قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وخمسة وثلاثون

رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وخمسة وثلاثون

رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وخمسة وثلاثون

عجز لسانه عن قول ما أراد أن يُساومها عليه وقد تملكه الخزي في اللحظة التي تلاقت فيها أعينهما.
ارتجف جسد عزيز بالكامل وتساءل في داخله: هل يستطيع قول هذا الشيء لها، هل أصبح قلبه بلا رحمة حتى يخبرها أن مقابل ما سيعطيها من حقوق عليها أن تدفع مقابلها وترضى بقراراته دون أن يعطيها سببً واحدًا؟
ترقبت ليلى ما يرغب في قوله لكن صمته طال وجعل عقلها يستنتج أمرًا واحدًا فقالت:.

أنا عارفة كويس أنت عايزنا نتفق على أيه يا عزيز؟
أشاح عزيز بوجهه عنها سريعًا بعد أن شعر بانعدام ثباته أمامها.
أنت خايف يا عزيز أنك متفضلش في أول أولوياتي لكن أوعدك مافيش حاجه هتاخدني منك ووقت ما تقولي أنتِ مقصرة في حقي يا ليلى أو تلاقيني قلبت الأدوار ما بينا وبقيت أنا الراجل وأنت...
قطعت حديثها ثم ضحكت على ما كاد ينفلت من لسانها، وأمسكت يديه لتجبره على النظر إليها قائلة:.

أهم حاجة دلوقتي عندي أنك مزعلتش من حكاية شغلي من وراك.
وأسرعت بتوضيح أسبابها دون أن تتحدث عن استقلالهم في منزل تعيش فيه مع عائلة عمها بمفردهم دون سيف.
تعرف أنا مقولتش ليك لأني كنت عارفه أنك هتقولي كلمتك المعتادة...
أسدل عزيز أجفانه متنهدًا بوهن وحيرة وقد تأكد أن أمر المساومة صار صعبًا اليوم.

أنا نفسي يكون ليا حياة يا عزيز، نفسي ألاقي نفسي في حاجة بحبها وما دام لسا ربنا مرزقناش بأطفال وأنت بقيت مشغول عني، ليه مدورش على حاجات بحب أعملها وأشغل وقت فراغي بيها وأدور على صحاب يكونوا شبهي...
تقابلت نظراتهما مرة أخرى، فأسرع بخفض رأسه حتى لا ترى هزيمته أمام نفسه.
تركت يديه وتراجعت بخطواتها إلى الوراء وأردفت بسعادة: أخيرًا يا عزيز حسيت بأحتياجي أنك تسألني نفسك في إيه يا ليلى.

كالعصفور الحر كانت هي أمامه، عصفور سمح له صاحبه أخيرًا أن يتحرك خارج القفص الذهبي.
أنا من ساعت ما جيت هنا الشقة وأهتمامك بيا حسسني أني عايشة ورجعت أتنفس من تاني، لأ وكمان وبتسألني نفسك في إيه يا ليلى ومزعلتش مني وواقف تسمع ليا...
وأمام هذه السعادة وهذا الوهج الذي يضج في عينيها وقف مُكبلًا.

إيه رأيك نعيش هنا في الشقة ونسيب ال?يلا ل سيف، تعرف أنا صدقت دلوقتي كلام الدكتورة لما قالتلي النفسية مهمة جدا عشان نخلف...
اختنقت روحه واستدار بجسده حتى لا تبصر رعشة أجفانه وأكملت.
أصل لا أنت ولا أنا عندنا حاجة تمنع.
مزقت تلك الثقة التي تتحدث بها قلبه، فأغلق عينيه قائلًا في نفسه: أخبرها يا عزيز وتحرر من عجزك.
أجفلها بالتفافه إليها، فأبتسمت قائلة:
عم سعيد قالي إن سمية كانت حامل منك لكن الحمل مكملش...

وقفت أشرقت أمام المرآة تُهندم من مظهرها وتستكمل وضع زينتها.
قطبت جبينها عندما عاد الصداع يطرق رأسها مُجددًا، فهتفت حانقة:
شكلي محتاجه فنجان قهوة، أنا مش عارفه ليه رجعت تاني أشربها الصبح بعد ما بدأت أقلل من شربها.
وبوجه مقتضب أردفت وهي تُخلل أصابعها بين خصلات شعرها القصير:
هنزل ليهم المطبخ أطلب منهم يعملولي فنجان قهوة ويطلعوها مع الفطار.

