قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الستون

كلماتٌ تفوَّه بها، فكانت كبركانٍ انفجر في صدرها.
رغم أنَّها هي من طلبت الطلاق، لم تكن تعلم أنَّه سيفعلها حقًا.
التقت نظراتهما لثوانٍ، لكنَّها مرَّت عليهما كعقودٍ كاملة.
نظراتٌ تحكي كمَّ الألم الذي ينهش كليهما.
تراجع بلال خطوةً إلى الخلف وغادر المكان سريعًا.
يكفي مايشعر به يكفي انكسار رجولته أمام الجميع.
تحرَّك يوسف خلفه، بينما تمتمت هي بصوتٍ متهدِّج، بالكاد يُسمع: طلَّقني
قالتها والدموع تخنق صوتها.

اقتربت رحيل من ابنتها، وعيناها تغرورقان بالدموع، بينما بدأت الهمهمات تعلو من حولهم: كيف. ولماذا؟
فجأة خانتها ساقاها وهوت إلى الأرض، وانفجرت الدموع من عينيها بلا سيطرة.
تحرَّك الجميع، إلَّا رحيل ويزن وميرال.
جلست رحيل بجوار ابنتها، وسحبتها إلى أحضانها. هنا، لم يبقَ سوى صوت البكاء.
ارتفع نشيجها بقوَّة، حتى أنَّ من يراها الآن لا يصدِّق أنَّها هي نفسها التي كانت تصرخ منذ دقائق أمام الجميع.
— آآه.

صرخة خرجت منها وهي تختبئ في حضن والدتها كطفلةٍ تائهة.
اقتربت ميرال وجلست على الجانب الآخر، تمسِّد على ظهرها برفق: اهدي يا حبيبتي لحظة شيطان، إن شاء الله الأمور ترجع زي ماكانت بلال بيحبِّك.
عندها. رفعت رأسها فجأة.
كأنَّ كلمات ميرال أيقظت فيها شيئًا آخر شيئًا أشبه بالتمرُّد.
ابتعدت عن والدتها ونهضت ببطء.
نظرت إلى والدها نظرةً تحمل من المشاعر مالا يُوصف؛ ألم. خذلان. وجع وغضبٌ لا تعرف كيف تسمِّيه.

كانت تشعر برغبةٍ عارمةٍ في أن تحرق الكون بما فيه.
ركضت نحو منزل والدها، نهضت رحيل خلفها، لكن يزن أوقفها: سِيبها مش عايز كلمة واحدة.
اقتربت رحيل منه بصدمة، وعيناها ممتلئتانِ بالرجاء: برضو يا يزن، هتفضل سايبها كده لحدِّ إمتى؟ البنت ضاعت، شوف بنتك وصلت لإيه. اتطلَّقت وهيَّ لسه عروسة!
نظر إليها يزن نظرةً باردة تخفي خلفها ألمًا عميقًا: رحيل هتكدبي الكذبة وتصدَّقيها؟

الجواز من أوِّله كان غلط. حتى بعد ماعرفت إنَّها سليمة. وقبل يكمِّل معاها برغم اللي حصل، بس هيَّ عملت إيه، أنا غلطت ولازم أصلَّح غلطي.
بنتك لازم تفوق وتعرف غلطها، دي مش عيِّلة دي كبيرة وواعية، وأنا السبب لأنِّي دلَّعتها.
يزن
أشار بيده بحسم: قولت مش عايز كلمة.
تدخَّلت ميرال بنبرةٍ حائرة: أنا مش فاهمة حاجة جواز إيه اللي غلط! هوَّ في إيه؟
تبادلت رحيل النظرات معهم، ثم انسحبت بصمتٍ مثقل.
عند بلال.

اندفع بلال إلى منزل والده كالإعصار، ويوسف خلفه محاولًا اللحاق به، لكن الغضب كان قد أعماه عن رؤية أي شيء.
لم يشعر بمن حوله لم يسمع صوتًا كان يسمع فقط صوت الكلمات التي خرجت من فمه منذ قليل، تتردَّد داخل رأسه كصفعاتٍ متتالية: إنتِ طالق.
رآه أرسلان على تلك الحالة، فقبض على ذراع يوسف بقلقٍ واضح: في إيه، ماله، وكان فين. ليه محضرش كتب الكتاب؟
أجابه يوسف بصوتٍ مختنق: بعدين يا عمُّو.

لحظات قليلة ودوى صوت التحطيم في أرجاء المنزل.
لم يكن يُحطِّم الأشياء كان يُفرغ غضبه وآلامه التي تحرق داخله، تحطَّمت الغرفة بالكامل، زجاجٌ يتناثر، قطع أثاث تُقذف، وكلُّ شيءٍ حوله تحوَّل إلى شظايا كقلبه تمامًا.
ركضت غرام من الدَّاخل، وتوقَّفت عند الباب بصدمة، شهقة حادَّة خرجت منها وهي ترى الغرفة قد صارت خرابًا.

انهار جسده فهوى على الارضية بحالةٍ مزرية بأنفاسٍ متقطِّعة، صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه حمراوان كأنَّهما تحترقان.
اقتربت منه بحذر، كأنَّها تقترب من شخصٍ لا تعرفه.
نظرت إلى يوسف بقلقٍ مرتجف: حصل إيه؟
ابتلع يوسف ريقه بصعوبة: طلَّق رولا.
وضعت يدها على صدرها بفزع: يا مصيبتي ليه طلَّقت مراتك في شهر عسلها يا بلال؟
رفع عينيه إليها ببطء، نظرة مرهقة، مكسورة، مليئة بندمٍ لم يستطع إخفائه.

نظرةُ رجاءٍ تصرخ أريد أن أبكي داخل أحضانك ياأمِّي.
اقتربت منه وجلست أمامه: ليه يا بني، ليه تخلِّي الشيطان يأثَّر عليك؟
قاطعها يوسف بعدما وجد انهياره بالكامل: طنط غرام، بعد إذنك مش دلوقتي.
وصلت ضي على كلمات يوسف، توقَّفت عند الباب، نظرت إلى الفوضى، ثم إلى أخيها الجالس كطفلٍ ضائعٍ وسط الركام.
ثم نقلت بصرها إلى والدها.

قالت بهدوءٍ يحمل غضبًا موجعًا: أنا مش هغلَّط رولا لوحدها يا بلال لأنَّك إنتَ الغلطان الأكبر.
لم يرفع رأسه، ظلَّ كما هو على حاله، اتَّجه يوسف إليها بغضب: ممكن تسكتي وتروحي.
نظرت إلى بلال، ثم أعادت عينيها إليه بثباتٍ أقسى من الصراخ كأنَّها توجِّه إليه الكلام: الستِّ لمَّا تحس بالقهر من شريك حياتها بتعمل أكتر من كده.

ابتعدت بنظراتها ورفعت صوتها قليلًا، لكنَّه كان يرتجف: الوجع والتخبُّط بيعمل أكتر من كدا، مين ترضى إنِّ جوزها يعمل كدا وهيَّ لسة عروسة، غير إنتَ خبِّيت عليها، مفيش حاجة اسمها جواز صوري. رمقها يوسف بنظرة لم تفهم معناها، لكنَّها سكتت لأنَّها رأت ملامحه تتغيَّر، اقتربت من أخيها ووضعت كفَّيها على ساقيه، كأنَّها تربت على قلبه: اعذرها يا بلال، رولا معذورة وموجوعة، صدَّقني وجع الستِّ من جوزها وإحساسها بالغدر وحش أوي. إنتَ دبحتها، اتجوِّزت عليها.

رفع عيناه إليها. دمعت عيناها حين
رأت ندمًا قاتلًا يحرقه.
هوَّ إيه اللي بيحصل، جواز إيه اللي بتقول عليه ضي؟ قالتها غرام بضياع.
نهضت من مكانها تنظر إلى زوجها: إيه اللي بيحصل يا أرسلان؟
كلُّه يطلع برَّة، سبوني مع بلال شوية.
عمُّو لو سمحت مش وقت كلام دلوقتي.

قولت كلُّه يطلع برَّة، لمَّا أشوف ابني بيخطَّط لإيه، اقترب منه ونظر إليه: طلَّقت مراتك ليه يا بلال، وليه ماقولتش إنَّك طلَّقت البنت التانية، ليه دمَّرت حياتك.

طالعه يوسف بصدمة: بس هوَّ مطلَّقش كارما يا عمُّو، ورولا سقَّطت البيبي.
شهقت غرام تنظر لابنها بضياع: إنتَ متجوِّز غير رولا، رد قولِّي، إنتَ متجوِّز على رولا، طيب ليه اتجوِّزتها من الأوَّل؟!
التفتت إلى يوسف: رولا سقَّطت البيبي، ولَّا التانية، أنتوا بتقولوا إيه، بلال متجوِّز غير رولا إزاي؟!
التفتت إلى أرسلان: ابنك متجوِّز وكنت عارف وخبِّيت عليَّ، طيب ليه، قولِّي يا أبو ولادي!

نهض بلال من مكانه وتحرَّك للخارج بخطواتٍ مترنِّحة، لا يريد أن يسمع شيئًا، يكفي مايشعر به.
ركضت خلفه ضي: بلال اسمعني. لكنَّه استقلَّ سيارته وقادها بسرعةٍ جنونية وخرج من الكمبوند بأكمله.

استدارت عائدةً إلى الداخل بخطواتٍ مرتبكة، حزينة تتخبَّط بسيرها.
في تلك اللحظة، خرج يوسف متَّجهًا إلى منزل والده.
يوسف.
توقَّف فجأة. كوَّر قبضته بقوَّة حتى ابيضَّت مفاصله. لا يريد أن يُحزنها ولا يريد أن يفتح جرحًا لا يعرف كيف سيغلقه.
ولا يريد أن يتكلَّم.
اقتربت منه ببطء، وعيناها معلَّقتان به كأنَّهما تطاردانه أينما حاول أن يهرب.
اقتربت تردف بصوتٍ مبحوحٍ من القهر: ليه رولا قالت الكلام ده؟

التفت إليها، يطالعها بألمٍ اختزل العالم أجمع: روحي اسأليها.
دنت أكثر، حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسٍ متداخلة.

لأ أنا بسألك إنتَ.
ليه رولا قالت كده. زفر مبتعدًا بأنظاره.
أمسكت بذراعه تنظر إليه برجاء:
ليه بتهرب؟
ليه كل ماأصدَّقك في حاجة ترجع تهزِّ ثقتي فيك من جديد؟
أغمض عينيه لحظة، وكأنَّ كلماتها تضغط على صدره حتى يكاد يختنق، فردَّ بنبرةٍ مختنقة: ماعنديش كلام تاني أقوله ارحميني بقى، لا ده وقته ولا مكانه.
تحرَّك محاولًا الإفلات، لكنَّها أوقفته.

توقَّفت أمامه باصرارٍ مختلطٍ بالوجع: وأنا مش هصدَّقك غير لمَّا نروح للدكتور.
نظر إليها نظرةً طويلة، باردة من الخارج، مشتعلة من الداخل:
براحتك تصدَّقي ولَّا لأ إنتِ حرَّة.
بصق الكلمات. وخرجت كأنَّها شظايا، لا حروف.
شعر لحظتها أنَّها تحرق روحه قبل أن تصل إليها.
دخل إلى الداخل، فوجد الجوَّ مشحونًا، والوجوه متوتِّرة، والأنفاس متلاحقة.
الكل كأنّّه ينتظر انفجارًا وشيكًا.
صاحت فريدة بغضب: يعني إيه متجوِّز؟

وإيه الكلام اللي مايدخلش عقل ده؟
مرَّ من جوارها دون أن ينظر، كأنَّ الوقوف سيُسقطه. فاستمع إلى حديث إلياس: ماما لو سمحتي أنا فيَّ اللي مكفيني. لازم أشوف أرسلان.
اتَّجهت نظراتها سريعًا إلى ميرال: كنتِ تعرفي؟
نظرت ميرال إلى إلياس، وعيناها ممتلئتان بمرارة ألمٍ تحاول إخفاءها.
فاجأبتها بوجعٍ ساخر: هاعرف منين
ماأنا جوزي بيعتبرني مش من العيلة.

صرخ بانفجار: بااااس، مش عايز ولا كلمة!
النهاردة كان كتب كتاب البت اطلعي شوفي بنتك.
ومش عايز كلام عبيط يتقال هنا.
صاحت فريدة بحدَّة: إلياس! إيه داخل في الكلِّ ليه يا كبير العيلة؟!
إزاي سمحت بحاجة زي دي تحصل؟
ترضاها على بنتك، البنت لسة مكمِّلة شهرين.
ماما إنتِ مش فاهمة حاجة.
قالها ومشى للخارج بخطواتٍ سريعة، كأنَّه يهرب من نارٍ مشتعلة خلفه.
رمقت فريدة يوسف بنظرةٍ حادَّة، مشحونة بالاتِّهام.

وإنتَ يا دكتور
كنت تعرف إنِّ ابن عمَّك متجوِّز على بنت عمُّه في شهر عسلها؟
قبل أن يرد، دخلت ضي مسرعة، وقطعت الحديث بصوتٍ مرتجفٍ لكنَّه عالٍ:
تيتا اسألي الدكتور ليه لسه رافض يجيب أطفال.

أغمض يوسف عينيه.
شعر وكأنَّ الهواء انسحب من صدره دفعةً واحدة. كأنَّ الكلمات لا تُقال بل تُغرسُ داخله كسكاكين.
اقتربت ضي منه، وانحنت قليلًا لتنظر في وجهه: رد على جدِّتك يا دكتور
بلاش تقولِّي أنا.
قولَّها هيَّ.
قولَّها إنِّي مااستاهلش يبقى عندي أطفال علشان اتجوِّزتني غصب عنَّك.
كانت كلماتها تسقط عليه كصفعاتٍ متتالية.
لم يحتمل.
هبّ من مكانه فجأة، وخرج دون أن ينطق بحرف.

وقفت ميرال مكانها، تتابع ابنها بنظراتٍ مذبوحة. قلبها يصرخ باسمه، لكن صوتها خانها.
توقَّفت ميرال أمامها وأردفت بألمٍ مكتوم: ضي، ده وقته؟ كفاية موضوع بلال.
طالعتها بعيونٍ منكسرة وقلبٍ يصرخ.
بكت، واقتربت منها كطفلةٍ تبحث عن حضن ينقذها:
أنا موجوعة يا طنط موجوعة أوي.
لمَّا الستِّ تحس إنِّ جوزها رافض يجيب منها أطفال بتندبح.
وضعت يدها على صدرها كأنَّ الألم يسكن هناك: قلبي واجعني، ذنبي إيه، علشان حبِّيته؟

رفعت عينيها الغارقتين بالدموع: أنا بحبِّه أوي
ونفسي يحسِّ بيَّا. نفسي يحبِّني زي مابحبُّه.

شعرت ميرال بوخزة ألمٍ حادَّة في قلبها على فلذة كبدها، كانت تعلم جيِّدًا أنَّه يخفي أمرًا ما أمرًا ينهشه من الداخل في صمت.
مسحت دموعها سريعًا، واحتضنت وجه ضي بين كفَّيها بحنانٍ مرتجف: حبيبتي، مش اتكلِّمنا في الموضوع ده، وقلنا نصبر شوية ليه رجعتي تفتحيه تاني؟

تنهَّدت وهي تلتفت نحو فريدة، تابعت حديثها بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحزن والألم: جوزِك بيحبِّك، ادِّيله وقت يا بنتي. يوسف كتوم ومش هيقول اللي جوَّاه بسهولة.
ابتعدت ضي عن أحضانها وقد لمعت عيناها بعنادٍ موجوع: أنا اللي أعرفه إنِّ مفيش راجل بيحبِّ مراته وعايز يكمِّل معاها يرفض الأطفال، لازم أعرف هوَّ عايز إيه.
قالتها وغادرت المنزل بخطواتٍ مضطَّربة.

جلست ميرال مكانها، تضمُّ رأسها بين كفَّيها كأنَّها تحاول كبح دموعها.
اقتربت فريدة منها، جلست بجوارها، وربتت على ظهرها برفقٍ مطمئن: كلُّه هيعدِّي يا حبيبتي هكلِّم إلياس يكلِّمه، ويشوف ليه رافض.
رفعت ميرال رأسها ببطء، وعيناها محمَّلتان بوجعٍ: هوَّ مش رافض يا ماما
قطبت فريدة جبينها باستفهام.

تنهَّدت ميرال، ونظرتها تائهة في الفراغ، وألمٌ ثقيلٌ يقبض على صدرها: حاسَّة إنِّ عنده مانع ابني بيتوجع يا ماما ومش بيحكي.
أومأت فريدة ببطء، وقالت بصوتٍ خافت: أنا كمان حاسَّة إنُّه بيعاني من حاجة.
ثم أردفت برفق: قومي اطلعي لبنتك متخلِّيهاش تحسِّ بحاجة، الليلة كانت ليلتها بلاش تتنكِّد هيَّ كمان.
أومأت ميرال ونهضت، تتَّجه إلى الأعلى بخطواتٍ مثقلة.
بالأعلى قبل قليل.
جلست على فراشها بعد ذهاب حمزة.

أخرجت هاتفها تتأمَّل صورهما معًا لهذه الليلة، وابتسامة دافئة ارتسمت فوق شفتيها دون وعي.
انسحبت بذاكرتها إلى تلك القبلة
أغمضت عينيها، وشعرت برجفةٍ ناعمة تسري في جسدها مع استعادة الإحساس، وكأنَّ لمسة شفتيه مازالت عالقة فوق ثغرها وكأنَّ دفء أنفاسه لم يغادرها بعد.
رفعت يدها تلامس شفتيها بخفَّة، وابتسمت ببراءةٍ حالمة كأنَّه يقف أمامها الآن.

فتحت عينيها ببطء، ووجَّهت نظرها نحو شاشة جهازها، تتذكَّر هديته هو ويوسف.
كان قد جمع صورها منذ طفولتها من ضفائرها الصغيرة وابتسامتها الخجولة، حتى صورة تكريمها في الثانوية، وصنع لها منها مقطعًا مصوَّرًا.
ابتسامة دافئة لمعت في عينيها وهي تتنقَّل بين الصور.
توقَّفت أصابعها فجأة عند صورة قديمة كانت ترتدي فيها مايوه السباحة، طفلة لم تتجاوز العاشرة.
تورَّدت وجنتاها، ليس خجلًا من الصورة بل من الذكرى.

تذكَّرت نبرته وهو يمازحها عن جسدها الصغير آنذاك، وكيف جعلها تضحك وتختبئ في الوقت نفسه.
أغمضت عينيها وهمست لنفسها بخجلٍ رقيق: كده يا يوسف تخلِّيه يضحك عليَّ؟
رنَّ هاتفها. رجفة دافئة سرت في جسدها وهي ترى اسمه يضيء الشاشة كما أضاء قلبها.
رفعت الهاتف بأنامل مرتعشة: ألو
جاءها صوته محمَّلًا بالشوق، دافئًا بشكلٍ أربكها: وحشتيني يا حبيبي.
أغمضت عينيها فورًا، كأنَّ صوته وحده يكفي ليذيب المسافة بينهما.

تنهَّدت وهمست، وصوتها بالكاد يُسمع: وإنتَ كمان
تنفَّس بعمق، وكأنَّه يحاول أن يلمسها بأنفاسه: وإنتِ إيه يا شمسي حنِّي على قلب حمزة اللي جنِّنتيه.
ابتسمت دون وعي، وقلبها يخفق بعنف: وإنتَ كمان وحشتني يا حمزة
توقَّف لحظة، ثم قال بنبرةٍ فيها عتابٍ مدلَّل: حمزة؟
فهمت مايقصده، ورغم ذلك صمتت
فأكمل بصوتٍ خافت راجٍ: ده أنا مسافر الصبح وقدَّامي شهر كامل من غيرك، شهر هيبقى طويل أوي يا شمس. حياتي كلَّها هتضلم.

لان صوتها وهي ترد: بعد الشر عليك متقولش كده، إن شاء الله حياتك تفضل منوَّرة.
همس فورًا: بوجودك يا حبيبة حمزة
خرجت كلماتها هذه المرَّة من قلبها قبل لسانها: وحياتي أنا كمان منوَّرة بوجودك يا حبيب شمس. شعرت بتهوُّرها.
سكتا الاثنين لكن صوتًا آخر. صوتًا ممتلئًا بأنفاسٍ متلاحقة، وخفقات قلوبٍ تُسمع عبر المسافة.
همس بعدها، وأردف بصوتٍ أشبه للهمس: قوليها تاني يا شمس
ضغطت على شفتيها، وقلبها يرتبك: إنتَ عندك شك؟

لا بس عايز أسمعها من شفايفك. الشفايف اللي خلِّتني ضعيف قدَّامك. بقيت مش عايز غير إنِّك تكوني بين إيديَّا.
اشتعل وجهها خجلًا: حمزة بلاش الكلام ده، بتكسف.
ضحك بخفوت، ونبرة صوته صارت أحنّ: بتتكسفي من جوزِك يا شمسي؟
توقَّفت الكلمة داخلها
جوزِك.
ردَّدتها بداخلها بذهولٍ حلو.
جوزي كلمة بسيطة لكنَّها هزَّت قلبها من الداخل.
همست بها دون أن تشعر: جوزي.

رغم أنَّها قالتها بهمس إلَّا أنَّ أذنه التقطتها، وكأنَّه كان ينتظرها: آه جوزِك وملكِك يا روح حمزة.
ارتجف قلبها بين ضلوعها
وفي تلك اللحظة تحديدًا، فُتح الباب.
دخلت ميرال.
فهبَّت شمس واقفة فجأة، وكأنَّها أُمسكت متلبِّسة بمشاعرها.

توقَّفت ميرال تنظر إلى ابنتها بتردُّد، نظرة أم تحمل في داخلها وجعًا لا يُرى. حاولت أن تبتسم رغم الثقل الذي يسكن صدرها بسبب ابنها، لكن براءة شمس كانت كفيلة بأن تزيح من فوق قلبها بعض هذا الألم، ولو قليلًا
استمعت إلى صوت حمزة عبر الهاتف: حبيبتي، روحتي فين؟

ارتبكت شمس، نظرت إلى والدتها في قلقٍ طفوليّ، ثم إلى الهاتف، لم تعرف ماذا تفعل. ابتسمت ميرال لها ابتسامة هادئة مطمئنَّة، وأشارت برأسها: ردِّي يا حبيبتي على خطيبك، وأنا هستنَّاكي في البلكونة.
أومأت شمس بخجل، بينما خرجت ميرال إلى الشرفة. وقفت تستقبل هواء الليل، ومازالت ابتسامتها معلَّقة على شفتيها بسبب براءة ابنتها التي لا تعرف شيئًا عن ثقل الدنيا.
أيوه يا حمزة، لازم أقفل، ماما جت.

تمام يا حبيبتي، تصبحي على خير.
خرجت شمس، فوجدت والدتها جالسة تنظر إلى السماء بشرود، كأنَّها تبحث بين النجوم عن راحةٍ لقلبها.
ماما...
رفعت ميرال عينيها ببطء نحو ابنتها. لم تقل شيئًا، فقط أشارت إلى المقعد بجوارها، جلست شمس، فسحبتها ميرال تحت ذراعها، كأنَّها تختبئ داخل حضن ابنتها من همومها: ماما، مالك يا حبيبتي؟

أمسكت بكفِّ ابنتها بين يديها، وضغطت عليها بحنان وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديًّا: قولي لي عملتي إيه إنتِ وحمزة بعد ماخرجتوا؟ مش عايزة تخبِّي على ماما حاجة.
وضعت شمس رأسها على كتف والدتها، وبدأت تقصُّ لها ماحدث، كانت ميرال تستمع لها بإنصات.
فجأةً رفعت شمس رأسها بحماس: فيه حاجة حمزة جابهالي، وعايزة تقولي رأيك فيها.

أومأت لها ميرال بابتسامةٍ دافئة. نهضت شمس مسرعة إلى الداخل، وبعد لحظات عادت تحمل علبة مجوهرات فاخرة، وضعتها أمام والدتها بحماسٍ طفولي، وفتحتها، أخرجت طقمًا من الألماس الحر، يلمع تحت ضوء الشرفة: شفتي شكله يا ماما؟
مدَّت ميرال يدها ببطء، تتأمَّله بين أصابعها، ولمعت عيناها للحظة: شمس، جايب لك طقم على هيئة شمس.
ابتسمت شمس بسعادةٍ صافية: إيه رأيك فيه يا ماما؟

كان الطقم أشبه بقطعةٍ فنيَّة صُنعت بعناية لتُشبه شمسًا حقيقيَّة، لا مجرَّد شكل، يحتوي على عقدٍ جاء على هيئة شمس كاملة، تتوسَّطه دائرة من الألماس الصافي الكبير، مقطوع بدقَّة عالية تجعل كلَّ وجهٍ فيه يعكس الضوء وكأنَّه شرارة حيَّة، ومن حولها امتدَّت أشعة رفيعة متناسقة، كلُّ شعاعٍ مرصَّع بأحجار ألماسٍ أصغر حجمًا، مصطفَّة بإتقان يجعلها تبدو كخيوط ضوءٍ حقيقية تنبثق من القلب.

لم تكن الأشعة مستقيمة تقليدية، بل منحنية بانسيابية رقيقة، وكأنَّها تتحرَّك فعلًا، فتمنح التصميم حياةً وأناقة نادرة؛ يحتوي كذلك على سلسلة رفيعة للغاية من الذهب الأبيض اللامع، بالكاد تُرى، حتى يبدو وكأنَّ الشمس الماسيَّة معلَّقة على عنق من ترتديها بلا وسيط.
أمَّا القرطان، فجاءا على نفس الفكرة: شمسٌ صغيرة متوهِّجة، تتدلَّى منها أشعة قصيرة تلمع مع كلِّ حركة، فتجذب النظر دون مبالغة.

ولا ننسى الخاتم الذي كان الأكثر فخامة؛ شمس مصغَّرة تلتفُّ أشعتها حول الإصبع، مرصَّعة بألماسٍ دقيق، تتوسَّطه ماسة أكبر تعكس الضوء بطريقةٍ تأسر العين.
الطقم كلُّه كان يصرخ بفخامته، فخامة يعرفها من يفهم قيمة الألماس الحقيقي، ويقدِّر دقَّة التصميم الذي صُنع خصيصًا ليكون رمزًا لاسمها شمس.

الوصف دا حبيباتي من جوجل، أه وحياة النعمة، معنديش خبرة أنا في المجوهرات ????. ظلَّت ميرال تتفحَّص الطقم إلى أن نطقت شمس: ماقولتيش رأيك يا ماما؟

نظرت لها ميرال نظرةً طويلة، وقالت: حلو طبعًا يا حبيبتي، بس المهمِّ مش رأيي أنا، المهمِّ يكون عجب شمس حمزة، المهمِّ تكوني إنتِ مقتنعة بيه. وحتى لو قلت لك مش عاجبني، اسمعي نصيحة من ماما. أوعي في يوم تعيِّبي في حاجة يجيبهالك. اشكريه وحبِّيها، حتى لو كانت ورقة فاضية، يكفي إنُّه فكَّر فيكِ، واهتم إنُّه يسعدك.
اقتربت شمس بسرعة وقبَّلت والدتها بحب: إنتِ أحسن أم في الدنيا.

ضحكت ميرال بخفَّة، لكن عينيها امتلأتا بدموع لم ترد أن تسقط: وإنتِ أحسن شمس في حياتنا. شموس، ماليش غيرك إنتِ وأخوكي. عايزاكي دايمًا تبقي سعيدة يا حبيبتي، حمزة بيحبِّك أوي، وعارفة إنُّه كتب كتابكم وبقى جوزك، لكن رغم كده، لازم يكون فيه حدود بينكم. فهماني يا شموسة؟
أومأت شمس بثقة ووضعت يدها على يد والدتها: ماتخافيش يا ماما، عمري ماأخذلك إنتِ وبابا أبدًا.

مسَّدت ميرال على شعرها بحنان، وضمَّتها إلى صدرها وكأنَّها تريد أن تخبِّئها من الدنيا كلَّها: ربِّنا يسعدك يا حبيبتي، قومي نامي. اليوم كان متعب أوي.
ظلَّت ميرال جالسة بعدها للحظات، تنظر إلى السماء مرَّةً أخرى، إلى أن هدأ قلبها قليلًا، لأنَّ شمسها مازالت تضيء حياتها.
بمنزل يزن.

دلفت إلى الداخل وأغلقت الغرفة خلفها، ثم هوت على الأرض تبكي بنحيبٍ مكتوم، واضعةً كفَّيها على فمها حتى لا يخرج صوتها فضيحةً لوجعها: هونت عليك يا بلال، هونت عليك تكسر قلبي؟
ضربت على صدرها بقوَّة، كأنَّها تعاتب قلبها قبل أن تعاتبه هو: ليه حبِّيته؟! متخلِّفة أنا واحدة متخلِّفة.

دفنت رأسها بين ركبتيها، وانفجر بكاؤها عاليًا هذه المرَّة، عاجزًا عن الاختباء، طرقات على باب غرفتها: رولا، افتحي الباب يا حبيبتي خلِّينا نتكلِّم.
لكنَّها لم ترد، وصل آسِر إلى والدته، وعيناه تقدحانِ بالغضب والارتباك: ممكن أفهم إيه اللي بيحصل، إزاي بلال اتجوِّز على رولا، وليه اتجوِّزها أصلًا؟
تنهَّدت والدته بتعبٍ واضح: آسِر ممكن نتكلِّم بعدين؟

لكن صبره كان قد نفد، ضرب بقبضته الحائط بقوَّة: لحدِّ إمتى؟! لحد إمتى تعاملوني كأنِّي عيِّل بريالة، تضحكوا عليَّا؟
اقترب منها كالمجنون، يشير بيده بعصبية: أنا لازم أعرف دلوقتي، رولا اتجوِّزت بلال ليه؟ وبلاش تعامليني كأنِّي غبي!
انسابت دموعها وهي تنظر إليه بصمت موجع: أنا بعاملك إنَّك غبي يا آسِر؟
مامااا!، صرخ بها، حتى ارتجَّت الجدران.

في تلك اللحظة، دلف يزن من الخارج، وصوته خرج مثقلًا بالخذلان والغضب معًا: علشان أختك غبية، ومش عارفة تحافظ على نفسها.
التفت آسِر إليه بعينين متَّسعتين.
اقترب يزن خطوةً أخرى، وكأنَّ كلَّ كلمة تخرج منه تجرح قلبه قبل أن تصل إلى ابنه: علشان وثقت في بنتي ثقة متستاهلهاش، علشان أنا أب فاشل مافهمتش إنِّ بنتي بتضيع قدَّام عينيَّ، لا شجَّعتها، ولا سمعت كلام أمَّك لمَّا حذَّرتني كذا مرَّة.

دار بوجهه بينهما، وملامحه تنطق بالوجع والندم: يعني إيه مش فاهم؟
سادت لحظةُ صمتٍ ثقيل، يشعر بأنَّ أنفاسه تخرج لبارئها.

هوى على المقعد، وأردف بصوتٍ خرج متهالكًا وهو يقصُّ له ماحدث، منذ اللحظة التي تورَّطت فيها مع رؤى، إلى أن انتهى الأمر بطلاقها من بلال.
ارتفعت أنفاس آسِر، وشعر كأنَّ الأرض تميد تحت قدميه: ده كلُّه حصل! وأنا فين من ده كلُّه؟
تقدَّم بخطواتٍ ثقيلة نحو والده، يشير إلى صدره: يعني الكلِّ يكون عارف وابنك لأ؟! لغيت ابنك من حياة أخته، أختي يحصل لها ده كلُّه وأنا زي الأطرش في الزفّة؟

ردّ يزن بصوتٍ متعب: كنت خايف عليك ماحبِّتش تحسِّ إنَّك مكسور، كنت عايزك دايمًا ماشي رافع راسك، وإحنا إحنا ماكنَّاش عارفين كلِّ اللي حصل.

ضحك آسِر بسخرية موجوعة: إيه الكلام ده يا باشمهندس! كلام ما يدخلش عقل طفل! يعني إيه ماكنتش عارف؟ عالجت غلط بغلط، بدل ماتدوَّر على اللي عمل كده روحت جوِّزتها! طب مااتجوِّزت، أهو اتجوِّز عليها. ومش هتقدر حتى تعاتبه لأنُّه حقُّه، هيقول مادي ماكانتش جوازة، ده كان اتِّفاق، وهنا كان الإثم يا باشمهندس.

انحنى قليلًا، ونظر في عيني والده مباشرة: عارف رولا فقدت الجنين ليه؟ وعارف بلال اتجوِّز وطلَّق ليه؟ لأنَّك جوِّزت بنتك بطريقة غلط. إيه يا باشهمندس، ياراجل يالي حافظ كتاب الله، هوَّ فيه جواز بالاتِّفاق، وياريت تيجي على كدا، للأسف يا بابا حاولت تدفن غلطها بمساعدة ناس غُرب، حتى ابنك الوحيد مافكَّرتش تاخد رأيه. لجأت للغريب فكان لازم ييجي العقاب.

تنفّس بحدَّة، وتابع بصوتٍ منخفضٍ وهو يقول بمرارة: خوفت من الفضيحة فعملت زي النعامة، دافن راسك في التراب. بس الغلط كان أكبر من إنُّه يستخبَّى.
أنهى كلماته، ثم اتَّجه إلى غرفة أخته. طرق الباب بقوَّة، ثم فتحه ودخل.
وجدها منكمشة على نفسها، تحتضن ركبتيها، تحدِّق في نقطةٍ وهمية أمامها.

مرَّت لحظاتُ صمتٍ ثقيل. اقترب وجلس بجوارها على الفراش: مش عارف أقول إيه. ولا أحاسبك إزاي وأنا جزء من اللي حصل، أنا اللي سبتك لاندفاعك، فاكرة نفسك دايمًا صح. كام مرَّة حاولت أحذَّرك من غرورك، لكن بنت يزن باشا ماتسمعش. لازم تعاند وتتعالى. ودي النتيجة.
التفت ينظر إليها، وصوته أصبح أهدأ لكنَّه أكثر ألمًا: ومقدرش أعاتب بلال، لأنِّك ظلمتيه. مفيش حد عاقل يؤذي نفسه ويؤذي غيره باللي حصل.

تعمَّق في النظر إليها، وعيناه ممتلئتانِ بالخذلان: فيه واحدة في الدنيا عاقلة تقتل ابنها علشان تنتقم من جوزها، بلال كان راجل معاكي يا بنت أبويا وأمِّي، على كلام أبوكي، رغم اللي حصل متنازلش عنِّك، يمكن ظلمتيه ويمكن هوَّ ظلمك، معرفش مين ظلم مين، بس إحنا كلِّنا اتكسرنا باللي حصل.
قالها، ثم نهض ببطء من مكانه.

خطا خطوتين نحو الباب، لكنَّه تجمَّد في مكانه على صوتها المبحوح، الخارج من بين شهقاتها: عايزة حقِّي يا أخويا مش إنتَ أخويا؟ هاتلي حقِّي منُّه بدل ماتقولِّي كسرتِ رجولته، قولُّه ليه كسرني أنا كده. بعد ماحبِّيته وآمنت له.
وضعت كفَّيها على صدرها فوق قلبها، كأنَّها تحاول أن تمنع الألم من التمدُّد داخله: قلبي محروق ومكسور أوي منُّه.

انسابت دموعها بلا توقُّف، وارتجف صوتها وهي تواصل: أنا بحبُّه أوي يا آسِر علَّقني بيه، خدني لسابع سما وفجأة رماني، لحدِّ مااتفتِّت، مابقاش فيَّ حتَّة سليمة.
شهقت بقوَّة، وكأنَّ الهواء نفسه صار يؤلمها: حاولت أموت قبل كده بسببه وماعرفتش. حتى الموت كأنُّه رافضني. كأن ربِّنا بيقولِّي هسيبك تتعذِّبي وتشوفيه ملك لغيرك، قلبي بيوجعني أوي أنا بموت، طفِّي النار اللي جوَّايا.

لم يحتمل آسِر، اقترب بسرعة وضمَّها إلى صدره. وماإن لامست صدره حتى انهارت، وبكت بصوتٍ مرتفع، بكاءً موجعًا هزَّ جدران البيت.
في الخارج، رفع يزن ورحيل رأسيهما على صوت بكائها. كانت تبكي كطفلةٍ تائهة: قلبي وجعني يا آسِر، ليه يكسرني كده، ليه يدبحني بالطريقة دي؟ قولُّه انتقمت من رولا وخدت حقَّك منها تالت ومتلِّت لأنَّها مش قادرة تتنفس من غيرك، أنا أنا مش قادرة أعيش من غيره.

بكت حتى خارت قواها، ظلَّ آسِر يربت على ظهرها، يهمس بكلماتٍ لا يسمعها أحد، فقط لتشعر أنَّها ليست وحدها.
شيئًا فشيئًا، خفَّت شهقاتها حتى غفت بين ذراعيه، ودموعها مازالت على خدَّيها.
عدَّل وضعها برفق، دثَّرها جيِّدًا، وبقي دقائق يتأمَّل وجهها المنهك، كأنَّ الألم محا ملامحها، ثم نهض وخرج.

في الخارج، كانت رحيل مستندة برأسها إلى المقعد، بعينينِ زائغتين، كأنَّها حاضرة بجسدها وغائبة بروحها. ويزن حاله لم يكن أفضل.
في تلك اللحظة، دلف أرسلان.
توقَّف عند المدخل لحظات، محمحمًا في حرج. مسحت رحيل دموعها سريعًا، ونهضت دون كلمة، ودخلت إلى ابنتها.
اقترب أرسلان من يزن، وجلس بجواره، يحاول أن يفتح حديثًا، لكن الكلمات خذلته.

طالعه يزن وقال بصوتٍ مكسور: مش محتاج تقول حاجة، أنا عارف كلِّ حاجة من يوم اللي حصل. بس اللي مش فاهمه، ليه بلال كان بيقول الموضوع شهر بالكتير، وعدَّى شهرين؟ طب لمَّا هوَّ عايز يكمِّل معاها، ليه قرَّب من البنت وعلَّقها بيه بالشكل ده؟
تنهَّد أرسلان بثقل: يزن أنا متفاجئ زيك، والله ماكنت أعرف إنُّه تمِّم جوازه منها. صدَّقني اتصدمت.

ابتسم يزن ابتسامةً موجوعة: لا، ماتتصدمش يا أرسلان، بلال جالي وقالِّي إنُّه هيكمِّل جوازه من رولا طب ليه متمسِّك بالتانية، مدام بيحبِّ بنتي؟!
ردَّ أرسلان بسرعة: هوَّ قالِّي إنُّه طلَّقها.
التفت يزن إليه بصدمةٍ حقيقية، وكأنَّ الأرض انسحبت من تحته: يعني إيه طلَّقها؟! طب لمَّا هوَّ طلَّقها ليه راح لها البيت، ومين اللي قال لرولا؟
سكت فجأة.

الفصل التالي
بعد 14 ساعة و 01 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة