قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طغيان للكاتبة ملك إبراهيم الفصل الأول

رواية طغيان للكاتبة ملك إبراهيم الفصل الأول

رواية طغيان للكاتبة ملك إبراهيم الفصل الأول

انت عملت في البنيه ايه يا عواد؟
وقف عواد ينظر إلى زوجته ببرود غير مبالي بما تعرضت له من قسوة على يديه، تحدث إلى والدته ببرود: هكون عملت ايه يعني، خدت حقي بشرع ربنا، بس هي اللي بت ضعيفه ومستحملتش راجل زيي.
نظرت اليه والدته بصدمة، صرخت به قائلة: راجل زيك ايهالبنيه بتموت، اجري بسرعه نادي الدكتورة بتاع الصحة.

زفر عواد بضيق، ثم اتجه إلى الاسفل لياتي بالطبيبه التي تعمل بالوحدة الصحية بالقرية، قبل ان يخرج عواد من المنزل استمع إلى صوت صراخ والدته قائلة بفزع:
العروسة ماتت.
فاق من ذكرياته بعد ان خرجت ورد زوجته الثانية من المرحاض، نظرت اتجاهه رآته متمددً فوق الفراش وبيده احدى السجائر المشتعلة والدخان يملئ الغرفة.
شعرت بالاختناق من رائحة السجائر الكريهة، ثم بدأت في السعال بقوة.

نظر اليها بعد ان استمع إلى صوت سعالها وهي تضع يدها فوق صدرها وتشعر بالاختناق.
قام بأطفاء السجارة وهو يتحدث إليها ببرود: تعالي جمبي هنا يا ست العرايس
نظرت إليه بخوف، تجمدت مكانها للحظات، لا تريد ان تغفى بجواره، ماذا تفعل الان?لا يمكنها ان تخبره انها تريد النوم بعيدا عنه
زفر عواد بضيق قائلاً بنفاذ صبر: فيكي ايه يا بت. ما تقربي هنا جمبي.

أومأت برأسها بالايجاب وهي تقترب منه بخطوات ثقيله، جسدها يرتجف بشدة وتشعر بالخوف الشديد من الاقتراب منه.
مد يديه وجذبها اليه بعنف، اجلسها فوق الفراش بجواره ثم جذبها اليه اكثر وجعلها تتمدد بجواره وداخل حضنه.
ارتجف جسدها بين يديه وهي تكتم انفاسها، لا تريد شم رائحة عطره، تشعر بالاشمئزاز منه، ارادت ان تبتعد عنه، لكنها لا تستطيع دفعه او الابتعاد عنه بعد ما فعله بها، اصبحت تخاف منه كثيرا.

اقترب منها، اراد ان يقبلها رغمًا عنها، لم تشعر بنفسها الا وهي تقوم بدفعه بعيدا عنها رافضة ان يقترب مرة أخرى.
نظر إليها بغضب وازداد جنونه بعد ان دفعته بعيدًا عنها، اقترب منها وجذبها من شعرها وهو يتحدث إليها بتحذير: تاني مرة تبعديني عنك هقتلك يا ورد
نظرت اليه بذعر قائلة: لو سمحت كفاية كده وابعد عني بقى.

كاد ان يقتلع خصلات شعرها بين يديه وهو يتحدث إليها بقسوة: مفيش واحده تقول لجوزها ابعد عني، هو الجواز كده يا ست البنات
نظرت إليه بخوف وهي تهمس بصوت منخفض: لو كنت اعرف ان الجواز كده مكنتش اتجوزت ابدا
جذبها اليه بالقوة، امتنعت وابتعدت عنه ووقفت من فوق الفراش قائلة له بقوة: ابعد عني بدل ما اقتلك واقتل نفسي، كفايه اللي انت عملته فيا، انا بكرهك وبكره النفس اللي بتتنفسه.

تفاجئ من حديثها اليه بهذه القوة، نظرات عينيها كانت تعلن له كم هي تبغض النظر اليه، يعلم انها ستكتشف عجزه قريبا وتعلم سبب ما فعله بها عندما تنضج اكثر وتكتشف انها مازالت عذراء وهو من عجز عن اتمام زوجهما بسبب ضعفه وعجزه، لن يتحمل ان يعلم احد من اهله انه عاجزا وليس رجلاً طبيعيًا، ابتعد عنها وضربها بقسوة كي يفرغ غضبه بها، كتمت فمها وهي تتلقي الضربات المتتالية بقسوة وعنف، وقف يلتقط انفاسه بتعب، ابتعد عنها واخذ جلبابه وارتداه وخرج من الغرفة.

زحفت بجسدها ارضًا، فقدت القدرة على الحركة بعد ان تسبب لها ضربه المبرح في العديد من الكدمات المنتشرة بجميع انحاء جسدها، تكومت بأحدى زوايا الغرفة تبكي بانهيار، تلعن بداخلها عمها الذي اتى بها إلى هذا الجحيم، كي لا تطالبه بحقها في ميراث والدها بعد اتمامها السن القانوني، اخذها من منزل خالتها بالقوة وبين ليلة وضحاها وجدت نفسها بهذا المنزل، ترتدي ثوب الزفاف بعد ان عقد عمها قرانها دون الاخذ بموافقتها، لتجد نفسها متزوجة من رجلاً انتزعت الرحمة من قلبه، لا تعلم كيف ستعيش مع هذا القاسي الذي يتعامل معها بدون رحمه، لا تفهم شئ ولا تعلم لماذا يتعامل معها بهذا العنف، هل هذا هو الزواج كما اخبرها، لو كانت تعلم ان ما يفعله معها هو الزواج، لكانت اقسمت ان تعيش عمرها باكمله دون ان تتزوج.

خرج عواد من المنزل واخذ سيارته وانطلق بها بأقصى سرعة، استمع شقيقه سليم وهو بداخل غرفته إلى صوت احتكاك اطار سيارة شقيقه بالارض، ذهب إلى النافذه يبحث عن سيارة شقيقه ولم يجدها، وقف يفكر بقلق أين ذهب شقيقه بهذا الوقت المتأخر من الليل وترك عروسته بمفردها.
في الصباح
قبل بزوغ الفجر.
استيقظ الحاج مرزوق لكي يتوضئ ويذهب إلى المسجد ل يؤدى صلاة الفجر.

لم يغفى سليم طوال الليل، وقف بشرفة غرفته ينتظر عودت شقيقه لكي يطمئن عليه.
غفت ورد وهي متكومة باحدى زوايا الغرفة، تضم جسدها المرتجف بخوف.
جاء إلى الدوار احد الخفر يهتف باسم العمدة ويتحدث بذعر: يا حضرة العمدة. استر يا رب. يا حضرة العمدة
خفق قلب سليم بقلق وخرج من غرفته يركض إلى الاسفل كي يرى ماذا حدث، اقترب الحاج مرزوق من الخفير وتحدث اليه بصرامة: ايه اللي جرى يا واد انت?. عامل دوشه وش الفجر ليه؟

وقف الخفير امامه يبتلع ريقه بخوف، قائلا بتردد: ً مصيبة يا جناب العمدة
تحدث اليه سليم بصرامة: ما تتكلم على طول نشفت دمنا
تحدث الخفير بخوف: سي عواد بيه
نظر اليه سليم بقلق قائلاً: ماله عواد؟
تحدث الخفير بفزع: وقف قدام القطر اللي بيعدي على البلد هنا والقطر...
لم يستطع اخبارهم بما حدث، بكى بنواح وتوقف عن اتمام الحديث، تحدث الحاج مرزوق بغضب: ايه يا واد انت اللي بتقوله دهسيدك عواد نايم في حضن عروسته فوق.

تحدث سليم بصدمة: لا يا ابويا. عواد مش نايم في الدار، عواد خرج من بدري
جحظت عين والده بصدمة، توقف عقله عن التفكير، بلل سليم ريقه وتحدث إلى الخفير بترقب: اتكلم ايه اللي حصل لعواد؟
وقفت الحاجة رابحة والدة عواد وسليم اعلى الدرج، كانت تريد الترجل إلى الاسفل لكي تقوم بأعداد وجبة الإفطار بعد انتهاء صلاة الفجر.

تحدث الخفير بحزن: سيدي عواد بيه، وقف قدام القطر اللي بيعدي على البلد والناس شافوه والقطر بيدوس عليه، البقيه في حياتكم
صرخت الحاجة رابحه بصدمة، صدح صوت صراخها عاليا بالدوار، نظر سليم إلى والدته وعقله رافض استيعاب ان شقيقه قام بالانتحار كما اخبرهم الخفير الان، ترنح الحاج مرزوق في وقفته وفقد توازنه، قام سليم بمساندة والده.

استيقظت ورد على صوت الصراخ يملئ المنزل، نظرت حولها بفزع وتكومت بمكانها غير قادرة على الحركة.
انخلع قلب الحاجة رابحة بفزع على ابنها، تمنت ان تذهب إلى غرفته وتجده نائمًا بحضن عروسته وتتأكد ان ما قاله ذاك الخفير ما هو اللي مزحة ثقيلة منه وسوف تعاقبه اشد العقاب عليها، ركضت إلى غرفة ابنها كي تتأكد انه بخير، عقلها رافض إدارك انه لم يكن بالمنزل.

انتفض جسد ورد بعد ان اقتحمت حماتها الغرفه واقتربت منها وهي متكومة بأحدى الزوايا، بحثت حماتها بعينيها عن ابنها بداخل الغرفة، ركضت إلى المرحاض الملحق بالغرفة وفتحته، لم تجد اثر لوجود ابنها، نظرت إلى ورد وعينيها تشع شرار قائلة لها بصراخ: عواد فين?ابني فين يا وش الفقر؟
نظرت اليها ورد بخوف، ارتجف جسدها قائلة لها: معرفش هو خرج من بدري ومنمش هنا.

جحظت عين الحاجة رابحة بصدمة، عقلها رافض الاستيعاب، هل ما قاله الخفير حقيقيًايبدو انه حقيقيًا، بدأ يستوعب عقلها تلك الصاعقة، صرخت بقوة، قامت بتمزيق ثيابها وهي تنادي ابنها بجنون.
نظرت اليها ورد بفزع، اغمضت عينيها وهي تضع يديها فوق اذنيها كي لا تستمع إلى صوت صراخها، تتمنى لو تأتي غيمة سوداء تأخذها من هذا الواقع الاليم، لكن ليس لأمانيها مكانًا بهذا المنزل.

وقف سليم بالأسفل في حالة من الذهول، والده بين يديه لا يستطع التقاط انفاسه ووالدته بالاعلي لم تتوقف عن الصراخ، ركضوا جميع الخفر إلى داخل الدوار، وقفوا امام سليم ينتظرون اوامره، صرخ بهم سليم مطالبا ان يأتوا بالطبيب لوالده، نظر اليه والده وتحدث اليه بصوت خافت من شدة التعب.
روح شوف اخوك الاول يا سليم.

انهمرت الدموع على وجه والده لاول مرة في حياته، في هذه اللحظه وبعد ان رآى سليم دموع والده، استوعب ان شقيقه الكبير قد فارق الحياة حقًا.

في المساء.
ارتفع صوت الشيخ عبر المكبرات الصوتيه بقراءة ما تيسر من القرأن الكريم.
وقف سليم بجانب والده يستقبل العزاء في شقيقه بعد ان قاموا بدفن جثمانه في مقابر العائلة.
لم يستطع الحاج مرزوق الوقوف على قدميه، جلس يستند على عكازه ويستقبل العزاء بصمت، لا يعلم احد بالنار المشتعلة بداخله بعد فقدان ابنه الكبير.

بداخل الدوار. جلست الحاجة رابحه والدة عواد وسليم، ترتدي الاسود وتبكي وتنوح وحولها نساء العائلة والقريه.
جلست ورد على الجانب الاخر ترتدي ثوب اسود وبجوارها زوجة عمها ونساء عائلتها، كانت تنظر حولها بصدمة، ليلة امس كانت ترتدي الابيض وصوت الزغاريد يملئ الدوار، واليوم ترتدي الاسود وصوت الصراخ والنواح يحاط بها.

لم تسلم من الهمزات والغمزات بين نساء القرية، الجميع يتطلعون اليها بنظرات خبيثه، يتساءلون عن السبب الحقيقي خلف انتحار زوجها ليلة زفافهما.
وقفت الحاجة رابحه والدة عواد واقتربت من ورد وقامت بجذبها من ثيابها بعنف قائلة: تعالي هنا يا بومه يا وش الفقر، عملتي ايه في ابني خلتيه يموت نفسه.

وقفت زوجة عم ورد وحاولت تخليصها من يد حماتها، تجمع حولهم نساء عائلة الشهاوي وتشاجروا مع نساء عائلة البسيوني يتهمون ورد انها من تسببت في موت ابنهم.
ارتفعت الاصوات بين نساء العائلتين، يتبادلون السب والاهانة، ثم تطورت المشاجرة بينهم من مشادة كلاميه إلى مشاجرة باليد.

ركض احد الخفر إلى الصوان واقترب من سليم وتحدث اليه بصوت منخفض: الحق يا سليم بيه، الحريم بتوع عيلة الشهاوي ماسكين في الحريم بتوع عيلة البسيوني وعاملين خناقه كبيرة في الدوار.

نظر سليم حوله بغضب، يعلم ان والدته لن تترك زوجة شقيقه وشأنها، ذهب مع الخفير إلى الدوار، ارتفع صوته يتحمحم قبل ان يتجه إلى داخل الدوار، توقفوا النساء ووضعت كلاً منهما وشاحها على رأسها باحترام، دخل سليم وهو يغض بصره قدر الامكان عن النظر اليهم، ارتفع صوته عاليا بصرامة: ايه اللي بيحصل هنا ده. اللي عايزة تقعد تعزي تقعد بأدبها واللي عايزة تولعها نار بين العيلتين تتفضل تمشي من هنا وسعيها مشكور.

توقفوا جميعا عن الهمس بعد استماعهم إلى صوته الصارم، اقتربت منه والدته وتحدثت اليه بانهيار: وش الفقر دي ترجع دار عمها، متقعدش في دارنا تاني بعد اللي عملته في اخوك يا سليم، هي السبب، هي اللي قتلت اخوك وحرقت قلبي عليه
لم يهتم سليم ان ينظر اتجاه زوجة شقيقه، فهو لم يراها من قبل ولا يريد رؤيتها.

كانت ورد جالسه تبكي وتخفض وجهها ونساء عائلتها يقفون حولها، لم ترفع وجهها كي تراه، كانت تستمع إلى صوته الصارم وهي تبكي وتتمنى ان تترك هذا المنزل وهذا البلد وتعود إلى منزل خالتها مرة أخرى.
تحدث سليم إلى والدته بتأكيد: كل اللي حضرتك عايزاه هيحصل يا امي، وبعد العزا هترجع بيت اهلها.

اغمضت ورد عينيها وهي تستمع إلى حديثه، شعرت بالذل والاهانه بما يكفي بهذا المنزل، اصبحت تبغض كل من بهذا المنزل ولا تريد رؤية احد من هذه العائلة.
شعرت بدرية زوجة عم ورد بالاهانه بعد ما تعرضوا له بهذا المنزل، ارتفع صوتها قائلة ردًا على حديثه: واحنا مش هنستنا لبعد العزا، هناخد بنتنا ونمشي دلوقت، وكفايه اوي قلة القيمة اللي شوفناها في داركم.

ارتفع صوت والدة سليم بغضب: يبقى يا خير ما عملتوا. خدوها وغورو من دارنا جبتولنا الفقر.

كادت ان تحدث مشاجرة مرة أخرى بين نساء العائلتين، ارتفع صوت سليم مطالبًا ان يأخذوا ابنتهم ويذهبوا، غضبت زوجة عم ورد بشدة بعد طردهم من منزل عائلة الشهاوي امام نساء القرية، توعدت لهم واخذت ورد من يدها وهي تخفض وجهها وتخفي وجهها اسفل وشاح اسود، سارت بجوار سليم ولم ترفع وجهها كي تراه، وهو لم يهتم لرؤيتها، اخذتها زوجة عمها وذهبوا من الدوار وذهبوا خلفهم نساء عائلة البسيوني.

حاول سليم تهدأت والداته بعد ذهاب نساء عائلة البسيوني، ثم تركهم وعاد إلى الصوان مرة أخرى ليستقبل العزاء.
ذهبت ورد مع زوجة عمها بخطوات مسرعه، لا تصدق انها ستخرج من هذا الجحيم. استنشقت الهواء بعمق عقب خروجها من ذاك المنزل الملعون بالنسبة لها، قضت بداخله اسوء ليلة بحياتها.

علم عم ورد بما حدث مع نساء عائلته بدوار العمدة ومن اخبره بما حدث قال له ان سليم الشهاوي قام بطرد ابنة اخيه وزوجته ونساء عائلة البسيوني من دوار العمدة.
وقف عمران البسيوني عم ورد وترك العزاء واقترب من سليم يتحدث اليه بغضب: مش حريم عيلة البسيوني اللي ينطردو من بيوتكم يا ابن الشهاوي، اللي انت عملته ده هتدفع تمنه انت وعيلتك غالي أوي.

وقف عمران البسيوني عم ورد وترك العزاء واقترب من سليم يتحدث اليه بغضب: مش حريم عيلة البسيوني اللي ينطردو من بيوتكم يا ابن الشهاوي، اللي انت عملته ده هتدفع تمنه انت وعيلتك غالي أوي.
قطب سليم ما بين حاجبيه بدهشة، نظر اليه عم ورد بغضب وتركه وذهب، تجاهل سليم ما قاله واقترب من والده يتحدث اليه: انت كويس يا بويا؟

نظر اليه والده بحزن كبير، كيف يقول له انه بخير بعد ان دفن قطعة من قلبه بالتراب، تحدث اليه بقلب مكسور: موت اخوك كسرني أوي يا سليم.

تلألأت عين سليم بالدموع لكنه تماسك امام والده كي يكون هو مصدر القوة له ولوالدته، موت شقيقه لم يكسر والديه فقط، بل كسر سليم أيضا، كان سليم يحب شقيقه الكبير بشدة، كان عواد يحمل عنه الكثير، اصبح الان وحيدا بلا اخ، بلا سند، بلا ظهر، بلل ريقه وتحدث إلى والده بصوتً مكتوم من شدة الحزن: ادعيله يا بويا ربنا يرحمه، عواد مش محتاج مننا غير الدعوات دلوقتي.

اغمض والده عينيه بحزن، يخفي بداخله ألمً شديد، تحدث بقلب انفطر من الحزن على فقدان قطعة منه: ربنا يرحمه ويصبرنا على فراقه ياولدي
نظر سليم إلى والده بحزن، اعتدل في وقفته ينظر امامه بحزن شديد، يستقبل العزاء وهو لا يصدق انه لن يرى شقيقه بعد الان.

في منزل عمران البسيوني عم ورد.
ارتفع صوت زوجة عمها بدريه تتحدث بغضب، بعد الاهانه التي تعرضت لها هي ونساء عائلتها بدوار العمدة.
وقف ابنها الوحيد منصور يتطلع اليها ببرود قائلاً: عندهم حق يعملوا اكتر من كده، يعني مش غريبه ابنهم يقتل نفسه قدام القطر في صباحيته.

استمعت ورد إلى حديث ابن عمها وهي بداخل احد الغرف، لماذا يحملها الجميع ذنب موته، هل سيظل يآذيها بعد موته كما آذاها وهو على قيد الحياة، ضمت وجهها بيدها وهي تبكي، تتمنى لو كانت بداخل كابوس مزعج ويمكنها الاستيقاظ منه، وتجد نفسها مازالت بمنزل خالتها بالإسكندرية وتجهز اوراقها للالتحاق بالجامعه.
ارتجف جسدها بعد ان وصل لمسمعها صوت عمها عمران.

دخل عمران المنزل وهو يستمع إلى صوت زوجته الغاضب، اقترب منها يتحدث اليها بصوت قوي: ايه اللي حصل في دوار العمدة يا بدرية؟
تحدثت زوجته بغضب شديد: ام عواد وحريم عيلة الشهاوي كلتهم بهدلونا يا ابو منصور، وجه ابنهم بتاع مصر وطردنا احنا وبنت اخوك.

زفر عمران بغضب وهو يستمع إلى حديث زوجته، كل ما يشغله الان؛ ماذا سيفعل مع ابنة اخيه بعد ان مات زوجها بعد اول ليلة في الزواج، هل سيزوجها من رجل اخر، لكنه لن يجد احد يناسبه بهذه البلد بعد زواجها من ابن كبير البلد وموته بصباحية الزفاف، كان يعتقد انه تخلص من مسؤوليتها بعد زواجها من ابن كبير البلد، كان اتفاقه معهم مقابل الزواج ان لا يطالبونه بحقها في ارث والدها ويرغمها زوجها على التنازل لعمها بعد ان تتم سنها القانونيا، يعلم انهم كانوا لن يطالبونه بميراثها؛ نظرًا لحجم الارض الكبير التي يملكونها، فقط كانوا يريدون زوجة لابنهم.

فاق من شروده على صوت ولده منصور، تحدث اليه بملل قائلاً: واخرتها ايه يا ابوي، احنا مش قد عيلة الشهاوي ومش عايزين ندخل معاهم في مشاكل، الناس عندهم حق، ايه اللي يخلي ابنهم يقتل نفسه يوم صباحيته ويقف قدام القطر، هتكون عملت فيه ايه؟
شهقت بدرية قائلة بصدمة: هيكون ملقهاش بت بنوت؟

ظهر صوت لإمرأة اخري بنفس المنزل، تقترب منهم ببطنها البارزة التي تظهر حملها في الشهور الأخيرة، تحدثت اليهم بصوت قوي ذو نبرة حادة: هيكون ملقهاش بنت بنوت ازاي وهو داخل عليها بلدي ومحدش اتحرك من مكانه قبل ما اطمنوا انها عفيفه.

بللت بدرية ريقها وهي تنظر إلى صفا زوجة ابنها منصور، بنت عائلة من كبار البلد، اختارها عمران للزواج من ابنه طمعًا في اموال عائلتها، كونها ابنة العائلة الوحيدة والمدلله، أنجبت صفا فتاة بعد اول عام من زواجها والان تحمل بطفلتها الثانيه، غضب منصور بشدة عندما اخبرته ان الطبيبه آكدت لها حملها بفتاة للمرة الثانيه، تعلم صفا ان زوجها تزوجها من اجل ارضاء والده فقط، واختارها والده للزواج من ابنه طمعا بآرثها من عائلتها، تعيش حياة تعيسه بهذا المنزل، الطمع يحاط بها من قبل والد زوجها، والبرود والاهمال يحاط بها من قبل زوجها.

نظر اليها عمران قائلاً بتأكيد على حديثها: صفا عندها حق، بتنا شريفه واحنا وأهله والبلد كلتها اتوكدنا من عفتها ليلة الفرح
تحدثت صفا بفضول وهي تنظر حولها: هي ورد فين دلوقتي؟
تحدث زوجها منصور ببرود مختلط بالقسوة: هتلاقيها مرميه في الاوضه جوه، يبقى عملت فينا معروف لو ماتت هي كمان وتخلصنا
استمعت ورد إلى حديثهم القاسي عنها وهي بداخل الغرفة، انهمرت الدموع على خديها، لا تعلم ماذا سيفعلون بها الان.

فتحت صفا باب الغرفة ودخلت اليها، اغلقت الباب خلفها واقتربت من ورد، رفعت ورد وجهها تنظر اليها بعين باكيها ووجه مازال به اثار للضرب والعنف الذي تعرضت اليه ليلة امس، شهقت صفا بفزع قائلة لها: مين اللي عمل فيكي كده يا ورد؟
ارتجف جسد ورد بخوف، تحدثت اليها ببكاء: عواد اللي عمل فيا كده امبارح
جحظت عين صفا قائلة لها بفزع: ليه عمل فيكي كده، ايه اللي حصل؟

لا تعلم ورد حتى الان لماذا فعل بها ما فعله، تعتقد ان هذا هو الزواج حقا كما اخبرها، انهارت في البكاء قائلة لها: كان بيقولي ان ده الجواز
قطبت صفا ما بين حاجبيها قائلة بفضول: جواز ايه انا مش فاهمه حاجة؟
نظرت اليها ورد بخوف، تخشى ان تخبرها ان عواد شكك بأخلاقها واتهمها انها ليست عذراء، خفضت وجهها وتحدثت ببكاء: انا اتعذبت اوي في الليلة اللي عشتها في بيتهم.

رفعت صفا وجه ورد بيدها قائلة لها بفضول: هو عواد طلع سادي؟
هزت ورد رأسها قائلة ببكاء: مش عارفه، انا مش عارفه حاجه ابدا، انا فجأة لقيت نفسي في اوضه واحده مع واحد اول مرة اشوفه والباب مقفول علينا، المفروض انه جوزي وانا مش عارفه ولا فاهمه هيبقى جوزي ازاي، كان بيتعامل معايا بقسوة وكأن في بينا طار، كان بيضربني بكل قوته وانا خايفه اصرخ عشان ميضربنيش اكتر.

جحظت عين صفا وهي تستمع إلى حديثها، انهارت ورد اكثر في البكاء قائلة لها: مش قادرة اوصفلك الاحساس اللي كنت حاسه بيه وقتها، وبعد كل اللي عمله فيا فجأة سابني وخرج وانا مقدرتش اقوم حتى من مكاني، معرفش عدا وقت اد ايه، بس كل اللي انا فكراه اني صحيت بعدها على صوت ولدته وهي بتصرخ فيا وبتقول ان ابنها مات.

نظرت اليها صفا بحزن، اقتربت منها وعانقتها، انهارت ورد بداخل حضنها وكأنها تفرغ كل ما تحمله بداخلها من احزان وظلم وقهر، ربتت صفا على ظهرها بحنان، تنظر امامها بحزن، شعرت بالشفقة على ورد بعد ما علمت ما تعرضت اليه من قسوة ب ليلة زفافها.
بعد مرور 40 يوما على الوفاة.
بداخل دوار العمدة.
جلس الحاج مرزوق الشهاوي يستند على عكازه وجلست بجواره زوجته الحاجه رابحه بملامح وجه باهته.

جلس امامهم سليم، تحمحم واعتدل في جلسته قائلاً بهدوء: انا لازم ارجع القاهرة عشان في شغل كتير في الشركة متوقف وكمان شغلي في الجامعة، الدراسة خلاص قربت
بهتت ملامح والدته اكثر قائلة بحزن: يعني انت كمان هتسبنا يا سليم والدوار يفضى علينا، ما تنقل شغلك وشركتك هنا يا ولدي ولا سيبك من كل ده وراعي ارض ابوك ومصالحه مكان الغالي الله يرحمه.

اعترض الحاج مرزوق على حديثها قائلاً: لا يا ام عواد، ابنك بقى دكتور في الجامعه وصاحب شركة كبيرة، انا مرضاش انه يضحي بمستجبله، انا اقدر اراعي مصالحي ومصالح البلد كلتها
ثم نظر إلى ابنه: ربنا يعينك على شغلك ياولدي، ومتجلقش علينا انا وامك.

خجل سليم من والده ومن فكرة تركهما بمفردهما: صدقني يا ابوي انا لو عليا مبعدش عنكم ابدا، وان شاء الله كل شهر هاجي اقعد معاكم كام يوم ولو احتاجتني في اي وقت هتلاقيني قدامك
ربت والده على ظهره بدعم قائلاً: ربنا يحفظك ويبارك لنا فيك يا ولدي
اقترب سليم من والدته وانحنى بجزعه كي يقبل يديها، بكت والدته وتحدثت اليه ببكاء: ربنا يباركلنا فيك يا ولدي
في منزل عمران البسيوني عم ورد.

اقتربت ورد من عمها بخوف وهو يجلس بجوار زوجته وتجلس معهم صفا التي شجعتها على الحديث مع عمها.
تحدثت ورد باحترام وهي تخفض وجهها ارضا: بعد اذنك يا عمي تسمحلي اتكلم مع حضرتك شويه
نظر اليها باهتمام قائلاً: اقعدي يا ورد وقولي عايزة ايه؟

جلست امامه بتوتر، تخشى كثيرا ان يرفض طلبها، بللت ريقها وتحدثت بصوت مبحوح: عمي حضرتك لما خدتني من اسكندريه من بيت خالتي وجوزتني، انا وافقت انفذ كل اللي حضرتك طلبته مني من غير تردد
نظر اليها عمها بفضول كي يفهم ماذا تريد بعد، نظرت اليها زوجة عمها بستغراب، ابتسمت لها صفا بتشجيع، تحدثت ورد مرة اخري بهدوء: اللي حصل معايا، وموت جوزي واني ابقى ارمله بعد اول يوم جواز، كل دي حاجات مش بسيطه على بنت في سني.

هزت صفا رأسها بالايجاب قائلة بحزن: طبعا يا ورد ربنا يصبرك على ما ابتلاكي
قطب عمها ما بين حاجبيه قائلاً لها بصرامة: ما الاخر يعني يا ورد ومن غير لف ودوران انتي عايزة ايه؟
بللت ورد ريقها قائلة بتوتر: انا عايزة اكمل تعليمي يا عمي، حضرتك خدتني من بيت خالتي بعد ما خلصت الثانوية العامة والحمدلله جبت مجموعة كويس جدا يعني اقدر ادخل الكلية اللي نفسي فيها.

انتفض عمها من مكانه قائلاً لها بصرامة: كلية ايه وكلام فارغ ايه يا بت انتي، انتي باين عليكي اتجننتي.

نظرت ورد إلى صفا بخذلان، هزت صفا رأسها تطالبها ان تتابع حديثها، بللت ورد ريقها وتحدثت بتوتر: اهم حاجه عايزة اقولها يا عمي، اني مش عايزة اي ورث ولا ارض ولا فلوس ولا اي حاجه من حقي في ميراث ابويا الله يرحمه، انا عارفه يا عمي ان انتوا مبتسلموش للبنات ارض ولا ورث وانا مش عايزة حاجه ومستعدة امضي على تنازل عن كل حاجه بس مش محتاجه منك غير حاجه واحده بس.

استرخت ملامح عمها عندما اخبرته انه ستتنازل له عن حقها في ميراث والدها، هدأ قليلاً وجلس مكانه مرة أخرى، ابتسمت صفا بثقة وغمزت بطرف عينيها إلى ورد كي تتابع حديثها: انا مش محتاجه من حضرتك يا عمي غير مصاريف الجامعه لحد ما اتخرج، حضرتك كنت بتبعت لخالتي مصاريف تعليمي وانا عندها، هتكمل معايا الكام سنه دول بس لحد ما اتخرج ان شاء الله وانا هعتمد على نفسي.

نظر اليها عمها بتفكير، هذه فرصة ثمينه بالنسبة له، سيحصل على ارض شقيقه وتصبح ملكه رسميًا، يعلم ان مصروفها الشهري بجانب مصاريف جامعتها لا شئ بجانب المكسب الكبير الذي يعود عليه من ارض ابيها.

نظرت اليه زوجته بابتسامة، تعلم ان هذا ما يسعى اليه زوجها، هزت رأسها بالايجاب قائلة: البت كده عداها العيب يا ابو منصور، وبعدين متأخذونيش يعني هي لازم تشوف حالها، ما هو محدش هيرضى يتجوزها بعد ما جوزها موت نفسه يوم صباحيته، الناس هتتشائم منها
بهتت ملامح ورد وهي تستمع إلى حديث زوجة عمها الجارح، نظرت اليها صفا بحزن، صمت عمها قليلاً يفكر بداخله، تحدث بعد طول انتظار قائلاً قراره: انا موافق يا ورد.

نظرت اليه ورد بسعادة كبيرة، لا تستوعب ما قاله عمها، هل اعطاها موافقته، كادت ان تقفذ من مكانها مثل الطفلة الصغيرة، تحدثت إلى عمها بحماس: ربنا يخليك ليا يارب يا عمي
تحدثت صفا وهي تغمز إلى ورد: كده من بكره ورد هتحتاج تقدم في الجامعه عشان تلحق الدراسة السنه دي
هز عم ورد رأسه بالايجاب قائلاً: وانا جاهز يا ورد اقدملك في الكلية اللي عايزة تدخليها بس اهم حاجه تمضي على التنازل اللي اتفقنا عليه.

ابتسمت ورد بسعادة، فهي لا تفكر في ارض او مال، فقط تفكر في الحرية، في الهروب من هذا الجحيم، تفكر في حلم حياتها عندما تتخرج من كلية الهندسة كما تمنت طوال حياتها.
تحدثت ورد بحماس: انا همضي وابصم كمان يا عمي ربنا يخليك ليا يارب.

لمعت عين عمها بجشع، وقفت ورد واستأذنت منهم وصعدت إلى غرفتها بالأعلى، جلست صفا تنظر إلى حماها بشمئزاز، كيف يقبل ان يأكل حق اليتيم، زفرت بضيق ووقفت من مكانها وصعدت هي الاخرى إلى غرفتها.
انتظرت والدة منصور حتى صعدت زوجة ابنها خلف ورد، ابتسمت إلى زوجها قائلة له: اهو حصل اللي كان نفسك يحصل من زمان يا عمران وارض اخوك كلتها هتبقى من نصيبك.

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 04 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة