحوها تهمس بمكر: الحبّ فضحك يا منيلة.
زفرت رولا بغيظ: تعرفي تاكلي وتسُكتي، وبعدين أخوكي مجاش ليه؟
رفعت ضي كتفيها بلا مبالاة: معرفش، لمَّا تعرفي قوليلي.
ثم عادت تنظر للطعام بشرود، بينما الغيرة تشتعل داخلها: تلاقيه بيفطر معاها، ما هو آخر يوم. طيب يا بلال، بس لمَّا تيجي.

لكزتها رحيل بخفَّة: مالك يا حبيبتي، مابتاكليش ليه؟
رفعت رولا عينيها، وقد امتلأتا بالدموع، كانت تظنُّ أنه سيأتي اليوم، بعد ذلك الغياب القاتل.
همست بصوتٍ مكسور: مفيش يا ماما، هقوم أعمل حاجة سخنة، معدتي وجعاني.
نهضت رحيل فورًا: خلِّيكي، وأنا أخلي حد من البنات يعملها.
هزَّت رولا رأسها: ماليش نفس أصلًا، كمِّلي أكلك يا حبيبتي.
ربتت رحيل على كفِّها، لكن فريدة أوقفتها: رايحة فين يا حبيبتي؟

نظرت رولا إليها بتردُّد: معدتي وجعاني، هشرب حاجة سخنة.
لكن فريدة رفضت بحزمٍ ممزوج بحنان: اقعدي، كُلي يمكن من قلِّة الأكل.
مش قادرة يا تيتا والله...
لكن إصرار فريدة أجبرها على الجلوس، فأشارت إلى رحيل: قربَّي لها الشوربة، دافية وكويسة.
هزَّت رولا رأسها بالرفض: والله يا تيتا مش قادرة، لمَّا أجوع آكل.
علشان خاطر تيتا يا حبيبتي. وقبل أن تكمل، قطعهم رنين هاتف رولا.

تجمَّدت للحظة، ثم رفعت عينيها نحو ضي، حين شكَّت فورًا، أنه ربما يكون يوسف، تنحنحت وقالت: طيب، هرد على الفون.
أوقفتها فريدة بضيق: مين قليل الذوق اللي بيتِّصل وقت الفطار؟
ارتبكت رولا: معرفش، رقم غريب.
تدخَّل يزن بجديَّة: ردِّي هنا، واسمعي كلام جدِّتك.
رفعت الهاتف، ونظرت لوالدها بعتابٍ خفي، ثم ضغطت على الاتصال: ألو...
جاءها صوته: عاملة إيه؟
كويسة...

قالتها ودموعها تتجمَّع في عينيها، ولأوَّل مرة تشعر أنها تحتاجه فعلًا.
عايز أكلِّم خالو أعيِّد عليه ممكن تدِّيله الفون؟
تجمَّدت للحظة حين قال والدها: مين، بلال؟
تمالكت نفسها وهي تكلِّم يوسف: حاضر، لحظة، بس متقفلش، علشان عايزاك.
مدَّت الهاتف إلى يزن، بينما عيناها لا تفارقان إلياس. تناول الهاتف متعجبًا: مين ده؟
رد وإنتَ تعرف...
وضع الهاتف على أذنه: أيوه...
جاءه الصوت بمرحٍ خفيف: خالو حبيبي، عامل إيه؟

شهق دون وعي، وهمس باسمه دون إرادة: يوسف...
هنا، سقط الكوب من يد ضي، واهتزَّ جسدها بعنف كأنَّ الاسم سحب أنفاسها، قفزت ميرال من فوق مقعدها: هات يا يزن! عايزة أكلِّمه!
لم تنتظر ردَّه، خطفت الهاتف بسرعة: حبيبي! عامل إيه؟ وحشتني!
ساد صمتٌ لثوانٍ، يحاول خلالها يوسف السيطرة على ارتعاشة قلبه، ثم خرج صوته مبحوحًا: عاملة إيه يا حبيبتي، هوَّ خالو عندكم ولَّا إنتوا اللي عنده؟

لكنها لم تجبه، بل انفجرت بالبكاء: بقالك كتير ما اتَّصلتش، كده يا يوسف؟ ده وعدك ليَّا!
أغمض عينيه بألم: كلِّ سنة وإنتي طيبة يا حبيبتي، أنا قولت أطَّمن على خالو، وأعيد عليه مكلِّمتوش خالص.
لم تستطع التماسك، فانسابت دموعها بحرقة، لتسحب شمس الهاتف من يدها بسرعة: أنا زعلانة منك أوي، شوف أوي! من عندنا لحدِّ عندك.
كاد قلبه يتوقف من نبرة صغيرته: شمسي، حياتي عاملة إيه؟

جلست بجوار والدها، وعيناها ممتلئتان بالخذلان: شمسك غابت، من يوم ما قرَّرت تدفنها يا يوسف.
ارتجف جسده، ووضع كفِّه على فمه يكتم أنفاسه قبل صوته: كده، هونت عليكي؟
في تلك اللحظة، استعادت ميرال وعيها قليلًا: شموسة، ادي التليفون لتيتا، وبلاش تزعَّلي أخوكي.
هزَّت رأسها بعناد، وتمسَّكت بالهاتف: يوسف، إنتَ بتحبِّ شمس؟
جاءه صوتها ضعيفًا، لكنه أصاب قلبه في مقتل.
شمس، حياة يوسف، عندك شك؟

مسحت دموعها كالأطفال: طيب هصدَّقك، افتح الكاميرا، لأنك وحشت شمس أوي.
تردَّد لحظة، ثم استسلم. ضعف أمامها، وفتح الكاميرا، ظهر وجهه...
وما إن رأته، حتى صرخت شمس وبكت بشدَّة، فقدت السيطرة على دموعها، بينما اندفعت رحيل نحوها بقلق.
أمَّا ميرال، فجلست مكانها كأنَّ الزمن توقف. لم ترَ أحدًا حولها، فقط شاشة الهاتف.
تلتهم ملامح ابنها بنظراتها.
صمتٌ ثقيل خيَّم على المكان، لا يكسره سوى أنفاسٍ ضي وميرال المتقطِّعة.

همست ميرال بصوتٍ مرتعش: يوسف...
تشبَّث بما تبقَّى من قوَّته: عاملة إيه يا أمِّ يوسف؟
انهمرت دموعها وهي تنظر إليه بشوقٍ موجع: حبيب أمَّك، وحشتني أوي.
ضغط على شفتيه بقوة، يقاوم دموعه: وإنتي كمان، كلُّكم...
اقتربت فريدة، وربتت على كتفها بحنان: عامل إيه يا ابن إلياس، كده يا يوسف؟
نظر إليها بابتسامةٍ حزينة: وحشتيني يا تيتا، وجدُّو كمان.
سحبت فريدة الهاتف برفق من يد ميرال، ولفَّت به نحو مصطفى...

ابتسم مصطفى وهو يردُّ بحيوية: جدَّك زي الفل.
جاءه صوت يوسف مشتاقًا: جدُّو حبيبي وحشتني.
ضحك مصطفى بسعادةٍ واضحة: دكتورنا اللي منوَّرنا! ألف مبروك يا حبيبي، أستاذك كان بيقول فيك أشعار من يومين.
تبادل الجميع نظراتٍ مذهولة، لكن مصطفى لم يكترث، مستنِّي أول مقال صحفي لحفيدي، مستنيه بشوق ولهفة.
ابتسم يوسف رغم الألم: حاضر يا حبيبي، أوعدك قريب.

اقتربت فريدة، تنحني بجوار مصطفى بعينينِ ضيِّقتين: إنتوا بتكلِّموا بعض من ورايا؟
ضحك مصطفى دون أن يجيب، فأشارت فريدة نحو إلياس: ده اللي كنت بتقول عليه معندوش وقت يكلِّم حد؟ بتضحك عليَّ يا ابن مصطفى؟
تجمَّد إلياس، نظر إلى الهاتف كأنه غريبًا عنه. عيناه تلاقت بأعين ابنه سريعًا، ليرتجف جسده بقوة كأن أصابته صاعقة، لكزته فريدة غاضبة: طلبت منك كام مرة أكلِّمه، وإنتَ ترفض، كالعادة يا إلياس، جريت على أبوك.

رفع عيناه إليها. ماذا يقول؟
هل يخبرها أنه لا يهاتفه إلى الآن، ولايعرف كيف يعيش؟
تدخَّل أرسلان سريعًا: هوَّ فعلًا كان مشغول، ممكن بابا كلِّمه في وقت فاضي.
فتحت فريدة فمها لتعترض، لكن مصطفى سبقها: أيوه يا ستِّي، ثم بدأ يدير الهاتف بين الوجوه: ده أبوك...
وقبل أن يكمل، قاطعه إلياس فجأة، بصوتٍ جامد: أنا شبعت، بعد إذنكم.
انسحب من على الطاولة دون أن ينظر لأحد.

راقبته فريدة بصمتٍ ثقيل، نظرت إلى ميرال التي لم تكن أفضل حالًا. تابع مصطفى كأنَّ شيئًا لم يحدث: وده عمَّك أرسلان...
نظر إليه أرسلان بعتابٍ خفيف، ثم قال: عامل إيه يا يوسف؟
كويس يا عمُّو.
دايمًا يا حبيبي...
ثم أشار إلى رولا: تعالي يا بنتي، خلِّيه يسلِّم على الكل.
مدَّت يدها تأخذ الهاتف...
في تلك اللحظة، انقطع الاتِّصال. تجمَّدت للحظة، ثم همست: الاتِّصال فصل يا جدُّو...
اتِّصلي بيه إنتي.

هزَّت رأسها ببطء: مفيش، مفيش أي رقم، ولا اسم، كل حاجة اختفت
ساد صمتٌ ثقيل.
كانت غرام تراقب ابنتها بقلقٍ متصاعد.
وجهها الذي أصبح شاحبًا، جسدًا بلا روح.
مدَّت يدها تضغط على كفِّها: ما كمِّلتيش أكلك يا حبيبتي...
نهضت بهدوءٍ مخيف، وقالت بصوت بارد كالجليد: شبعت.
أمسكت غرام هاتفها، وكتبت بسرعة: بلال، لمَّا تخلص ارجع البيت، أنا خايفة على أختك، يوسف اتَّصل.

أرسلت الرسالة، ثم جلست، وعيناها لا تفارقان ميرال، الغارقة في حضن فريدة.
نظراتها كانت جامدة، وكأن داخلها كان شيءٌ ينكسر بصمت. غياب بلا عنوان، واشتياق يحترق بلا نهاية.
بعد ساعات، دلف بلال إلى منزل والده، التعب يثقل خطواته.
استقبلته والدته بعتبٍ حنون: إنتَ إيه يا ابني، مش بنصعب عليك؟
مرَّر يده على وجهه بإرهاق: ماما عندي ضغط شغل، المهم، فين ضي؟

أشارت نحو غرفتها: من وقتها وهيَّ قافلة على نفسها؛ دخلت لها مرِّتين، قاعدة ساكتة، بتبصِّ للجنينة بس، وأبوك عند عمَّك.
ربت على كتفها بخفَّة، ثم اتَّجه نحو الغرفة. فتح الباب بهدوء...
وجدها جالسة أمام مكتبها، ممسكةً قلمًا.
اقترب وجلس أمامها: بترسمي إيه؟
سحب الورقة من يدها، وتجمَّد، لينقبض قلبه، وهو يرى صورة يوسف.
لكنها مشوَّهة، قاسية، كأنها مرسومة بوجعٍ لا يُحتمل، رفع عينيه إليها بصدمة: ليه كده يا حبيبتي؟

التفتت إليه ببطء، عيناها خاليتان من أي دفء: كده اللي هوَّ إيه؟ مش شايف؟ ده طعنِّي.
حاول أن يقترب منها: ضي، رفعت كفَّها توقفه: إنتَ بتكلِّمه، صح؟
صمت. وكان صمته إجابة.
انحنت قليلًا نحوه، تغرس عينيها في عينيه: طيب، يا ابن أمِّي وأبويا، قولُّه ما يفكَّرش يرجع.
ابتلع ريقه بصعوبة: ضي...
قاطعته، بصوتٍ مكسور لكن حاد: لأني هحرق قلبه، زي ما حرق قلبي.

نهضت فجأة، وأدارَت له ظهرها: أنا عايزة أنام، ثم قالت، دون أن تلتفت: اطلع برَّه.
وقف مكانه لحظة، ينظر إلى ظهرها الصلب، ثم تحرَّك للخارج.

خرج بلال إلى الخارج، توقَّف بالحديقة يتذكَّر أول مكالمة ليوسف إليه بعد سفره، بثلاث اشهر
كان منشغلًا بالمرضى، استمع إلى هاتفه، نظر بساعته، ثم طلب من الممرضة: هاخد بريك ربع ساعة، اطلب لي قهوة.
حاضر يا دكتور، تحرَّك إلى مكتبه وجلس يمسح على وجهه بإرهاق، أعلن الهاتف رنينه مرةً أخرى، سحبه بإرهاق، قطب جبينه، رنين دون رقم أو اسم: أيوة.
وحشتني يا واد يا دكتور.

لحظة واحدة كانت كفيلة أن تسحب أنفاسه، ليهمس بذهول: يوسف!
لا. خياله، نهض بصعوبة كأنه يحلم، أو خُيِّل له.
كدا يا يوسف، هان عليك بلال؟
بلال أنا آسف، بس أنا تعبان، ومش مرتاح، هيصعب عليك لو أخوك ارتاح.
ترتاح على حساب الكلّ، ليه المرة دي اخترت نفسك يا صاحبي؟

سحب نفسًا وزفره، بأنفاسٍ مرتعشة: محبتش أوجع حد صدَّقني، ممكن الأنانية اللي إنتَ شايفها بتحطَّمني من جوا، المهم مش عايز أتكلِّم في الموضوع دا دلوقتي، بعدين نتكلِّم.
بعدين، واللي هوَّ إمتى، طيب؟ مسألتش عن مراتك وضعها هيكون إيه بعد ما كسرتها كدا؟

اختنق صوت يوسف، وتحجَّرت الدموع حين اخترقت كلمة «مراتك»؛ هنا تمنَّى أن تكون زوجته بالفعل، ولكن ليس من حقِّه أن يعترض على قدره، ابتلع ريقه الذي شعر كأنه أشواكًا مدبَّبة: مبقتش مراتي، حرَّرتها يا بلال، وأنا متَّصل بيك علشان كدا، أنا طلَّقتها، وخلال أيام هبعت لها ورقة الطلاق، عايزك تروح السفارة وتستلمها، مكنش فيه وقت.
صُعق بلال من حديثه: إنتَ اتجنِّنت يا يوسف!

لا، عقلت، أختك من حقَّها تعيش حياتها، مش عايز حد غيرك يسلمَّها ورقة طلاقها، بلاش حد غريب لو سمحت، وقولَّها يوسف بيقولك عيشي حياتك وانسيه، هوَّ عمل كدا
علشان تعيشي.
إنتَ بتضحك على مين يا يوسف؟!
بلال لازم أقفل، اعمل اللي بقولك عليه سلام.
خرج من شروده على صوت والده: حمد الله على السلامة واقف كدا ليه؟
استدار لوالده وقال: فيه موضوع بقاله فترة عايز أكلِّم حضرتك فيه.

أومأ له أرسلان منتظرًا حديثه: يوسف بعت لضي ورقة طلاقها من فترة، وأنا مش عارف أقول لها إزاي.
تنهَّد أرسلان وشعر بالاختناق: كان بيتواصل معاك؟
مش دايمًا، مرِّتين تلاتة.
طيب سيب الموضوع دا دلوقتي، بعدين نشوفه، أنا ما صدَّقت إنها تناست، مش هقول نسيت.
تمام.
ربت على كتفه متسائلًا: هتعمل إيه مع مراتك، رغم إنها مجنونة لكن كل عمايلها دي علشان بتحبَّك.

مش وقته يا بابا، عندي كام مؤتمر، وتاخد وقتها مش عايز أضغط عليها.
بلال. المسافات لمَّا بتبعد القلوب بتشيل وتصدِّي يا بني، قولَّها إنك طلَّقت التانية، هتلاقيها نسيت كل حاجة.
حضرتك وعدتني مش هتدَّخل.
لوَّح بيده متذمرًا: وعدتك أه، لكن يزن سألني وقالِّي، بلال ورولا هيفضلوا كدا كتير، لمَّا رجَّعها ماأخدهاش بيته ليه، مكنتش عارف أرد.
مسح على شعره ينظر للبعيد: خلاص سيب عمُّو يزن وأنا هتكلِّم معاه.

أشار بعينه إلى منزله: قولت لماما، ولَّا لأ؟
لا وحياتك، سبها لمَّا أشوف هعمل إيه، كفاية عليَّ رولا.
ضحك أرسلان وهو يخطو داخل منزله: ربِّنا يعينك مراتك وأمَّك.
رفع بلال نظره إلى غرفتها وجدها مظلمة، اتجه إلى المسبح ونزع ثيابه علَّه يزيح إرهاق اليوم، يهدأ من تفكيره بها.
بالداخل ارتفع رنين هاتف أرسلان: أيوة.
معلومات خطيرة لازم تعرفها، آسف اتَّصلت متأخَّر.
قول سامعك، لا متعتذرش.
موسى، طلع مش مسيحي.
موسى مين؟

أجابه الآخر: الدكتور اللي صاحب يوسف من فترة.
ماله بقى؟
رغم سؤاله إلَّا أنَّ دقَّات قلبه تصخب بداخله.
دا صهيوني يا باشا.
هوى أرسلان على مقعده: إنتَ بتقول إيه؟!
علي فكرة المعلومة راحت لإسحاق باشا من أسبوع برضو، بعد ما قابل يوسف بفترة.
يعني إسحاق مكنش يعرف؟
لا كان يعرف إنُّه يهودي، لكن الجنسية الحقيقة جابها له، عيون لإسحاق.

ضاعت نظرات ارسلان، وازدادت دقَّاته بعنف: ودا عايز إيه من يوسف، مش إنتَ قولت الدكتور اللي زرعته هناك بيقول صداقة؟
ما أنا اتَّصلت بحضرتك علشان كدا، قربه من يوسف مش صداقة، الموضوع بيطوَّر بينهم، ومعلومة انهم عايزين يجروه، ازي مهرفش، حبِّيت تبقى عارف، أنا لسة المعلومات دي وصلاني حالًا.
تمام. تمام، خلِّيك متابع وأنا هتصرَّف.
قالها وألقى الهاتف، يفتح زرَّ قميصه، وكأن الهواء انسحب من الغرفة.

ياترى عايزن منك إيه يا يوسف؟
مسح على وجهه بعنف، حتى كاد أن يقتلع جلده، هبَّ من مكانه واتجه إلى إلياس فورًا: دلف للداخل قابلته شمس التي تجلس مع حمزة، نهضت من مكانها بدخوله
عمُّو حبيبي محتاج حاجة؟
بابا فين؟
أشارت إلى غرفته بالأعلى: فوق، شكله طلع علشان ينام، سمعته بيقول لتيتا.
طيب يا شموس، خبَّطي عليه، قولي له انزل لعمُّو عايزك في موضوع ضروري.
اقتربت منه تتعمَّق بالنظر إليه: حضرتك تعبان ولَّا حاجة؟

انحنى يقبِّل جبينها: لا حبيبتي أنا كويس، ليه بتقولي كدا؟
هزَّت كتفها ونظراتها عليه: أول مرة تطلب بابا بعد مايطلع ينام.
مسَّد على خصلاتها: موضوع مهم حبيبتي، ياله.
اقترب منه حمزة، يدقق بملامحه
مال وشك شاحب ليه
انت مش عندك شغل
هز رأسه بالنفي
بكرة العيد إيه نسيت.

دقائق معدودة حتى هبط إليه: أرسلان فيه إيه؟ قلقتني.
أشار إليه بالجلوس: اهدى. مفيش حاجة.
دقَّق النظر إليه، وعينا أرسلان الشاردة بكافَّة الاتِّجاهات: أرسلان.
إستدار اليه: إلياس لازم تسمعني وتهدى، علشان نعرف نفكَّر، أنا محبتش أخبِّي عليك حاجة، لأني مش ضامن اللي هيحصل.
يوسف حصل له إيه؟
ابتلع ريقه بصعوبة، يخشى أن يقضي عليه، فكَّر سريعًا وقال: لازم تسافر ليوسف، يا أمَّا أسافر له أنا.
صباح يوم العيد.

توقفت خلفه مبتسمة
بحب اشوفك بالجلبية البيضة أوي، بترجعني لايام جميلة
احتضن وجهها وطبع قبلة حنونة على جبينها
أنا كل يوم بشكر ربنا عليكي ميرو
اخرجت زفرة حارة
ياااه ياإلياس مش مصدقة، سنين مرت بسرعة، كل ماافتكر حياتنا كانت ازاي، اقول ممنوع نتجوز
داعب ذقنها بانامله
ولا أنا، بس متنكريش انك جننتيني
رفعت عيناها اليه
النهاردة ويوسف بكلمني بعد الفجر، وصاني وصية، وبعت لك حاجة.

ارتجف قلبه بفزع من كلماتها، حتى تسائل سريعا
وصية ايه، وليه بيوصي، الواد دا عايز يموتني، لكنه صمت حين طبعت قبلة على وجنتيه
قالي بوسيلي بابا كتير ياماما، ودي مش أول مرة
رفع حاجبه غيظًا
يعني الحاجة المهمة بتنسيه، وبعدين الواد موصيكي بابوه مش جوز امه
ارتفعت ضحكاتها للاول مرة منذ فترة، كان يتابعها بعشق
يعني علشان يوسف كلمك النهاردة، ضحكتي
اصله اول مرة يكلمني فيديو وفترة طويلة، قعدنا نتكلم ساعتين.

طيب وسعي، روحي كملي مع ابنك.

بمنزل ارسلان
كان يتوقف أمام المرآة يصفف خصلاتها، رفع عطره ونثر بعضه، ثم وضع الزجاجة، وقعت عيناه على ذلك السلسال الذي احضره إليها، رفع يقلبه بين أنامله، ثم وضعه مرة اخرى. دقيقة ودلفت الى غرفته
كنت فين امبارح مجتش على الفطار ليه، واتصلت بيك مابتردش.

تفحصها بعيناه لقد اشتاق اليها حد الجنون، هذه الفتاة حتما ستقتله، سحب نظره منها، واتجه للمرآة ينظر لنفسه للمرة اخيرة. اصابها الجنون من تجاهله لها، لتقترب منه حتى توقفت أمامه
بكلمك مابتردش على ليه
انحنى يسحب السلسال، ثم ادارها اليه بصمت وألبسها اياه، استدارت تنظر اليه مرة ثم الى السلسال، لتشير اليه
دا علشاني
لا كنت جايبه لكارما ومعجبهاش
جذبته بغضب حارق وألقته على الارضية.

تسبه بكل الشتائم، اخفى ابتسامة تجلت بملامحه، يعشق جنون غيرتها، دنت كالمجنونة
انت عايز تحرق دمي صح، بدل ماتقولي كل سنة وانتي حبيبتي، بتفرسني
انحنى وطبع قبلة على وجنتيها، شلت حركتها
كل سنة وانتي حبيبتي، وبعد عشرين سنة تكوني في حضني، اقترب يهمس بجوار شفتيها
أنا رايح اصلي العيد للاسف، ياريتك جيتي بدري شوية، اهو كنا عيشنا مع بعض شوية متعة يامدام
قالها وتراجع للخلف، يسحب هاتفه، تجمدت تنظر اليه بألم.

بلال. مكنش قصدي دا
لم يكترث لكلماتها، فتح باب الغرفة وخرج، ليتفاجأ بوالدته
كويس انك صحيت، كنت لسة هدخل. لكنها توقفت عن الحديث بعدما ظهرت رولا خلفه
رولا. خير يابنتي على الصبح، بتعملي ايه هنا
رد بلال سريعًا
كانت مبيتة في حضني، ايه الغريب ياماما، واحدة خارجة من اوضة جوزها في صباح العيد
نعم يااخويا
التفت الى رولا
يارب تطمني حماتك قريب، وتفرحيها بحفيدها حبيبتي.

بعد أسبوع بشقَّة يوسف: يهودي!
تمتم بها بذهول.
جلس إسحاق يضع ساقًا فوق الأخرى: مش يهودي بس.
التفت إليه سريعًا، وهنا علم ما يقصده: مستحيل، دا قالِّي نصراني.
وإنتَ صدَّقته؟
هزَّ رأسه، ثم تذكَّر شيئًا: يعني كل اللي حصل دا مش صدفة؟!
بالظبط.
بابا. همس بها بتقطُّع.
ميعرفش حاجة.
هوى على المقعد وتاه بنظراته، نهض واقترب منه: لا متعملش كدا، إنتَ ابن إلياس السيوفي، ودي حطّ تحتها مليون خط، اكيد فاهم قصدي؟

همَّا عارفين صح؟
مش متأكد، بس إنتَ ذكي وهتعرف تتصرَّف.
ارتفعت دقَّاته بعنف: بس. كرَّرها، ثم رفع عيناه: بابا لو عرف.
أبوك لو عرف هيرفض، ودا متأكد منه، حتى عمَّك دا بقى مستحيل يعرف حاجة.
انحنى ينظر إليه: إيه خايف، مش همَّا اللي بيلفُّوا عليك.
مش على نفسي طبعًا، حضرتك ناسي إديهم طايلة، وأنا عندي أخت وبنات عم.
ربت على كتفه: اللي أعرفه إنك ابن إلياس السيوفي وبس.

نهض من مكانه: مبقتش ابنه، أنا يوسف الشافعي، الشخص اللي بدوَّر عليه مش أنا.
وقف إسحاق بمقابلته: أنا ماليش دعوة بالكنية يا يوسف، المهمِّ إنتَ ابن مين، دلوقتي الناس دي عايزة تجرَّك بأي طريقة، والصراحة أنا محتاج التقرُّب دا.

ضاع يوسف بكلماته ولم يفهم مغزى حديثه، ربت إسحاق على كتفه: أنا عايزك حاليًا تاخد حذرك منهم وبس. وتاخد أي كلمة منهم بحساب، وخلي بالك من شقتك كويس، لانهم ممكن يراقبوك وانت جواها، يعني انا مسحتها شبر شبر، قبل ماترجع، الشقة نضيفة، بس دا مش هيفضل كتير، عينك على الصغيرة قبل الكبيرة
حضرتك عايز مني ايه بالظبط
اشار له بالجلوس
اقعد وأنا افهمك، الموضوع مش انك تقرب وبس.

مضى يومين والوضع كما هو. ذات مساء بعد عودته من عمله بعدَّة ساعات، تناول طعامه، وقام بأداء فريضته، ثم عمل لبعض الوقت على جهازه. إلى أن شعر بالإرهاق، تمدَّد على الأريكة التي يجلس عليها، مضت بعض الدقائق. ليستيقظ على صوت رنين الجرس، نظر إلى ساعته بتشوُّش، ومرَّر يده على وجهه يتمتم بالاستغفار: أكيد البارد ده، وبعدين بقى.

نهض متثاقل الخطا، يجرُّ قدميه بصعوبة، فتح الباب بلا اكتراث، لكن هنا توقَّف الزمن، وتجمَّد جسده. فتح فمه ليتحدَّث، ولكن انقطع صوته. ودقَّات عنيفة كادت أن توقف نبضه.
اقترب خطوة علَّه يحلم، ولكن
اتَّسعت عيناه بصدمة كأنهما تريان شبحًا لا إنسانًا...
ارتعشت شفتيه، ولم يشعر بدموعه التي انسابت دون إذن، خائنة كل كبرياء حاول التمسُّك به.
اقترب خطوة، ثم أخرى. كأنَّ المسافة بينهما ليست أمتارًا بل سنوات من الفقد.

ابتلع ريقه بصعوبة، وخرج صوته مكسورًا، مهزومًا، كطفلٍ لا رجل: بابا...
بينما وقف الآخر كتمثالٍ من وجع.
عيناه تأكلان ملامح ابنه، يلتقط كل تفصيلة، ارتفعت يده ناحيته، ثم سقطت.
تقدَّم، ثم توقَّف.
ألف شعور مزَّق صدره في لحظة: هل يصرخ فيه؟
هل يعاتبه؟
هل يضمُّه؟
أم يصفعه لأنه شعر بذلك الشعور؟
لكن حين رأى دموعه. انكسر.
انكسار رجلٍ لم تكسره الحياة، لكن كسره الفراق.

اندفع نحوه يسحبه إلى أحضانه بعنف، كأنه يخشى أن يُنتزع منه مرةً أخرى.
ضمَّه بقوة، قوة لم تكن قسوة، بل خوف.
آاااه، تمتم بها إلياس.
لينهار يوسف بين ذراعيه، شهقاته خرجت كأنها تُقتلع من صدره: سامحني، سامحني يا بابا.
ولكن ضمَّه أكثر، فأكثر يدفن وجهه في كتفه، وصوته يرتجف: يوسف.

أخرجه من أحضانه ببطء، يخشى أن يبتعد عنه مرةً أخرى، ثم حدَّق في وجهه طويلًا، يتفحَّص ملامحه، بسط كفَّيه المرتجفتين ومرَّرهما على وجهه بحنوٍّ بالغ: ليه كده يا ابني...
انحنى يوسف سريعًا، يقبِّل يد والده، ثم رفع عينيه إليه وقد امتلأت بالشوق: وحشتني أوي يا بابا...

لم يحتمل إلياس، فضمَّه إليه مرةً أخرى بقوة، كأنه يستردُّ طفله الذي لم يكبر يومًا في عينيه، ظلَّ يحتضنه طويلًا، حتى ذاب الاشتياق بينهما، وتلاشت المسافات التي فرَّقتهما.
مرَّت دقائق، لا يُسمع فيها سوى أنفاسٍ متقطِّعة وقلوبٍ تنبض بلهفة، حتى ابتعد إلياس قليلًا، يمسح دموعه بخفَّة، محاولًا استعادة هيبته: كده خلِّيت أبوك يعيَّط يا دكتور...

ابتسم يوسف وسط دموعه، وأمسك بكفَّيه يقبِّلهما بحب: بعد الشرِّ عليك من الحزن يا حبيبي...
تنحنح إلياس، ثم أشار نحو الداخل وهو يحاول التماسك: هنفضل واقفين على الباب كده؟
ابتعد يوسف سريعًا، يمسح دموعه بخجل: آسف يا بابا، اتفضل طبعًا.
دلف إلياس إلى الداخل بخطواتٍ هادئة، وعيناه تتحرَّكان في المكان بدقَّة، جلس على الأريكة، ثم أشار إليه أن يقترب.

جلس يوسف بجواره في صمت، لكن نظرات إلياس كانت كفيلة بالكلام، نظرات مليئة بحنانٍ جارح، كحنان أم تخاف أن تفقد طفلها مرةً أخرى.
إيه يا إلياس، أول مرَّة أشوفك ضعيف كده.
لم يرد، فقط جذبه من عنقه فجأة، واحتضنه بقوة، كأنه يتأكَّد أنه حقيقي وأنه أمامه.
جلسا معًا وقتًا، مرَّ كأنه لحظات قصيرة، حكى خلالها يوسف كل ما مرَّ به منذ وصوله لتلك البلدة، وكان إلياس يستمع بقلبه قبل أذنيه، لا يقاطعه، فقط ينصت.

وحين انتهى...
قال بهدوءٍ عميق: إنتَ جيت هنا علشان مستقبلك بس يا يوسف؟
أبعد يوسف عينيه قليلًا، ثم قال بصوتٍ خافت: حضرتك عارف إن ده كان حلمي من أول ما دخلت طب.
مطَّ إلياس شفتيه بسخرية خفيفة، لكنها كانت تخفي وجعًا: برضه يا ابن إلياس...
برضه إيه يا بابا؟
نهض إلياس ببطء، يخلع جاكيته وهو يتجنَّب النظر إليه: ولا حاجة...

ثم التفت فجأة، بنبرةٍ حاول أن يجعلها خفيفة: قوم يلا ورِّيني مطبخك، عايزين نعمل مكرونة زي زمان، فاكر لمَّا كنت بتدخل معايا المطبخ؟
اتَّسعت عينا يوسف بصدمة ممزوجة بفرحة: حضرتك عايز تقف في المطبخ في السنِّ ده؟
نظر إليه إلياس بصمت لثوانٍ، ثم قال بهدوءٍ يحمل كلَّ الحب: علشانك أعمل أي حاجة يا حبيبي.
اقترب يوسف خطوة، صوته مهتز: يعني، مش زعلان مني؟
تنهَّد إلياس بعمق، ثم نظر داخل عينيه مباشرة: لا، زعلان.

سكت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ أثقل: وزعلان أوي كمان.
ليه بس يا بابا؟
اقترب منه خطوة، وعيناه تحملان عتابًا موجعًا: علشان غدرت ببنت عمَّك يا ابن إلياس.
لم يرد، ولم يكرر الياس ضغطه، بعد فترة جلسا الاثنين يقصون بعض الاشياء إلى أن غفا يوسف وهو جالسًا دون أن يشعر.

طالعه إلياس بحنان ابوي، اعدل من وضعيته، ثم دثره بالغطاء، جلس امامه يفترس كل انش فيه، لقد ضعف كثير، اصبح وجهه منحوتا، ورغم ذلك مازال يمتلك الكثير، من الوسامة.

ابتسامة حزينة وهو يتخيل زوجته مكانه، يقسم انها لم تتركه ينام هكذا، لكانت تسللت تغفو بأحضانه، للحظة واحدة ارتجف قلبه على هذا الشعور، ليقترب ملقيًا كل شيئا خلفه، وتمدد بجواره، يضمه كالأم التي تحتضن رضيعها، اهتز جسده بقوة، ماهذا الشعور القاتل، لقد حرم منه منذ سنوات عديدة، رفع انامله الى خصلاته
اخر مرة نمت كدا وانت عندك عشر سنيين، ياااه يايوسف، أول مرة تحسسني اني فقدت اغلى حاجة.

قبله على رأسه، قطع وصلة الحنين رنين هاتفه
أيوة
انت تحت، تمام اطلع هو نايم دلوقتي. بعد دقائق خرج إلياس مع الرجل
كل فترة لازم تيجي وتراجع الكاميرات، ابني هيكون امانة عندك، دا لو مسافرش معايا
لا تقلق إلياس، انا وعدت ارسلان بذلك، انه مسؤليتي الشخصية
شكرا كثيرا، أنا سوف احاول معه للعودة.

مضت سنة ونصف السنة على مغادرة يوسف مصر.
يومًا محمَّلًا بالأماني والرضا. حفلٌ صاخب، تعلو فيه الأغاني، وتفيض السعادة في القلوب قبل الوجوه، إلا ثلاثة.
ثلاثة فقط، لكلٍّ منهم وجعه الذي يحاول إخفائه خلف ابتسامة باهتة أو صمتٍ ثقيل.

جلس إلياس ينتظر نزول ابنته، عيناه على بلال الذي صعد ليجلبها، لقد خفق قلبه ولم يستطع تسليمها لزوجها في هذا اليوم، فقد شعور الفرحة، بعد اصرار ابنه بعدم العودة الى مصر مرة اخرى، اصبحت الايام عنده لا تساوي شيئا لابنته، حقا مازال رحيله يؤلمه كطعنةٍ لم تلتئم، رغم محاولاته أن يعود، ورغم محاولات ميرال وشمس، ولكن الآخر رفض رفضًا قاطعًا، ذهب ببصره لزوجته الحاضرة الغائبة، فلقد احترقت بالاشتياق حتى الاختناق، سحب كفَّيها بين راحتيه: منورة يا أمِّ العروسة.

دفنت وجهها بكتفه: كان عندي أمل بعد ما شمس كلِّمته يجي، ربت بحنان على كفَّيها: سيبيه براحته يا ميرال، إن شاء الله بعد ما نطمِّن على شمس نزوره، إيه رأيك؟
طالتعه مبتسمة: بجد يا إلياس، أزال دموعها التي انحدرت من طرف عينيه: وحياتك عندي، لنسافر له.
يعني إنتَ عرفت مكانه؟
سحب بصره بعيدًا حتى وقعت عيناه على ضي التي تجلس بجوار رولا، كالغريبة، عيناها شاردة في اللاشيء.

وكأنها تنزف خيبةً وخذلان، بل ظنَّتها خي انة لا تُغتفر. تنظر إلى الفتيات التي
تتراقص بسعادةٍ صافية، ضحكاتهنَّ تعلو، والأضواء تلمع، وكأن المكان لا يعرف الحزن...
ورغم ذلك كان حضورها طاغٍ لا يُخطئه أحد، لأنها لم تعد كما كانت، كل شيء تغيَّر، حتى هي أصبحت شخصًا لا يعرفه أحد، وربما لا تعرفه هي نفسها.

طافت عيناها بالقاعة كغريبةٍ ألقتها الأقدار في مكانٍ لا ينتمي إليها؛ تشعر أن الضحكات حولها أعلى من قدرتها على الاحتمال، وأن الموسيقى تضرب جرحًا مفتوحًا في صدرها.
وقعت عيناها بنظرة حنينٍ موجعة، نظرة تحمل ألف كلمة لم تُقال، وألف عتابٍ اختنق قبل أن يولد. على إلياس الجالس بمقابلتها، فمنذ شهرين لا تراه، بعدما فصلت حياتها عن الكمبوند. كانت تطالعه باشتياقٍ طاغي.

ورغم ذلك، سحبت عينيها سريعًا، كأنها لم ترَه، نهض إلياس من مكانه واتَّجه يجلس هو في مواجهتها، اردف بصوت هادئًا على غير ما يعصف بداخله: عاملة إيه؟
رفعت عينيها بصعوبة، وكأن السؤال أثقل من أن يُجاب: كويسة الحمد لله...
دايمًا.
لمعت عيناها بالدموع، فعضَّت على شفتيها بقوَّة، تقاوم الانهيار، فهناك آلام لا تُحتمل، ووجعٌ يتجاوز حدود الصبر.

كانت تريد أن تعرف، وتخاف أن تعرف في نفس الوقت. تتوسَّل للأيام أن ترحمها، بعد استلامها ورقة طلاقها التي كانت بمثابة القشة التي كسرت ظهر البعير، ولم يتوقف الامر على ذلك، بل علمت بذهاب الجميع إليه، دون أن يحاسبونه، هنا رأت أن الجميع يطعن قلبها، حتى شعرت أنها وحيدة. أتت اليوم وتمنَّت أن تراه، ليس اشتياقًا ولكن انتقامًا لقلبها الذي يتمزَّق. لكن...
ليت الأماني تُنال بالتمنِّي.

بدأ الحفل بقدوم العروسين، انطفأت الأضواء للحظة، ثم أضاء المكان دفعةً واحدة، لتتعاظم البهجة، ويعلو التصفيق، وتتضاعف السعادة كأنها إعلان تحدٍّ لكل حزين. لتظهر العروس تهبط كملكةٍ متوَّجة، نهض إلياس واتجه إليها: مبروك يا حبيبة بابا
بكت بأحضانه، ظلت تبكي بصمت، احتضن إلياس وجهها: ليه الدموع دي، فيه عروسة تعيَّط؟
بابا يوسف مجاش.

كأن كلماتها زادت من طعناته، دارت تتلفَّت بقلبها قبل عينيها: معقول ميحضرش فرحي؟!
حاوطها يشير الى حمزة، ليقترب: ياله حبيبتي، روحي مع جوزك مينفعش، تراجعت تهمس: لو مجاش هزعل منه، اتجهت بنظراتها لوالدتها، التي تحاصر باب القاعة بنظراتها، تهمس بصوتٍ مكسور لا يسمعه سواها: يلا يا حبيبي، أوعى تكسر قلبي.
مرَّت الدقائق ثقيلة، ودقيقة تجرُّ الأخرى كأنها دهر، حتى فقدت الأمل.

تراجعت بجسدها، وأسندت رأسها على حافَّة الكرسي، مغمضة عينيها، تعدُّ أنفاسها
فجأة، عمَّ الصمت المكان.
صمتٌ مهيب، كأن أحد الملوك قد دلف للتو.
التفتت الرؤوس جميعها ناحية المدخل، واحتبست الأنفاس، واتَّسعت العيون دهشة.
وفي تلك اللحظة نهضت شمس، تهزُّ رأسها بعدم تصديق، وعلامات السعادة تتجلَّى في عينيها.

رغم الدموع التي خذلتها، انسابت سعادة موجوعة، لتبتعد عن حمزة تصرخ كالطفلة: يوسف. والله يوسف، يوسف رجع يا حمزة، قالتها وركضت باتِّجاه الباب، في مشهدٍ جعل الجميع يقف ينظر لذلك الذي دلف لداخل الحفل، حملها يدور بها وهي تصرخ باسمه: كنت عارفة إنك هتيجي.
ألف مبروك ياصغيرة
رفعت عيناها إليه وازدادت دموعها، لتحتضنه مرة اخرى، ضمها بحنان اخوي، ثم خرجت من أحضانه
أنت تعرف دلوقتي رجعت لي روحي.

ماما، بابا، شوفتوا مش قولت لكم هيجي
رفع عيناه يبحث عن والدته، ولكن وقعت على اخر شخص تمنى أن يراه، تلاقت العيون في عتاب مؤلم قاس، لم تقو عن منع دموعها وهي تراه أمامها، دموع خلف دموع وكأن مشهد طلاقها منه للتو، مشهد حي يجسد أمام عيناها، لتشهق تضع كفيها على شفتيها بعفوية، تتذكر وداعه الذي احرقها وتركها رمادا دون أن يرف له جفن.

همس اسمها بشغتين متشققتين، أزاحت الجميع من أمامها حتى وصلت اليه، ليعم الصمت المكان، ولم يسمع سوى انفاسهما.

الفصل التالي
بعد 10 ساعات و 05 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة