قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثامن والأربعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثامن والأربعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثامن والأربعون

سحب كفَّ رولا برفقٍ وتحرَّك بها نحو ساحة الرقص، خطت خطوةً واحدة كانت كفيلة بأن تُربكها؛ رجفةٌ خفيفة سرت في جسدها ماإن شعرت بدفء يده يلتفُّ حول أصابعها. رغم أنَّها رقصت معه كثيرًا، وكانت دائما قريبةً منه، إلَّا أنَّه الآن تغيَّر، انتفض جسدها بقشعريرةٍ حينما لفَّ ذراعيه حول خصرها، سحبها إليه دون مقاومة، كانت رقصتهما في البداية بطيئة، خجلة، لا استعراض فيها ولا تكلُّف. خطواتٌ متناسقة بينهما كعدد أنفاسهم، رفع كفَّها لتدور دورانًا خفيفًا ثم يعيدها إلى صدره، لفحت أنفاسه وجهها ولم تعد تشعر بجسدها، ولا بالأرض من تحتها؛ كلَّ ماأدركته هو حضوره القريب، وثبات يده حول خصرها كأنَّه يعلنها أنَّها ملكه، وأمَّا عن قلبها فكان إيقاع قلبٍ لا تعرف إن كان قلبها أم قلبه.

هربت بعينيها بعيدًا عن مرمى نظره، تحاول ألا تلتقي بعينيه، حتى لا تسقط غريقةً باعترافٍ لا تملك له إنكارًا مع قلبها العنيف، كيف ومتى ولماذا؟ همست لنفسها، بالكاد تسمعها. إنَّه عِشق، هل أنا بحبُّه. إمتى. وإزاي؟
رفعت عينيها إليه فجأة، كأنَّ السؤال أجبرها على النظر اليه. كان يراقبها بصمت، تلاقت أعينهما للحظاتٍ بدت طويلة، فشعرت بقلبها يخون صمتها.

لتهمس، قالت بصوتٍ مكسور: مش قصدي أزعَّلك، متزعلش. أنا اضيَّقت من كلامك ليَّا، ومن اتِّهاماتك دايمًا.
كان يستمع إليها وهو مايزال يراقبها، لم يفلت خصرها، ولم يشدَّها أكثر.
فقط قرَّب جبينه قليلًا، وقال بهدوءٍ صادق: رولا، لو سمحتي بلاش تضغطي عليَّ، مش هعيد كلامي، وزي ماقولت قبل مانخرج، نتعامل قدَّام الكلّ إنِّنا متجوِّزين.
آسفة، قالتها وتراجعت.

بعد فترةٍ عاد الجميع إلى منازلهم، بينما توقَّف حمزة مع شمس أمام سيارته يستعدُّ للمغادرة. ساد صمتٌ قصيرٌ قبل أن يقطعه بصوته الهادئ: هغيب أسبوع، هتوحشيني.
اقتربت منه خطوتين، ونظرت إليه بجديَّةٍ لم تُخفِ قلقها: ماردِّيتش عليَّ، هتعمل إيه في موضوع الشغل، أوعى تتنازل عن وظيفتك، سامعني؟
ابتسم بخفَّة، يحاول التخفيف: وظيفتي! ليه بتحسِّسيني إنِّي مش لاقي آكل؟

شدَّت على نبرتها: حمزة لو سمحت ماتهزَّرش، اهتمّ بشغلك. مش عايزة أكون سبب إنَّك تنزل عن مستواك، سمعت من بابا إنَّك كنت الأوَّل على دفعتك، وده كان السبب الرئيسي في رفضه لجوازنا.
تقدَّمت خطوةً أخرى حتى صارت أمامه تمامًا، وعيناها ثابتتان: لو تهاونت أو حاولت تتنازل عن كيان حمزة الجارحي، يبقى اعتبر العلاقة اللي بينَّا منتهية، أنا جوزي لازم يتقدِّم مايرجعش ورا. قالتها دون وعي.

أضاءت ابتسامةٌ صادقة وجهه، وقال بثقة: وجوزِك بيوعدك هيشرَّفك.
اتَّسعت عيناها لوهلة؛ أدركت أنَّها نطقت بما لم تقصده وعيًا، حمحمَت وتراجعت نصف خطوة: خلِّي بالك من نفسك وبلاش تسهر كتير.
ضحك بخبثٍ لطيف: أوووه، أسراري كلَّها عندك.
رفعت حاجبها ساخرة: أسرار إيه يا كابتن؟ ده الكمبوند كلُّه عارف كلِّ حاجة عنَّك، والبركة في عمران.
— ابن ال، طيِّب يا شمسي، في أوامر تانية؟

هزَّت رأسها، وابتسامة رضا أنثوي تعلو ملامحها: لا إله إلا الله.
محمد رسول الله سلام.
قالها، واستقلَّ سيارته ليغادر المكان كلِّه، تاركًا خلفه قلبها الذي يخفق بقوَّة من الاشتياق اليه من الآن.

مساء اليوم التالي بمنزل يوسف.
خرجت من الحمَّام تبحث عنه، فوجدته واقفًا في الشرفة يتحدَّث في هاتفه، جلست أمام المرآة تُجفِّف خصلاتها، ثم تركتها تنسدل وسحبت كريماتها تضعها برفق على يديها. دلف إلى الداخل، فالتقت عيناه بهيئتها التي تُعيده مراهقًا في كلِّ مرَّة، وقف يتابع ماتفعل بصمتٍ ثقيل.

رفعت خصلاتها إلى الأعلى وجمعتها بإحدى فيونكات الشعر ليظهر عنقها. ثم رفعت ساقيها أمامها، وبدأت تفرد المرطِّبات عليهما، هنا نفد صبره؛ دنا منها بخطا سلحفية حتى أحاط بمقعدها، ودفن وجهه في عنقها: النهاردة قلتي لو يرجع بيَّا الزمن قبل الخطوبة كنتي عملتي حاجات.

أغمضت عينيها متأثِّرة بقربه، استدار وجلس أمامها على المقعد، رفع ساقيها فوق ركبته، وأخذ منها المرطِّب يفرده بهدوءٍ ناعم. كانت تراقبه وقلبها يدقُّ بعنف، رفع عينيه إليها: سامعِك كنتي هتطلبي إيه؟
ارتجفت شفتاها، وعجزت عن الرد. صمتٌ قصير، لكن العيون كانت تتحدَّث بما يكفي، انحنى يرفع ذقنها: عارف إنِّك اتظلمتي في الجواز من أوِّله، وعارف إنِّ بابا ضغط عليكي علشان توافقِي.

انسالت دمعةٌ من عينها، عادت بها الذاكرة إلى تلك الأيام وحديث إلياس يتردَّد في رأسها: “أنا معرفش شعورك ناحية يوسف إيه، بس نفسي تكوني مراته. ”
توسَّعت عيناها بدهشة، وابتلعت ريقها: يوسف ابن عمِّي! مفيش بينَّا مشاعر، بس بحترمه.
طيِّب إيه رأيك فيه كزوج؟
يوسف رافض الجواز.
عارف، علشان كده بسأل. في مشاعر من ناحيته، ولَّا مش في دماغك؟
معرفش، بس هوَّ غالي عندي قوي.

نظر في عينيها طويلاً، بنبرةٍ هادئة لكنَّها حادَّة: طيِّب، تزعلي لو اتجوِّز؟
تردَّدت: معرفش
اقترب أكثر، وصوته انخفض: متعرفيش، ولَّا مطمِّنة إنُّه مش هيتجوِّز؟

فاقت من شرودها على لمساته، نظرت إليه بعينين يسبح فيهما العشق: سرحانة في إيه؟
فيك، ماكنتش أعرف إنِّي هحبَّك كده.
نهض من مكانه ودلف إلى الداخل للحظات، ثم عاد وهو يحمل علبة مجوهرات أنيقة، جلس أمامها، فتحها بتمهُّل وأخرج عقدًا باهظ الثمن يتوسَّطه حجرٌ لامع. وقف خلفها، ألبسها إيَّاه، ثم طبع قبلةً خفيفة على عنقها: كلِّ سنة وإنتي في حضني، وقريبة من قلبي.

ضيَّقت عينيها، ثم شهقت حين أدركت. غدًا عيد ميلادها.
استدارت نحوه، ودفنت نفسها بين ذراعيه: وإنتَ حبيبي وحياتي.
ضحك بخفوت: لو مش عاجبك، نغيَّره وتجيبي اللي يعجبك.
هزَّت رأسها بإصرار: لا، يا حبيبي حلو قوي.
نظر إلى ساعته، ثم أشار إلى فستانٍ أحمر قصير: البسي ده، علشان ننزل نحتفل على مزاجي.
تردَّدت لحظة، نظرت إلى الفستان ثم إليه: هنروح فين؟

اقترب منها، ولامس خدَّها بطرف أصابعه، وصوته خرج واثقًا ودافئًا: اجهزي بس، والباقي عليَّ.
ابتسمت، وفي ابتسامتها وعدٌ صغير بليلةٍ مختلفة
دقائق وطرقت زهرة على الباب: الدكتور منتظرك في الحديقة الخلفيَّة عند البيسين الخاص.
أومأت لها ثم قالت بابتسامة: ميرسي يا زهرة. ممكن تساعديني، مش عارفة أقفل العقد.
خطت إليها وتوقَّفت خلفها، تنظر لجمالها من خلال انعكاسها بالمرآة: طالعة قمر أوي، حلو قميص النوم دا.

ضحكت ضي بصوتٍ مرتفعٍ قائلة: دا مش قميص نوم، والله إنِّك غلبانة، هوَّ فيه قميص نوم بيكون مقفول كدا.
شهقت تضرب على صدرها: ودا مقفول؟!
أنهت زينتها بأحمر شفاه، ثم استدارت إليها وقالت: انزلي يالَّه وأنا نازلة خلاص؛ قالتها وهي تسحب عطرها تضع منه ثم نظرت لهيئتها بتقييم وخرجت تشير إلى زهرة: لو مش هتعبك، لمِّي الحاجات دي، وظبَّطي الأوضة، مالحقتش أعمل حاجة...

هبطت إلى الأسفل، وماإن وصلت إليه حتى وجدته ينتظرها بحلَّته الكلاسيكية الأنيقة، كعريسٍ في ليلة زفافه.
تقدَّمت بخطواتٍ متردِّدة فوق المسار الذي رسمه لأجلها بالإنارة الخافتة والزينة المتناثرة، تتلفَّت حولها بذهولٍ ممَّا يدور، كأنَّها تسير داخل حلمٍ حقيقي.
توقَّف أمامها، رفع كفَّيها يقبِّلهما برفق، فدفنت نفسها في أحضانه، والسعادة تطفو على ملامحها بصفاءِ طفلٍ عثر على لعبته المفضَّلة.

أمسك كفَّيها وجذبها إليه، تراقصا على أنغامٍ هادئة لبعض الوقت، عالمهما منغلقٌ عليهما فقط.
ثم ظهرت زهرة، تدفع عربةً صغيرةً فوقها كعكة عيد الميلاد، تتوسَّطها عبارة مضيئة: كلِّ سنة وإنتي حبيبتي
اتَّسعت ابتسامتها، أغمضت عينيها وأطفأت الشموع وسط تصفيقٍ خافت منه، وماإن انتهت حتى رفعت ذراعيها تعانقه بقوَّة، طبعت قبلةً عاشقةً على خاصَّته، وهمست قرب أذنه بكلماتٍ غارقة في العشق.

مرَّ الوقت في جوٍّ من الرومانسية الدافئة، جلست بين ذراعيه يطعمان بعضهما الفواكه، حتى تنهَّدت فجأةً وقالت بنبرةٍ قلقة: انا رحت للدكتورة النهاردة، والحمد لله النتيجة كويسة
كان يستمع اليها باهتمام، وهو يطعمها، توقفت عن الحديث، تنظر للمياه بحزن
انا خايفة اوي، خايفة ميكنش عندي اطفال
رفع ذقنها ونظر لداخل عيناها
حبيبتي تفائلي، وإن شاء الله الموضوع مجرد وقت، فيه ناس بتقعد سنين.

يالهوي يايوسف، لا سنين ايه، مش هقدر اتحمل. نفسي في بيبي اوي
سحب رأسها الى صدره
ليه مستعجلة، وقت ربنا مايأذن
اعتدلت تهز كتفها وقالت: تعرف انا ممكن يحصل لي حاجة لو مخلفتش، لا لا. مقدرش
ضحك على حركاتها، وداعب وجنتيها
وايه يعني. دي بتكون اقدار
هزت رأسها بالنفي وقالت
يارب لا. صمتت للحظات ثم رفعت نظرها اليه، داعبت وجنتيه، وقبلتها
ممكن اطلب منك طلب
انحنى يقبلها وهمس بنبرة عاشق حد النخاع
انتي تؤمري مش تطلبي.

دفنت رأسها بصدره وهمست بتقطع
تشوف دكتور، علشان اطمن، الدكتورة قالت لي خلي جوزك يكشف
صمت ينظر اليها دون رد، لمعت عيناها بالدموع واختنق صوتها
مش قصدي ازعلك والله، بس ريح قلبي، هموت بجد لو مابقاش عندي بيبي منك، اهتم بيه واربيه ويكون شبه باباه
لم يرد ظل كما هو ينظر للامام فقط، الى أن قال
حاضر، علشان خاطر العيون الحلوة دي، لاني مقدرش على زعلهم
رفعت نفسها تقبله وهمست له
ربنا يخليك ليا يارب.

مسد على خصلاتها وصوته خرج حنون: ويخليكي ليا ياحبيبة قلبي
دقائق ناعمة مرت عليهما الى أن قالت: يوسف، هوَّ بلال بيحبِّ كارما دي فعلًا؟
شدَّها إليه أكثر، وقال محاولًا إنهاء الموضوع: بلاش نزعل من بعض يا حبيبتي، هوَّ حر في حياته.
اعتدلت، تنظر إليه بجديَّة: بس أنا مضَّايقة قوي علشانهم، مش عارفة ليه حاسَّة إنِّ فيه حاجة.

ابتسم ابتسامةً خفيفة، ثم قال بنبرةٍ حاسمة: ضي، دي حياتهم الخاصَّة. وبعدين الوقت اتأخَّر وعندي عملية الصبح.
خلِّينا شوية كمان.
لا، كفاية يلَّا، وإنتي كمان وراكي شغل.
سكتت لحظة، ثم وقعت عيناها على حمَّام السباحة، وعادت تنظر إليه بعينينِ لامعتين: ممكن أطلب منَّك طلب؟ بما إنِّ النهاردة عيد ميلادي.
رفع حاجبه محذِّرًا: لو خاص ببلال، بلاش.

اقتربت منه تعانقه بدلال: تؤ عايزة أعوم معاك، نفسي أعوم معاك قوي يا يوسف.
الجوِّ برد يا حبيبتي.
لا، الجو حلو. يلَّا علشاني. لو سمحت.
بعد قليل، كانت تسبح معه بسعادةٍ طفوليَّة.
مرَّةً يحملها وهو يشقُّ الماء، ومرَّةً يقترب منها يقبِّلها وسط ضحكاتٍ خافتة، ينسجان لحظاتٍ خاصَّة لا يريان فيها أحدًا سواهما.
لكن
كانت هناك عينان تراقبان.

وقفت خلف فتحة نافذةٍ صغيرة، تتابعه وهو يسبح معها برومانسيَّة فاضحة، وابتسامةٌ مشتعلة تعلو وجهه.
تجمَّدت في مكانها.
دلفت إحدى الخادمات فجأة: إنتي بتعملي إيه هنا؟!
ارتبكت، واستدارت بسرعةٍ قائلةً بتقطُّع: ولا حاجة، بقفل الشبَّاك.
نظرت إليها الخادمة باستغراب: تقفلي الشباك؟!
ثم تمتمت: الشباك ده مبيتفتحش خالص، علشان على البيسين الخاص. مين اللي فتحه؟
معرفش، قالتها وهي تتحرَّك للخارج مسرعة.

اقتربت الخادمة من النافذة، حدَّقت بها، وجدتها مغلقة بإحكام: معقول أنا اللي فتحته ونسيته؟

تقلَّصت عيناها بارتباك، استدارت لتغادر لكنَّها توقَّفت فجأةً على صوت ضحكات يوسف، استدارت مرَّةً أخرى، واتَّجهت إلى النافذة تنظر من الثقوب، شهقت تضع كفَّيها على فمها، وهي تراهما بذلك القرب الرومانسي، ابتلعت ريقها تهمس لنفسها: معقولة البتِّ كانت بتتفرَّج عليهم، ياربِّي ودي أقول لأمَّها ولَّا إيه، يخربيتك يا زهرة بتتفرَّجي على الدكتور ومراته. ابتسمت رغما عنها: الله يكون في عونها، وأنتوا كمان. حبكت تحبُّوا بعض في البيسين، راعوا حالتنا يا عالم. تمتمت بها وهي تضحك مع نفسها تهزُّ رأسها: مش الموكوس جوزي اللي بينام من المغرب.

بشقِّة بلال قبل ساعات.
خرجت رولا من الحمَّام تلفُّ جسدها بالمنشفة. وجدت بلال يتحدَّث مع الخادمة بالخارج: شوفي أستاذة رولا فين؟
طرقت الخادمة الباب وهي تتمتم: مدام، العشا جاهز، والدكتور بيقول لحضرتك يلَّا.
ابتسمت رولا بسخريَّةٍ مُرَّة، ثم قالت بغصَّة: قولي له المدام جايَّة.
سحبت بيجاما لترتديها، لكنَّها توقَّفت فجأةً على كلمات ضي: بيجاما! إنتي هبلة يا بنتي! يا عيني عليك يا خويا.

ضي، أنا وبلال مش متجوِّزين.
ماأنا عارفة يا أختي، بس هتتجوِّزوا إزاي وإنتي لابسة بيجامة؟
خرجت رولا من شرودها على صوت بلال: هتفضلي واقفة تبصِّي في المرايا كتير؟
التفتت إليه بتوتُّر: هلبس، ولَّا عايزني أخرج بالبورنس؟
ابتسم بلال بدعابة: ياريت والله.
تورَّدت وجنتاها، واستدارت لتكمل ارتداء ملابسها. خرج بلال وتوقَّف خلف الباب يحاول السيطرة على مشاعره. أصبحت أمامه كالتفَّاحة المحرَّمة.

توقَّفت وكلمات ضي كانت ترنُّ في عقلها: رولا، لو عايزة بلال حاربي عشانه. مفيش راجل هيحبِّ واحدة منكِّدة حياته بالطريقة دي، فوقي وانسي اللي حصل.
ضي، أنا مغتصبة. فاهمة يعني إيه أخوكي مستحيل يكمِّل معايا.
رفعت ضي وجهها وقالت: اسمعيني كويس، أنا مجرَّبة وعارفة بقولِّك إيه، وحاسَّة بكسرة العروسة لمَّا تكون مرفوضة من جوزها.
ضي، إحنا مش متجوِّزين، ومش فارق معايا الموضوع أنا مضَّايقة علشان بابا وجعني أووي.

احتضنت ضي وجهها وهمست: وعشان باباكي مترجعيش مطلَّقة حافظي على جوزك وبيتك.
هوَّ فين جوزي دا؟ إنتي بتضحكي على نفسك، أخوكي بيحبِّ واحدة تانية افهمي بقى، وأنا مستحيل أرمي نفسي عليه.
بصِّي، مش عايزة أعشِّمك، بس نظراته وهوَّ بيرقص معاكي في خطوبة شمس مش بتقول كدا.
ضي ممكن تسكتي، انا تعبانة وماليش خلق
ربتت على كتفها ونهضت قائلة: أنا لازم أروح، زمان يوسف هيرجع انا قصدي تجرَّبي مش هتخسري حاجة.

مش موافقة طبعًا، عايزاني أغريه؟
يالهوي ألطم منِّك يا هبلة، ماشوفتيش كارما عملت إيه في الفرح، ومش عارفينها لحدِّ دلوقتي.
تنهَّدت، مسكت القميص وارتدته، ثم ألقت على نفسها الروب وخرجت نحوه بخطواتٍ متردِّدة، لكن ثابتة.

بالخارج جلس على طاولة الطعام ينتظرها بصمت، دقائق مرَّت وظهرت أمامه ترتدي قميصًا أسودًا شفَّافًا، وفوقه روبًا، متردِّدة في السير نحوه، رفع نظره على خطواتها الناعمة وهو يرتشف المياه، فجأةً بصق المياه وهو يراها بتلك الهيئة، طاف بعينيه عليها.
قميص أسود شفَّاف يصل فوق الركبة، ويغطِّيه روبًا طويلًا للكاحل، ولكن جزء منه متفتوح، لمَّت روبها وأغلقته بإحكام واتَّجهت إليه بقوَّة مصطنعة: آسفة أخَّرتك.

ظلَّ يراقب توتُّرها وعيناها الزائغة، تراجع بجسده ونظراته مازالت تراقبها: إيه بتبصِّ لي كدا ليه؟
ابتسم بمكر
خايف من الشيطان
رفعت حاجبها ساخرة
ماله الشيطان.
خايف ليحسدك
رفرفت اهدابها بملل من سخريته، فقال
متبقيش واثقة فيا اوي كدا
ضيقت عيناها بما يرمي اليه، امال بجسده
قولت لك من يومين، انا محترم ومتربي اه بس مش قوي
افلتت ضحكة رغمًا عنها، واشارت الى طعامه
اتعشى وانت ساكت تعرف
طيب انا خايف
ابعدت بصرها تكبح ضحكتها.

لا فهمتي غلط، انا خايف تاخدي برد، واقعد بقى اديكي ادوية، وحاجات كدا استغفر الله العظيم.

سحبت الشوكة وقالت: متخافش يارايق. هتصرف قاطعهم صوت الباب. اتَّجهت الخادمة وقامت بفتحه، لتظهر غرام: مساء الخير على العرسان الحلوين.
ماما. تمتم بها ونهض من مكانه.
اقتربت منهما مع وقوف رولا: أهلًا طنط غرام.
عاملة إيه حبيبتي؟
قالتها وهي تقيم ملابسها.

الحمدلله.
ربتت على كتفها
تستاهلي حبيبتي الحمد، التفت إلى بلال وقالت: بتَّصل بيك مابتردِّش.
أه نسيت التليفون مقفول.
طيب، أنا وباباك مسافرين الفجر علشان العمرة، جيت أسألكم لو محتاجين حاجة.
أجابتها رولا سريعًا: حبيبتي مش محتاجين غير دعواتكم.
ربتت على كتفها ثم أشارت إلى بلال: خلِّي بالك من مراتك، اهتمِّ بيها كويس. يالَّه أسيبكم علشان رايحين بيت الجارحي.
تمام.

جلست تتلاعب بالطعام بعد خروج غرام، راقبها للدقائق ثم تحدَّث: مابتكليش ليه؟
ماليش نفس، هعمل قهوة أعملَّك معايا؟
ماشي. بعد فترة خرجت للشرفة وهي تحمل فنجان قهوتها، تنظر إلى السماء الملبَّدة بالغيوم.
تبسَّمت وهي ترى نجمةً تختفي سريعًا. التفتت على صوته: الجوِّ برد، ادخلي.
مش بردانة، اقترب منها وتوقَّف خلفها: مطَّوليش، واسمعي الكلام.

استدار وتحرَّك للداخل دون حديث اخر.
ظلَّت لفترةٍ لم تشعر بالوقت. استمعت إلى خطوات الخادمة وهي تحمل كوبها. اعتدلت تحرِّك رأسها ثم اتَّجهت للداخل، ولكنها توقفت على همس الخادمة مع الأخرى: هوَّ فيه عروسة تنام لوحدها في اوضة؟
معرفش. حاسَّة إنُّهم زعلانيين من بعض.

أجابت الأخرى: أه وأنا برتِّب الشقة، لقيت هدوم الدكتور في الأوضة التانية، يا ختي بنات آخر زمن، متوقَّعتش الدكتور يتجوِّزها، كان لايق عليه بنت إلياس باشا، بسكوتاية كدا، هيَّ رولا حلوة بس مناخيرها في السما، مع إنِّ أبوها وأمَّها وأخوها ناس كومل.

جزَّت على اسنانها، ودلفت تدفع الباب: أنتوا الاتنين تلمُّوا هدومكم دلوقتي وتمشوا.
ليه يا مدام؟
صرخت فيهما، حتى خرج بلال من مكتبه: فيه إيه؟
يمشوا وبس ومش عايزة شغَّالين.
قالتها ودلفت للداخل دون إضافة شيء.
والله يا دكتور ماعملنا حاجة.
معلش. امشوا دلوقتي.
يا دكتور بس.
قولت امشوا دلوقتي.
دقائق ودلف إليها: إيه اللي حصل لدا كلُّه؟

نهضت من فوق الفراش وصاحت به بغضب: اسمعني، طول ماإحنا متجوِّزين البيت دا بيتي، وأعمل اللي أنا عايزاه، سمعتني؟ وماتسألش عن حاجة.
تطلَّع إليها بصمت مذهولًا، كأنَّ الكلمات صدمت عقله وجمَّدت حركته، ثم قال: خلَّصتي عصبية؟
تحرَّكت نحو الفراش، وجسدها ككتلةٍ ناريَّة، كلُّ عظمةٍ فيها تصرخ بالغضب، لكنَّها شعرت بضعفها الداخلي. اقترب منها وقال بصوتٍ هادئٍ لكنَّه يحاول أن يلمس مشاعرها: إيه اللي حصل؟

مش عايزة خدم وخلاص.
علي أساس إنتي بتعرفي تعملي قهوة أصلًا؟
أه. هعمل، قالتها وهي تتحرَّك نحو شرفة الغرفة تحاول أن تجد مساحةً للتنفُّس، لكن كلَّ خطوةٍ كانت تثقل صدرها أكثر.

وقفت والهواء البارد من الشرفة يصطدم بها، لكنَّها شعرت بأنَّ قلبها يضرب بسرعة، وكأنَّ كلَّ شيءٍ حولها يضغط عليها. صوته في أذنيها، كلمات الخادمة، نصائح ضي، اعترافه بحبِّه لكارما، كلُّ التفاصيل الصغيرة تتحوَّل إلى صدى يوجع قلبها، حاولت التنفُّس ببطء، لكنَّ الغصَّة لم تفارق حلقها.
دلف خلفها، وأردف بصوتٍ خافت: ادخلي، الجوِّ برد.

مالكش دعوة، صاحت بغضب وهي تحاول أن تمنع الدموع من الانفجار، شعرت بأنَّ جسدها يهتزُّ بين الغضب والخوف والعجز.
جلس بالقرب منها محاولًا الحديث إليها: وبعدين بقى، إيه. مش عارف أتكلِّم معاكي؟
جلست ساكنة، لم تردّ عليه. أمسك كفَّيها بين راحتيه: إيه رأيك نرجع زي الأوَّل، انسي إنِّنا اتجوِّزنا.
ممكن تسبني لوحدي، عايزة أقعد مع نفسي
رولا الجوِّ برد، وهدومك خفيفة.

سبني لوحدي يا بلال. ولا لازم تحكُّماتك علشان تعرَّفني إنَّك مسيطر عليَّ
نهض ينفخ بضجرٍ خانق: مش هردِّ عليكي.

مرَّت الساعات ببطءٍ مميت، كلُّ ثانية كانت كأنَّها صخرةً ثقيلةً على صدرها، كلمات الخادمة تعيد نفسها في ذهنها، ونبرة صوته وهو مليء بالحنان، شعرت بانهيار عالمها بالكامل.

رفعت كفَّيها على أذنيها، محاولةً أن توقف الضجيج من الداخل والخارج، لكنَّها شعرت بأنَّ قلبها يتقطَّع، كلُّ شعورِ مختلطٍ بين الألم والغضب والخذلان، كلُّ شيءٍ حولها أصبح ضبابيًّا كأنَّها داخل عالمٍ آخر، حيث الصوت والصمت يختلطان، والحزن والغضب يتصارعان في كلِّ خليَّةٍ من جسدها.
لتهوى على الأرضيَّة الباردة تبكي بارتجاف جسدها، دفع الباب ودلف إليها يحملها من على الأرض: اهدي خلاص.

انتفض جسدها من البرد، تهمس دون وعي: بلال أنا بردانة أوي.
سحب غطاءً ثقيلًا ووضعه فوقها، وخرج سريعًا يحضر لها بعض الأدوية بعد شعوره بحرارتها. رفع رأسها بهدوء وساعدها على تناول الدواء: رولا. يالَّه حبيبتي خدي الدوا جسمك سخن. مدَّت كفَّها المرتجف تأخذ الكوب، ساعدها بارتشاف المياه مع أخذ الأدوية. ارتفعت حرارتها رغم تناولها الدواء، تحرَّك وأحضر إليها كمَّادات لخفض حرارتها، جلس بجوارها يضعها على رأسها.

همست بأنينٍ مرتجف: سقعانة.
تمدَّد بجوارها ورفع رأسها على صدره، لفَّ ذراعيه حولها بتملُّك. همهمت من حرارتها: بلال. قالتها بتقطُّع.
قبَّل جبينها وهمس بأذنها: شوية وهتدفي، الدوا هياخد مفعوله كمان وهتبقي كويسة. نامي أنا جنبك.
همست ماجعل قلبه يخترق صدره: بحبَّك.

صباح اليوم التالي.

فتحت عيناها، أزاحت كفَّيه وقالت بنبرة صوتها المريض: زهقت وسَّع بقى.
مش عايز أسمع صوتك يا بت، تستاهلي علشان تعاندين تباتي في البلكونة في الشتا يا غبية.
اعتدلت متأوِّهة: وأنا أعاندك ليه؟

نهض وأحضر دواءها: خدي الدوا دا كمان، هتنامي وتعرقي هتصحي كويسة.
مش عايزة دوا.
مش بمزاجك، إنتي هنا مالكيش كلمة.
طيِّب اطلع برَّة أوضتي يالَّه.
جزَّ على أسنانه ينظر بساعته: قدَّامك عشر دقايق لو منمتيش هنيِّمك بطريقتي، نامي، مش كفاية سهران طول الليل جنبك.

تمدَّدت تسبُّه: ربِّنا على المفتري والظالم.
يارب يا ختي، نامي وإن شاء الله ربِّنا يتقبَّل دعوتك.
يارب تسقط يا بلال في الرسالة.
يارب يا ختي، علشان نمدِّد فترة جوازنا الفالصو.
يعني إيه؟
اقترب يضع قياس الحرارة، ونظر لعينيها بشقاوة:
أصلي كتبت في اتفاقيِّة الجواز. هنطلَّق بعد ماآخد الدكتوراه، وبما إنِّي هسقط، فإنتي مش هتطلَّقي ياروليتا.
رفعت حاجبها ساخرة: وياترى إنتَ شايف دا حلو ولَّا وحش؟

صمت ينظر إليها بهدوء: إنتي شيفاه إيه؟
زفت على دماغك إنتَ ويوسف، ربِّنا ياخدكم أنتوا الاتنين في ساعة واحدة.
نهض بعدما ألقى مابيده: تصدَّقي إنتي مالكيش غير حقنة العضل، وحياة رحمة أبويا لتخديها.
جحظت عيناها، فهبَّت من مكانها: حقنة إيه، إنتَ هتعمل عليَّ دكتور ولَّا إيه؟
دفعت الغطاء تصرخ وتشير إليه بعدما أخرج من أدويتها الإبرة: والله لو قرَّبت منِّي لأصوَّت وألمِّ عليك الكمبوند.

صوَّتي يا لولو، هيقولوا عريس بيصبَّح على عروسته. دا إنتي بدَّعتي إمبارح، كان ناقص تخلَّعيني هدومي.
توسعت عيناها بذهول
قصدك ايه
اقترب منها وحاوط جسدها بذراعه
قولتي كتير ياروليتا
ارتجفت بين ذراعيه. بلعت ريقها بصعوبة.

بلال ابعد، رغم انها نطقتها ولكن تمنت الا يبتعد، تمنت هذا القرب، فقد سيطرته وكلماته ترنو بأذنه، طالعها بنظرات تفترس ملامحها الجميلة، يمرر انامله على وجنتيها الناعمة، انحنى دون سيطرة مع ارتفاع دقاتها بصخب، تهمس اسمه بنبرة متكسرة
بلال.

بمنزل يزن.

دلفت الى غرفته ووضعت احد الثعابين المصطنعة على الوسادة وقامت بتشغيل الجهاز، ليتحرك على وجهه. كان غارقا بنومه. دفعه بكفه، فاعادته مرة اخرى. كتمت ضحكاتها، فتح عيناه حينما شعر بشيئا يتحرك، هب يصرخ ظنا انه حقيقي. ضحكت بصوت مرتفع
استدار يرمقها بغضب
ايه دا
اقتربت منه ومازالت تضحك، خطى اليها يشيربسبباته
بطلي ضحك
هزت رأسها، وضحكاته الطفولية غطت على المكان، دنا اليها بخطوات غاضبة، لتتراجع للخلف.

خلاص. خلاص بقى كنت بهزر
انحنى لمستواها يتحدث بغضب
سدن مبحبش الهزار دا
امسكت ذراعيه
خلاص انا اهزر اسر
دفعها يسحب ذراعيه بغضب، لتهوى على الفراش، وهي تحاول ان تتشبث به، ولكنه سقط فوقها بدخول اسيا التي توقفت على الباب تنظر اليهما مع ارتفاع ضحكاتهما.

بعد أسبوعين.

خرج يتجوَّل في الشوارع بلا هُدى، قدماه تقودانه بينما روحه تائهة خلفه.
مازال صدى مااستمع إليه ينهش روحه بلا رحمة، سؤال واحد يطارده بإلحاحٍ قاتل: هل ستزول سعادتي إلى الأبد؟

جلس على إحدى الأرائك المطلَّة على النيل بعدما أنهكه التعب، يحدِّق في المياه بشرودٍ طويل. كانت حياته منذ أن كان طفلًا وحتى هذه اللحظة تتحرَّك أمام ناظريه كأنَّها مشاهد لفيلمٍ سينمائيٍّ مدمِّرٍ للروح، لا يمنحه فرصةً لإيقاف العرض أو الهروب منه.
أرجع رأسه للخلف مستندًا إلى المقعد، ارتفعت عيناه نحو السماء، كأنَّه يناجي ربَّه بصمتٍ موجوع: لقد زهقت روحي ياالله.

لم ينقطع رنين هاتفه، لم يعد يعلم عدد المرَّات التي اهتزَّ فيها بين كفَّيه، لكنَّه لم يملك طاقةً للرد. ظلَّ على حاله لساعاتٍ حتى انتصف الليل، والمدينة من حوله تهدأ بينما العاصفة داخله تزداد شراسة.
نهض أخيرًا يجرُّ ساقيه بصعوبة، كأنَّما يتحرَّك فوق أشواكٍ ناريَّة، كلُّ خطوةٍ تؤلمه، دقائق ثقيلة حتى وصل إلى منزله ليقابله صديقه بقلقٍ واضح: كنت فين من الصبح، الكلِّ قلقان عليك، وإزاي تختفي في يوم زي ده؟

تحرَّك مبتعدًا، ربت على كتفه بصمتٍ دون أن ينطق بحرف، بينما ظلَّ الآخر يراقب خطواته بعدم استيعاب، إلى أن أوقفه صوت والده الغاضب، يصرخ فيه: كنت فين، اتَّصلت بيك كام مرَّة وما ردِّتش ليه؟ إنتَ عارف النهاردة كان إيه؟
آسف
نطقها بثقلٍ شديد، وكأنَّ الكلمة أكبر من طاقته، أبعد نظراته عن والده، ثم تحرَّك خطوتين لكن والده أوقفه مجدَّدًا: إنتَ مالك، إيه اللي حصل لك؟
عايز أنام، مرهق بس.

قالها وانسحب من أمام والده دون حديثٍ آخر، ظلَّت نظرات إلياس عليه إلى أن اختفى.
يوسف جه يا عمُّو؟
أه. شوفيه ماله.
ليه ماله؟ قالتها وتحرَّكت متجهةً إلى منزلها.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة