رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل التاسع والتسعون
هل ما سمعه منها مجرد هَذَيان أم هو من يتوهم هذا؟ إنه بالفعل يتوهم ما سمعه، فها هي تُطاوق عنقه بذراعيها وتشده إليها حتى لا يبتعد لكنه ابتعد عنها بأنفاس صارت حبيسة بين أضلعه وأعين مُتحجرة أختلط بها تأجج رغبته وحيرته.
زينب، أنتِ قولتي إيه؟
خرجت نبرة صوته بثقل وتهدج، فتحت عينيها التي برقت بوهج اللهفة والضعف بعدما توقف عن تجاوبه معها بقبلاته الشغوفة وهمساته التي تلمس أوتار أنوثتها.
تعالت أنفاسها مع إنفراج شفتيها المكتنزة بكلمات أقرب للهمس أخترقت فؤاده وأضاعت حيرته وتناست هي أمر ما قالته، هي الآن لا تحتاج سوى تلك المشاعر التي أشعلت داخلها متعة لم تعرفها إلا على يديه.
صالح أنت حلو اوي.
تمتمت بها وابتسمت، أغلق عينيه مُتنهدًا بأنفاس مضطربه.
تحركت يديها على عنقه بخفة وواصلت حديثها الذي يخرج من بين شفتيها مُتقطعًا ومهزوزًا.
خليك حلو علطول يا صالح، أنا حلوه في عينك صح.
ثم نادته بنبرة صوت مختنقة.
صالح
فتح عينيه ونظر إليها لترفع رأسها إليه حتى تستطيع مُلامسة شفتاه بخاصتها.
وهو كان يحتاج لتلك القبلة، قُبلة أتبعها تنهيدة طويلة وعميقة خرجت من صدره بأهاته ولوعته.
لقد صار رجلًا أخر لا يشبهه ولم يظن يومًا إنه سيكون هكذا، مُعطاءً مُدللًا وراضيًا ومتقبلًا أفعال امرأة تصيبه بالجنون وهو ليس عليه إلا الصبر معها.
هتعملي فيا إيه اكتر من كدة يا زينب، قلبي و عقلي بقوا ملكك.
تلألأت عيناها بالدموع وافتر ثغرها بابتسامة توهج معها وجهها، فحتى في عتابه لها حنونًا.
أنت حلو أوي أوي يا صالح.
وبأنفاس متهدجة ونبرة صوت خافتة تضيع مع ثورة مشاعرهم هتفت بخفوت.
زوزو دلوعة صالح.
و صالح يضيع مع دلالها وضعفها و طفولتها ويقسم لها مع كل قبلة يضعها على ثغرها وسائر وجهها.
هتفضلي طول عمرك دلوعة صالح يا زوزو.
وهكذا ضاع الكلام بينهم وازدادت لهفتهم شعلةٌ نحو سحر اللقاء وجرعة الحب، إنها تتفتح على يديه أما هو يعود للحياة بين ذراعيها.
تجمد مراد في وقفته عندما أخترق ردها مسمعه ثم استدار إليها وفي عينيه نظرة قاتمة.
ضاقت حدقتاه واقترب منها، فوجدها تنهض من وراء الشجرة وبدأت تنفض بيدها السليمة بنطالها.
أنا وقعت على أيدي.
هتفت بها زينة سريعًا بعدما شعرت بتصويب نظراته عليها وكأنه يشك بأمرها.
وقعتي إزاي؟
تساءل بها وهو يرفع ذقنها بيده، أدهشتها فعلته، منذ متى و مراد يهتم بها، هي أعتادت أن تكون لا شئ يُذكر في حياتهم.
ابتلعت ريقها عندما تقابلت عيناها بعينيه، فكرر سؤاله بحدة.
ردي عليا، وقعتي إزاي يا زينة.
أرتجف جسدها وتراجعت إلى الوراء خوفًا، فهي تكره الأصوات العالية.
قولت وقعت عليها، عدنان مضربنيش. وقعت على أيدي في النادي. أنتوا من أمتى بتهتموا بيا، ليه ماما مأخدتنيش معاها، ليه فضلت أنا عايشة.
وهرولت من أمامه باكية، فحتى هو قاسي مثلهم ويشبههم.
رددت اسمه داخلها، هشام مثلهم وليس ذلك الفارس الذي أنتظرته ليُخلصها من جحيم عائلتها.
كتمت صوت شهقاتها وهي تركض وقد عاد إليها شعور الخزي الذي قتل به فؤادها، هو تركها وحيدة بالمزرعة وعندما استيقظت من إغمائها وجدت الطبيبة جوارها تسألها إذا كانت بحال أفضل الآن لكن أين هو؟ هو رحل ولشدة كرمه عليها ترك لها سائقه.
تتبع مراد ركضها من أمامه بنظرة أزدادت قتامة ولم يشعر بنفسه إلا وهو يُكور كف يده ويضرب به جذع الشجر صارخًا بعلو صوته.
اختفت تلك الابتسامة عن ثغر صالح وأنطفأت لمعة عينيه التي يتلألأ وهَجَها مع إكتمال علاقتهم التي أحيت داخله حياة كانت بعيده عنه.
انتفاضتها من على الفراش والتقاطها لمئزرها ثم ركضها نحو الحمام أصاب عقله بالجمود.
انحبست أنفاسه التي كانت منذ لحظات تخرج من صدره بوتيرة سريعة وتوقف شاخص البصر عندما أستمع إلى صوت بكائها.
اقترب من باب الحمام واستند عليه بكلتا يديه مُحاولًا بيأس إلتقاط أنفاسه.
لقد تخطى الأمر أبعد الحدود وتوقف عقله عن التفكير وهاجس واحد أخذ يدور داخل رأسه، زينب تستسلم له مُجبرة.
وعندما وصلت به أفكاره إلى نفورها منه وضع يده على صدره.
نظر نحو الفراش وهو يفرك عنقه من شدة الأختناق ثم
تحرك جهته والتقط الغطاء الذي عليه وألقاه أرضًا.
خرج صوته بزمجرة قوية والتقط ذلك المقعد الخشبي القريب منه ودفعه بكل قوته.
ارتعشت يدها التي تضعها على شفتيها وأطبقت جفنيها بآلم تتساءل، ما الذي تفعله به وبحالها. ما هذا الخوف الذي احتلها فور أن تمت علاقتهم الخاصة كاملة للمرة الثانية.
مررت يدها على نبضات قلبها الهادرة وسرعان ما كانت دموعها تنساب على خديها عندما استمعت إلى صوت باب الغرفة يُغلق بقوة.
فتحت ليلى عينيها بصعوبة على أثر حركة عزيز جوارها وخروج أنفاسه بلهاث وكأنه يُصارع شئ أثناء نومه.
شعرت بالقلق وهي تراه يغمغم بكلمات غير مفهومه، أصابها الهلع وبيدين مُرتعشتين هزته برفق.
عزي ز، عزيز أصحى.
انتفض عزيز من نومه وهو يصرخ باسم شقيقه.
سالم.
نظرة عيناه وتلك الرعشة التي أصابت جسده، جعلتها تُسرع في احتضانه.
سالم كان واقف قصادي يا ليلى، أخويا كان بيمد أيده ليا وهو حزين، أنا مديت له أيدى بس سبني ومشي.
دمعت عيناه، فنظرة شقيقه له تُخبره دومًا بقرب حدوث شئ سئ لهم.
ابتعد عن حضنها ونظر حوله باحثًا عن هاتفه.
نيرة، أنا لازم أكلم نيرة أطمن عليها.
التقط الهاتف بعد أن تمالك رعشة يديه ولم يرتاح قلبه إلا عندما أستمع إلى صوت أبنة شقيقه.
عمو حبيبي، صوتك ماله يا حبيبي وليه بتكلمني دلوقتي.
أطبق عزيز جفنيه بوهن عندما وجد ليلى تقف ورائه وتمسد على ذراعيه بحنو.
حركة يديها على ذراعيه أعادته إلى وعيه ثم فتح عيناه مُتنهدًا.
قلقت عليكي يا حببتي، طمنيني أنتِ واللي في بطنك بخير و معتز بخير.
ابتسمت نيرة وتلاشى الفزع عن وجهها ثم مررت يدها على بطنها.
عزيز الصغير بخير، متقلقش عليه.
خفق قلبه عندما كررت عليه أمر تسمية الصغير باسمه إذا كان صبيًا رغم إنه مرارًا أخبرها أن أول طفلًا ذكر يأتى لعائلتهم سيحمل اسم سالم.
عارف يا عمو أنا كان نفسي أسمع صوتك أوي، أنت ديما حاسس بيا يا حبيبي.
أنشق ثغر عزيز بابتسامة خفيفة وضم ليلى إلى صدره.
سامحيني يا حببتي إن الدنيا اخدتني منك شويه، أوعدك إني في أقرب فرصة هاجي أزورك واطمن عليكي.
ابتهجت ملامح نيرة وتقابلت عيناها بعينين معتز الذي دلف للتو من باب الشقة.
هستناك تيجي قريب أنت وعدتني.
أنهى عزيز المكالمة معها بعدما اطمن عليها، حركت ليلى رأسها على صدره ثم رفعت عيناها إليه.
أطمنت عليها يا حببتي.
تنهد عزيز بثقل، فتساءلت بخوف.
هو الحلم كان وحش يا عزيز.
ابتلع ريقه وأنفلتت منه تنهيدة أخرى طويلة.
مش عارف يا ليلى، مش عارف بجد.
تحشرج صوته عندما كرر رده، فهناك شئ يجثم على روحه. سالم لم يأتي إليه بعد زواجه سوى مرة واحدة وبعدها أنقطع عن أحلامه لكن هذه الليلة لا يعرف لِما رأى الحزن أيضًا في عينيه.
اخفض رأسه هربًا من نظرة عينيها المتوجسة.
حبيبي أطمن مافيش حاجة وحشه هتحصل، أنت بس تقلت في العشا قبل ما تنام.
داعبت شفتيه ابتسامة واهنة عندما مدَّت يدها نحو خده حتى تُحرك وجهه إليها وأردفت وهي تتحرك بين ذراعيه.
وكمان خلتني أنام زعلانه عشان مش عايز تاخدني معاك تركيا.
حدق بها بنظرة طويلة بعد عتابها اللطيف الذي دغدغ مشاعره.
عايزه تيجي معايا تركيا يا ليلى.
اتسعت ابتسامتها وهزت رأسها بالموافقة.
أنا رايح يومين شغل مش رايح أتفسح.
أسرعت بالرد حتى تهرب من مكوثها بالفيلا دونه.
هقعد في الفندق مؤدبه وكمان نارفين هناك هقضي يومي معاها.
وأنا موافق يا ليلى وأهي فرصه نشوف دكتورة شاطرة هناك ونطمن.
اِنمحت ابتسامتها سريعًا وتساءلت وهي تنظر إليه.
دكتوره ليه، أنت تعبان يا عزيز.
ازدردت لعابها بوجِل عندما سار بها جهة الفراش وأجلسها عليه ثم جلس جانبها مُلتقط كفوف يديها.
دكتوره عشان نطمن إن مافيش حاجة تمنع الحمل يا ليلى.
كادت أن تُقاطعه وتُخبره أن زواجهم لم يمر عليه سوى أربعة أشهر، فترك يديها وأسرع بمداعبة خديها.
حببتي عشان نطمن مش أكتر، أنا عارف إننا بناخد الخطوة ديه بدري والمفروض نستنا على الاقل ست شهور بس أنا عايز طفل يا ليلى، هيكون أسعد يوم في حياتي يوم ما تقوليلي إنك حامل، أه لو تعرفي السعادة اللي هتديهاني لما يجي اليوم ده.
والتقط كفوف يديها مجددًا واخذ يقبلهما تحت تأثير صدمتها، عزيز يلح في أمر الأنجاب ويخبرها بشوقه لهذا الخبر الذي سيضيف إلى حياته سعادة لا يستطيع وصفها لها.
جف حلقها وشحب وجهها وهي تشعر بقبلاته على جفنيها المُغلقين.
وصوت واحد يحمل مرارة صاحبته أخذ يقتحم ذاكرتها.
« كان نفسي أكون أم يا ليلى وأفرح حامد بطفل من دمه لكن مكنش لينا نصيب وعشان يخليني سعيدة وأتقبل فكرة إني مش هكون أم، وافق إننا نتبنى طفل، حامد حبه ليا كان أكبر من إنه يكون أب، فضلت عمري كله أتعذب وأنا بشوف حيرته في عينه كل ما كان يروح زيارة لأهله ويرجع يترمي ف حضني زي الطفل، كانوا ديما يعايروه أنه ضحى بأبوته وطفل من صلبه عشاني، قصة حبنا الكل كان بيتحاكى عنها لكن كان وراها أمتحان صعب أوي. ».
داعبت برودة الهواء وجهه، فتنهد صالح بعمق وهو يصوب عيناه نحو مياة النيل التي أنعكس عليها ضوء القمر.
هدوء الليل وذلك السلام الساكن مع سكون المياة جعل النيران المشتعلة داخل صدره تنخمد وقد أتأخذ القرار الصحيح في الأبتعاد عنها حتى يهدأ.
أستمر في زفر أنفاسه ثم رفع رأسه لأعلى مُتنعمًا بصفاء السماء.
قربك نعيم ونار يا زينب.
غمغم بكلماته ثم لاحت أمامه صورتها وهي تبتعد عن حضنه وتركض نحو الحمام.
عادت تلك النيران توقد داخله، فهل ما يفعله معها جُرمًا، والأمر الذي يُفسره عقله هذه اللحظه يُدمي قلبه، هي ترغب بالتخلص من لمساته ورائحته العالقة بجسدها سريعًا.
أنا بتعذب في حيرتي، حاسس بنار جوه قلبي.
لطم صدره لَعلّ حرقته تزول ويُسيطر على غضبه.
لأ شكلك موجوع أوي.
هتفت بها الواقفة ورائه ثم دست لفافة التبغ بين شفتيها المطلية بأحمر شفاه صارخ.
تقوست شفتيه بتجهم وأستدار بجسده إليها، فابتسمت واقتربت منه.
تعرف إنها غبيه.
رمقها صالح باستنكار وابتعد عنها، فاردفت وهي تتلاعب بإحدى خصلات شعرها المصبوغة.
متعرفناش يا باشا، أنا مروة سيدة أعمال ولسا راجعه من فرنسا.
لم يهتم صالح لأمرها وأكمل سيره، فهي أثارت أشمئزازه.
اتسعت ابتسامة الواقفة.
من بعيد شوفتك فيه، أصل أتعرفت عليه على الباخرة هنا.
ثم تجلجلت ضحكتها ونظرت حولها وأخذت تُردد اسمه بعدما تذكرت تلك الذكرى البعيدة وهو يمد يده لها حتى يُعرفها على نفسه.
« أسامة، بشمهندس أسامة. ».
تحركت زينب في الغرفة وهي تقضم أظافرها من شدة قلقها ثم توقفت عن حركتها المُفرطة وأتجهت نحو الخزانة الصغيرة وقررت إلتقاط ملابس لها تُناسب خروجها حتى تبحث عنه.
التفت بكامل جسدها بلهفة حينما أنفتح باب الغرفة وصاحت باسمه.
ألقت ما ألتقطته يدها أرضًا ثم هرولت إليه.
سيبتني و روحت فين، أنا كنت طالعه أدور عليك.
لفت ذراعيها حول خصره وشدَّدَت من ضم نفسها إليه.
أنا أسفة.
وقوفه ثابتًا مُتصلبًا دون أن يُبادرها العناق أصابها بالدهشة، أبتعدت عنه ونظرت إليه بنظرة حائرة.
صالح.
أشاح وجهه عنها وقد زادتها فعلته ذهولًا.
أنت ليه مش بترد عليا.
لقد ضاق صدره ولم يعد لديه قدرة يُقاوم نفورها منه وتلاعبها به.
أرد عليكي أقول إيه، أقولك إنك قدرتي بجدارة توجعيني يا زينب، ده أنا سلمتك قلبي وعقلي، لو أطول أجبلك نجمة من السما عشان تكوني راضية هعملها، لدرجادي مش طايقة قربي، طب ليه سمحتيلي من الأول أقرب. ليه؟
اِنجرح حلقه من الصراخ وتحرك نحو الفراش بعدما شعر بعدم قدرته على الوقوف.
أنت بتقول إيه!
ترقرقت الدموع في عينيها، فاطرق رأسه مُطبقًا شفتيه حتى لا يتحدث ثانية ويجرحها.
صورته وهو مُطأطأ الرأس هزت فؤادها وأستوعبت أخيرًا الصورة التي وصل إليها عقله.
أنا بعمل كده عشان خايفه أكون أم، شاكر باشا خلاني قدام كل الناس إنك مختارني عشان أحقق حلم العيلة وأخلف ليكم الوريث.
رفع رأسه إليها بصدمة لا يستوعب ما تخبره به وأستطردت قائلة بحرقة وصوت مختنق.
حتى رغد عارفه إنك متجوزني عشان أخلف وبس.
وبأنفاس لاهثة ثائرة خرج تساؤلها بضعف.
أنا إيه في حياتك يا صالح؟
تعجبت من ابتسامته ونظرته إليها ثم اقترابه منها بخطوات بطيئة.
عايزة تعرفي أنتِ إيه في حياتي يا زينب، أنتِ بَلائِي، بَلائِي يا زينب.
أنعقد الكلام على طرف لسانها بعد نعته لها بالبلاء ثم أنفلتت شهقة قوية من شفتيها بعدما دفعها نحو الخزانة رافعًا ذراعيها فوق رأسها...