سارت إلى خارج الغرفة مُتجهة للأسفل وعند دخولها المطبخ توترت الخادمات منتظرين أوامرها.
مين فيكم بتعملي أنا و مدام سيلين فنجان القهوة.
شحب وجه إحدى الخادمات ونظرت إلى زميلاتها بالمطبخ.
غادة هي المسئولة يا هانم.
أسرعت إحداهن بالرد، فنظرت أشرقت إليها بتمعن.
أعمليلي فنجان قهوة وطلعي مع الفطار بتاعي.
هزت الخادمة رأسها بارتعاب وصمت لتضيق حدقتا أشرقت لوهلة ثم غادرت المطبخ بغطرسة.

يا ساتر، عليها رفعت حاجب لا وبتكلمك من مناخيرها.
قالتها هالة الخادمة وهي تلوي شفتيها حانقة:
أسكتي لتسمعنا ديه مستشاره وأبوها مستشار يعني ممكن تربينا في التخشيبة.
سقط إناء القهوة من الخادمة غادة، فالتفوا إليها زميلاتها بعد أن توقفن عن الثرثرة.
مالك يا غادة شيفاكي مش على بعضك من ساعت ما دخلت.
تساءلت نوارة تلك التي تبادلت الحديث مع هالة، فنظرت غادة إليهن وهي تبتلع ريقها.
أنا...

خرجت الكلمة من شفتي غادة بلسان ثقيل لصعوبة نطقها للحروف، فضحكت نوارة ساخرة.
بس خلاص معنديش مرارة أسمع باقي الكلام ونقعد اليوم كله لحد ما نجمع الحروف.
نوارة عيب كده.
تمتمت بها هالة ثم وجهت أنظارها نحو غادة التي طأطأت رأسها أرضًا.
يلا يا غادة أعملي قهوة الهانم و نوارة تجهز الفطار.

نظرت ليلى نحو أطباق التحلية التي جهزتها بنظرة غير راضية، فهي كانت تتمنى أن تقوم هي بدعوة جارها العجوز وليس هو من يدعوها لتناول الطعام معه.
يا ترى كده كويس ولا عمل صنف حلو تاني؟
تساءلت ثم تنهدت وهي تسحب أحد مقاعد الطاولة الموجودة بالمطبخ وجلست عليه بعد أن شعرت بالوهن.
الحالة ديه كانت بتجيلي وأنا صغيرة.
ثم مررت يديها على ساقيها واكملت تساؤلها.
ليه رجعت تجيلي من تاني؟

رنين هاتفها أخرجها من شرودها ثم ردت على الفور، فأتاها صوت عزيز.
ليلى أنا كلمت شهد تجيلك بعد ما تخلص محاضراتها لأن أحتمال أتأخر في الرجوع.
اختفت أبتسامتها عندما أخبرها عن حضور شهد. وبندم أردف وهو يفرك جبينه من شدة الصداع:
غصب عني يا حببتي في مشاكل معايا في الشغل لكن هحاول اخلص كل حاجة بسرعة، أنا هبعتلك الغدا متتعبيش نفسك.
قطعت حديثه مُتسائلة بعد أن تأكدت أنه نسى ما أخبرته عنه منذ ساعات.

عزيز، أنت نسيت إن سيادة اللواء جارنا عزمنا على الغدا.
صفع عزيز جبهته بخفة قائلًا:
معلش يا ليلى، عقلي مبقاش في راسي...
وبنبرة صوت حزينة، تابع.
ياريت كان سيف قد المسئولية كان شالها معايا
تنهد ثم واصل حديثه يشكو لها من ثقل همومه.
نيرة أحتمال تولد أخر الأسبوع ومش عارف أعمل إيه، أه يا سيف منك، سيبتك لنفسك وأختياراتك ومعرفتش أعمل منك راجل.

أغمضت عينيها وأطبقت شفتيها حتى لا ينفلت منها حديث إذا قالته لن يكون إلا صدمة ربما لن يستوعبها. «أبن شقيقه وأبنة عمها» أثنان وضعوها في أصعب أختبار أمام نفسها وكانوا صدمة لها لا تصدقها حتى هذه اللحظة.
أنا ليه بشيلك هم وأنتِ تعبانه، هكلم محل حلويات بنتعامل معاه يبعتلك حاجات حلوة تاخديها معاكي عند سيادة اللواء وبرضو هبعت غدا عشان شهد لما تيجي...
ونظر في ساعة يده مُتنهدًا.

شهد لسا قدامها محاضرتين على ما تجيلك، يعني هتكوني خلصتي زيارتك عند سيادة اللواء.
وضعت ليلى يدها على قلبها الذي تسارعت دقاته فجأة، فتساءل بعد أن شعر بوجود خطبً ما بها:
ليلى أنتِ معايا، ليلى لو تعبانه قوليلي هسيب كل حاجة معايا وأجيلك.
ابتسمت بفتور وتنهدت.
لو حسيت بتعب هكلمك يا عزيز.
مرر أصابعه على مؤخرة عنقه وأنتصب واقفًا.
وأنا هكلم شهد تاني وأقولها متتأخرش عليكي.

وليتها تستطيع البوح وأن تُلقي بهذا الثقل عن قلبها.
أنهت مكالمتها معه ونظرت إلى ما صنعته يديها وهتفت بحيرة:
أخد الحلويات بتاعتي ولا بتاعت عزيز.
زفرت أنفاسها بعد أن أتخذت قرارها.
هاخد الأتنين.
مرت نصف ساعة على مكالمتها مع عزيز وفجأة انتفض جسدها عندما استمعت إلى رنين جرس الباب، فهي كانت شاردة في كل ما حدث بالأيام الماضية وفي صراع مع مخاوفها عن كشف تلك الحقائق التي تعلمها.

نهضت وسارت نحو الباب وفي أعتقادها أن من يطرق الباب هو عامل التوصيل أو ربما الجد نائل ذلك الرجل الذي يدهشها بتواضعه وطريقة تعامله.
رفرفت بأهدابها بعد أن فتحت الباب وهتفت وهي تمرر عيناها على ما ترتديه شهد من ثياب لأول مرة تراها بها.
شهد!
اِفتر ثغر شهد بأبتسامة عريضة وساخرة ودلفت قائلة:
آبيه عزيز بعتني ليكي، قالي أنك لسا تعبانه.
ألجم كلامها ليلى التي وقفت متيبسة في وقفتها.

لكن أنا شايفه زي ما توقعت وشكل الموضوع كله تمثيل، لتكوني عايزه تحتكري ال?يلا ليكي بعد ما نمشي كلنا منها.
أغلقت ليلى أجفانها وفي رأسها سؤال واحد لا يرحمها، ما الذي تريده شهد لتصبح بتلك الصورة السيئة؟
سيف مشي من ال?يلا النهاردة الصبح، إظاهر كده خاف إن الحقيقة تظهر
اِهتز جسد ليلى بأكمله هذه اللحظة ثم أغلقت الباب وأسرعت إليها بغضب متسائلة:
حقيقة ايه يا شهد؟ أياكِ تتكلمي، مرات عمي ممكن تروح فيها.

ظنت شهد أن ما صنعته داخل عقلها الصغير هو ما تخاف منه ليلى.
يعني عارفة بحقارتك وخايفة على ماما.
حقارتي؟
رددتها ليلى بنبرة صوت مهزوزة، فعن أي حقارة تتحدث شهد وهي التي عليها أن تدس رأسها بالوحل.
أيوة حقارتك، رسمتي البراءة على أبيه عزيز وعرفتي توقعي في حبك عشان تكوني سندريلا وبعد ما زهقتي من أبيه عزيز بقت عينك خلاص على سيف.

أنسابت دموع ليلى ووضعت يديها على شفتيها من شدة الصدمة، فالطعنة هذه المرة كانت في مقتل، أبنة عمها تطعنها في شرفها.
أنا بكرهك يا ليلى، بكرهك.
لم تشعر ليلى بنفسها إلا وهي تصفعها على وجهها صارخة.
مش مهم عندي تكرهيني أو تحبيني، المهم تفوقي من الوهم، سمية مش ملاك وشغلتك عندها عشان تكوني لعبة في أيديها وتداري على قذارة أبنها، فوقي بقي حتى سيف مش بيحبك، سيف أصلا مش عارف هو عايز إيه ولا أد المسئولية حتى...

أشاحت شهد بوجهها عنها وهي تمرر يدها على خدها.
ألتقطت ليلى أنفاسها وتابعت حديثها بلين.
أنتِ هتكوني دكتورة شاطرة يا شهد ولكي مستقبل، فين أحلامك يا شهد، نسيتي حلم عمي.
اشتعلت عينايّ شهد بالحقد وتذكرت حديث سمية معها قبل أن تأتي إلى هنا وردت:
زي ما أنتِ وصلتي ل عزيز بيه أنا كمان هوصل ل سيف.
وبصراخ أردفت.

كل كلامك كذب، لو سمية هانم مكنتش عايزاني مكنتش وقفتي جانبي وشغلتني عندها. هي عايزاني أكون سيدة أعمال زيها ناجحة.
إزاي صدقتي الست ديه، ديه مبتحبش ولادها ولا وقفت معاهم في يوم، هتحبك أنتِ إزاي؟
أندفعت ليلى نحوها حتى تقبض على كتفيها وتهزها لعلّ تلك الغشاوة تنزاح عن عينيها.

آبيه عزيز كان حرمها زمان من ولادها لكن هي كانت ست قوية وعرفت تستغل الفرص ورجعت ولادها لحضنها من تاني وهي ست ناجحة، عايزه تعرفي هي بتعمل عشانهم إيه عشان تصدقي.
تقهقرت ليلى إلى الوراء عندما ابتعدت شهد عنها.
ولا بلاش أقولك لتحسي بالقهرة على نفسك، ليلى حببتي ياريت تساعدي نفسك ولا أقولك خليكي في دور الجارية لايق عليكي أوي ومالكيش دعوة بالناس الناجحة زي سمية هانم و زي...

تَدَلَّى كتفيّ ليلى بأنهزام وأطبقت على يديها حتى توقف أرتعاشهما.
زعلتي ليه من الكلمة مش ديه الحقيقة، آبيه عزيز أتجوزك لما أتبسط منك في المزرعة، رفض الدكتورة الجامعية وأختارك أنتِ وكل ده ليه؟
والصفعة هذه المرة كانت أقوى، فصرخت شهد عاليًا.

أياكِ تقفي في طريق سعادتي ولو فكرتي تتكلمي بكلمة، هفضحك يا ليلى وهقولهم على حقيقتك، هخلي ماما و خالي يكرهوكي وهقولهم كمان إنك شجعتني أشتغل مع سمية هانم عشان أعرف أقرب من سيف...
طَفَرَت الدموع من عينيها واستندت على ظهر المقعد القريب منها وقد أصبح كل شىء يدور من حولها.
عادت دقات قلبها تخفق بسرعة حتى ذلك الشعور الذي أتاها قبل يومين بدء يحتل ساقيها من جديد وبصعوبة تحركت حتى تستطيع الجلوس على المقعد.

أنتِ يا شهد تقوليلي الكلام ده، أنا عملت ليكي إيه، ده أنا من لحمك ودمك.
أخترق حديثها مع نفسها مَسامِع زينب التي لم تنتبه ليلى على وجودها بعد خروج شهد من الشقة وترك الباب مفتوحًا.
زوزو ديه بتعيط جامد، ألحقي يا زوزو هتموت وهي بتعيط.
ابتلعت زينب ريقها بحلق جاف، فهذا المشهد وهذا الحديث الذي استمعت إلى جزء منه أعاد إليها ذكريات لا تُنسى وبهمس غمغمت حينما تذكرت طيف أشرقت في أحدى مشاجراتها معها.
أشرقت.

قبض يزيد على يد زينب لتنتبه على حديثه وتتحرك نحو ليلى التي بدأت بألتقاط أنفاسها بشهقات عالية.

سارت عينايّ أشرقت للمرة الثالثة بدقة بين الأوراق التي أمامها.
شعرت بحاجتها إلى تفريغ غضبها بشيءٍ ما بعد أن يأست من إيجاد ثغره تستطيع السير ورائها.
معقول مش عارفه ألاقي حاجة تخليني أكشف أعمالهم القذرة...
وبنبرة مغتاظة هتفت وهي تضرب على الطاولة.
مافيش أي حاجه بيعملوها مكشوفة ولا أي حاجة بتدينهم إزاي...
أفزعها رنين هاتفها المتَّواري أسفل الأوراق المبعثرة على الطاولة.

ارتجفت بأضطرب وهي تنظر إلى رقم المتصل، فأسرعت بالرد بعد أن سيطرت على رجفة نبرة صوتها.
أهلا أهلا سيادة المستشار، أيوة الملف أستلمته مش عارفه أشكرك إزاي، أيوة عارفه مكانتي كويس عندك من غير ما تقول يا فندم وأنت الوحيد اللي قولت ألجأ له...
صمتت حتى تسمعه ثم أخفضت رأسها بشحوب.
ما أنا شايفة الورق قدامي، شكلي كده فهمت حاجات غلط، حاضر يا فندم.

انتهت المكالمة التي أنحبست معها أنفاسها ثم تهاوت على المقعد الذي ورائها.
يعني إيه! أوقف تدوير ورا عيلة الهتيمي عشان أحافظ على منصب بابا ومنصبي.
وقف عقلها لدقائق عن التفكير ثم زفرت أنفسها بيأس لأول مرة يتسلل إلى روحها ويضعف من عزيمتها.
أنفتح الباب في اللحظة التي بدأت فيها بألتقاط أنفاسها مع إغلاق عينيها.
سيادة المستشارة حبيبت بابا عاملة إيه النهاردة.

خفق قلب أشرقت بذعر ونظرت إلى الأوراق التي لم تعيد دَّسها داخل درج مكتبها.
قطب هشام جبينه متسائلًا عندما وجدها تُسرع في جمع تلك الأوراق.
شكلها أوراق قضية مهمة؟
سيطرت بصعوبة على دقات قلبها الهادرة وأبتسمت بتوتر بعد أن وضعت تلك الأوراق داخل الدرج.
لأ أنا خوفت بس تضيع أي ورقة أو تندلق عليها القهوة لما نشربها سوا.
قهقه هشام وفتح لها ذراعيه قائلًا بحنان لا يعطيه إلا لأولاده:.

فعلًا، أنا محتاج فنجان قهوة أقعد أشربه مع بنتي الجميلة، قوليلي ماما اتصلت عليكي عشان تيجي تقضي معانا الأسبوع ده وتتجمعي مع أخواتك لحد فرح سيادة الرائد.
أخفت أشرقت وجهها في حضنه وحركت رأسها.
أيوة يا سيادة المستشار، بكره هكون عندكم.

قالتها بنبرة صوت حزينة وهي تقاوم ذرف دموعها على صدره، فوالدتها لا تفكر في مهاتفتها إلا لتزيدها حسرة على حالها وتخبرها أن رضاها عليها لن تناله إلا إذا جعلت مراد يركع أمامهن متوسلًا العفو منهن.

ابتلعت ليلى لعابها ثم أطرقت رأسها مُتحاشية النظر نحو زينب التي مدَّت لها يدها بكوب من الماء المُحلى بالسكر.
خدي أشربي يا ليلى.
لم تستجيب لها ليلى، فأسرع يزيد بالأقتراب منهن.
أنا لما بشرب المية بسكر بحس أني بقيت كويس يا ليلى، خليكي شاطرة وأسمعي الكلام وأشربي ولا أخلي زوزو تشربك بالعافية.
أشرق وجه ليلى بأبتسامة صغيرة ألتقطتها زينب.

لو مسمعتيش كلام يزيد يا لولو في اللحظة ديه هتكوني جبتي لنفسك وجع الرأس وهيفضل يحكيلك كام مره عيط فيها وكام مرة زعل مني ومن باباه، وليه ميس الماث مقالتش له أمبارح أنه شاطر وليه أحنا عايشين على كوكب الأرض ومش عايشين على كوكب تاني.
ضحكت ليلى مُرغمة، ف صفق يزيد يديه ببعضهما صائحًا بحماس.
ضحكت يا زوزو كده الشمس نورت.
دمعت عينايّ ليلى بعد أن وجدت نفسها بحاجة إلى البكاء مرة أخرى.
ليه بتعيط تاني يا زوزو؟

تنهدت زينب، فهي تعرف هذا الشعور الذي ينخلع معه قلب المرء مُتسائلًا في نفسه: ما الشيء السيء الذي فعله حتى يبغضه أهله ويصبح عدوً لهم.

نظرت يسرا بحاجبين مرفوعين نحو سما التي عادت من عملها للتو ودلفت إلى غرفتها دون أن تتفوه بكلمة.
شايف بنتك يا مصطفى ولا كأننا أعدائها.
أمتقع وجه يسرا عندما لم يرد عليها، فهتفت بضيق.
هروح أشوفها فيها إيه ست الحسن وأبلغها إننا بكره هننزل نتفرج على فساتين الزفاف.
لا رد وجدته منه، فأحتدت ملامحها وألتقطت من أمامه ريموت التلفاز وأغلقته.
أحسن برضو يا يسرا، أنا داخل أنام.

سحبت يسرا نفسًا عميقًا بأرتياح وهتفت.
هقعد أتفرج الأول على حلقة المسلسل بمزاج وبعدين أقوم أشوف ست الحسن.

فتحت زينب باب شقة جدها ودلفت قائلة بمرح:
جدو جبتلك ليلى، لأ وجايين كمان محملين بأكلنا، هترحب بينا ولا نرجع مكان مجانا.
خرج الجد من المطبخ بخطوات بطيئة.
يعني نسيبنا من أكل منصور.
نظرت زينب نحو ليلى الصامتة ثم نظرت جهة جدها الذي صار أمامهن وقد تحولت نبرة صوته اللينة المرحة إلى أخرى صارمة.
أرفعي رأسك يا بنت، حفيدات نائل الرفاعي مبيوطوش رأسهم.

أرتعش جسد ليلى وظنت أن حديثه يقصد به زينب لكنه رفع نبرة صوته بحزم أشد.
قولت أرفعي رأسك يا ليلى، أنا حفيدتي متدخلش بيتي بالمنظر ده، هو ابن الزهار مصنش الأمانة؟

عقدت يسرا ما بين حاجبيها وهي تلصق رأسها على باب الغرفة. أبتعدت عن الباب بغضب حتى تفتحه لكن قبل أن تضع يدها على المقبض تراجعت وهي تتمتم بغيظ وتسير مبتعدة عن الغرفة:
بقى مخططه أنك تسافري يا سما، عايزة تفضحينا قدام العيلة وأنا أقول ليه بقيتي ساكته ومافيش غير على لسانك اللي شيفاه يا ماما أعملي.
استمرت يسرا في تكرار الكلام وهي تدور حول نفسها في غرفة الجلوس.
تجهمت ملامح وجهها فجأة وصاحت:.

لازم أبوكي الدكتور الجامعي يصحى يشوف ويعرف بنته ناوية على إيه.
سارت بضعة خطوات ثم تراجعت ووقفت في منتصف الغرفة.
لا الموضوع مينفعش معاه أبوكي، مافيش غيره سيادة المستشار لازم يتصرف ونكتب كتب الكتاب بكره.
دارت بعينيها في الغرفة إلى أن ألتقطت عيناها مكان الهاتف. لم تتردد وانتظرت رد هشام الذي أندهش من مهاتفتها.
في حاجة يا يسرا، أتصالك قلقني...
تساءل هشام وهو يمنع زينة من وضع الطعام في فمه.

أحتقن وجهه وأبعد زينة عن حضنه ونهض مبتعدًا عن أنظارها.

تجمدت إلهام في وقفتها بعد أن ألتقطت عبوة دواء أستطاعت بعد بحث سريع من خلال هاتفها معرفة الغرض الطبي الذي يُستخدم له...
سقطت العبوة من يدها وحدقت بالحبوب التي تناثرت على أرضية الغرفة وهتفت بصوتٍ متقطع وأنفاس بالكاد تخرج من شفتيها.
حبوب منع الحمل بين هدومك يا زينة...

الفصل التالي
بعد 18 ساعة و 29 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة