رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وستة وعشرون
كل شئ بها ومعها مُختلفًا، تُحيره، تُشعل غضبه في لحظه ثم تُطفئُهُ، تدفعه إلى الجنون أحيانًا وأحيانًا آخرى تجعله يُشاركها جنونها، امرأة خُلقت له وأتت إلى عالمه حتى تُهذبه وتصنع منه رجل لم يكن يظن أنه سيكون عليها بل وسيري نفسه معها أبنًا وأبً وزوجًا رائعًا.
خلل صالح يده على خصلات شعره وهو يستمع إلى والدته من خلال الهاتف وكيف توصيه عليها وأن يُعاملها برفق ولين.
تنهد تنهيدة عميقة خرجت من صدره.
أنتِ بتوصيني عليهم يا ماما، دول عمري الحلو اللي بعيشه من جديد.
دمعت عيناي حورية مع خفقان قلبها وهي تستمع إلى رده.
ماما محدش يعرف إن زينب حامل غيرك وغير بابا وإننا في مرسى مطروح، أنا بفتح التليفون عشان نكلمك ونطمن عليكي.
ازدادت دموع حورية أنهمارًا على خديها، تسأل نفسها هل هذا هو صالح أبنها الذي كان يُجلدها كثيرًا بنظراته وكلماته ولن تنكر أن غضبه منها كانت تستحقه لكن الآن صار أبنًا مختلفًا وحنونًا، أبنًا مُتصالح مع نفسه ومع الحياة.
ماما أنتِ روحتي فين، أنتِ سمعاني.
أسرعت حورية بمسح دموعها ثم أبتسمت بشفتين مهزوزتين.
معاك يا حبيبي وسمعاك ومتقلقش، أهم حاجة خلي بالك من نفسك ومن يزيد و زوزو وطبعًا الضيف الجديد وعامل زوزو بحنية.
أبتسم صالح وعاد يُمرر أصابعه على خصلات شعره.
أعامل زوزو بحنية، طب ما توصيها عليا تعملني أنا كمان بحنية ديه حرمتني من الدلع بدري بعد ما بدأت أتعشم بحاجات كتير.
صدحت ضحكات حورية عاليًا وفي نفس الوقت أتسعت عيناي زينب التي أجتذبها حديثهم بالصدفة عندما غادرت غرفتها وكانت في طريقها جهة المطبخ حتى تأتي بزجاجة من الماء.
اِستدار صالح بجسده وكأنه شعر بردة فعلها، فوجدها تُلقي عليه نظرة حانقه.
أشار بأصبعه نحو الهاتف بتسلية ثم غمز لها بطرف عينه.
هكلمك بكره أطمن عليكي ومتقلقيش علينا...
أنتهت المكالمة ليظل مكانه مُنتصبًا في وقفته دون أن يستدير جهتها ثانيةً.
عقدت زينب ساعديها أمامها وهي تهز رأسها منتظرة أن ينظر إليها.
ببطء ألتف إليها وعلى شفتيه أبتسامة عريضة لكن أختفت سريعًا عندما رآها تضع المنشفة على رأسها وعلى ما يبدو إنها أنهت حمامها قبل أن تسترق السمع إلى مكالمته.
يعني لو جالك دور برد دلوقتي هنعمل إيه؟ نفسي تبطلي أستهتارك وأهمالك في الحاجات اللي زي ديه...
ثم اقترب منها وألتقط يدها وسحبها ورائه مُستكملًا تأنيبه لها.
أنا مهما أقول مبتسمعيش الكلام وبتبرقيلي كمان، لأ أنا شايف إني دلعتك أوي.
أفلتت يدها منه وحدقت به شزرًا.
يا سلام، مش أنت قولتلي هفضل دلوعتك ومهما أغلط هتكون حنين. فين بقى الحنية.
تمالك نفسه حتى لا يضحك ثم عبس بوجهه.
ده أنت خرجت مع يزيد تتمشوا على البحر وسيبتوني نايمة، لأ وفطرتوا كمان بره لكن أنا عادي أفطر لواحدي.
وبخنقة أردفت وهي تخفض رأسها حتى لا ينتبه على دموعها.
لأ وكمان كتر خيركم حضرتوا ليا الفطار قبل ما تخرجوا، عادي يعني كنت هحضر فطار لنفسي، ما أنا مش صغيرة على رأي يزيد.
فتح فمه على وسعه ونظر إليها مدهوشًا، فمن تتحدث الآن أخبرته وقت عودته هو و يزيد من نزهتهم التي لم تتجاوز الساعتين ؛ أنها سعيده ما دام هم سعداء.
بدأنا بدري ما شاء الله، ما أنا عشان كده مكنتش عايز عيال تاني دلوقتي.
أحتقن وجهها ورمقته بنظرة جعلته راغبًا بالضحك. ألتقط يدها وأحتضنها قبل أن تدفعه على صدره.
أبعد يا صالح، أنا زعلانه دلوقتي ومش مسامحاك لكن يزيد يعمل أي حاجة عادي مبزعلش منه.
أحكم لف ذراعيه حولها حتى لا تنفلت منه.
بقى حد يقدر يزعل زوزو الحلوة، لأ أوعي تعيطي. أروح أصحى يزيد دلوقتي ونفضل نقرصك من خدودك.
أنت بتهزر صح وأنا زعلانه، زعلانه بجد وهعيط جامد أوي.
حدجها لوهلة بنظرة ذاهلة ثم قهقه بكل قوته حتى بدء يشعر بآلم معدته.
لأ تعالي ندخل أوضتنا بدل ما يزيد يصحى ويقولنا في إيه؟ وأهو أشوف بهدوء وتروي سبب زعل زوزو الحلوه مني
هزت رأسها بالرفض قائلة بأمتعاض.
لأ، أنا عايزة أقعد مع نفسي عشان مخنوقة أوي.
وانفجرت بالبكاء، بكاء لا تجد له سبب لكنها ترغب بأن تبكي وتعيش دراما بائسة.
زينب، حببتي، لأ بجد أنتِ زعلانه أوي كده عشان خرجنا من غيرك...
أومأت برأسها، فتنهد واحتضن وجهها قائلًا بصوت رخيم.
تعالي ندخل أوضتنا وأحكيلك براحة عن سبب خروجنا من غيرك مع إني كنت فاكر إنك فهمتي لواحدك.
كادت أن تتحدث وتخبره إنها ليست حزينه لكنها ترغب بالبكاء والبقاء بمفردها.
ولا كلمة أعتراض ووقفي حنفية الدموع هنغرق كده.
توقفت عن البكاء بالفعل، فأندهش من ردة فعلها السريعة، لتتحول دهشته فجأة لذهول وصدمه عندما رآها تضحك.
أنتِ مافيش وسط عندك، وقفي ضحك يا مجنونه مش قادرة تخدي نفسك.
أجتذب يدها وأتجه بها جهة غرفتهم بالشقة المستأجرة حتى لا يستيقظ يزيد.
مش قولتلي أضحكي.
حرك رأسه بيأس منها ثم أغلق باب الغرفة عند دلوفهم.
لأ بجد أنا كده ممكن قريب أتجنن.
حدقته بنظرة ممتعضة لم يهتم لها ثم أجتذب المنشفة من على رأسها.
الأول يا هانم نجفف شعرك المبلول وبعدين نتكلم في كذا نقطة زي أي أتنين متحضرين.
يزداد وسامة هو، عندما تصبح ملامح وجهه عابسة وجادة.
صالح عينك بتكون حلوه وأنت متعصب.
تمتمت وهي تتأمل عينيه ثم مررت أنامل أصابعها على وجهه بأبتسامة.
هو ليه كل نقاش بينا بينتهي بحاجة تانية خالص، طب قوليلي هنتكلم في النقط المهمة اللي عايزين نتكلم فيها دلوقتي إزاي وأنتِ جريتي رجلي لحاجات بحبها، بقولك إيه أنشف شعرك ولا بلاش.
ضحكت، فضحك هو الآخر وداعب خديها بيديه.
تفتكري هخرج أنا وأبني وأسيبك كده كعقاب يعني عشان خبيتي عليا موضوع الحمل، أنا زعلان عشان من البدايه متشاركناش في القرار بعد ما حضرتك أقنعتيني نأجل الخلفة وقولت حقها وأهو نعيش شوية حلوين أعوضها فيهم وأدلعها لكن اللي حصل حصل خلاص وبقي في طفل خلانا مترابطين أكتر سوا وده اللي كنت بحلم بي لكن حلمي قصاد رغبتك منعته وأحترمت قرارك.
أغلقت عينيها واِفتر ثغرها بأبتسامة خفيفه وتركته يتحدث دون أن تُقاطعه كعادتها.
أوعي يا زينب في يوم تفكري إني أعاقبك على حاجة من غير ما وضحكلك إيه سبب العقاب.
بهمس خافت تمتمت.
لأ أنا مبحبش العقاب، وأنت راجل جميل وجينتل مان يا حبيبي.
عاد إلى ضحكاته التي تتوهج فيها ملامح وجهه.
بتعرفي تاكلي بعقلي حلاوة و أضعف قدامك وماله مافيش عقاب بالخصام ولا بالتكشير لكن هيكون في عقاب بحاجات تانيه.
رفعت رأسها إليه، ف نظر إليها بنظرة طويلة أربكتها ثم خرجت صرخة من شفتيها و أسرعت بوضع يدها أسفل ظهرها.
أيدك تقيله على فكرة...
تجلجلت ضحكاته بأستمتاع.
بصراحه ملقتش عقاب يناسب واضعك حاليا غير كده
زمت شفتيها بضيق ليرفع أحد حاجبيه مُتسائلًا.
أنا حر ولا مش حر في عقابي...
هزت رأسها مُعترضة وهي تُحرك يديها على موضع صفعته.
تعالي أنشفلك شعرك واقولك شوية نقاط نمشي عليها مع يزيد الفترة ديه وكمان شاكر باشا عشان أنتِ اكتر واحدة جدي حاليًا شايفك خطر عليه...
تحولت قسمات وجهها المتجهم إلى دهشة وذهول.
شايفني خطر عليه إزاي؟
وقف كل أفراد المنزل خارج الغرفة التي دلف إليها الطبيب ومعه فقط ليلى والعم سعيد الذي أصر على تواجده بجانب شقيقته بعد أن أصاب قلبه الهلع عليها وقد انزوت شهد بنفسها عند باب الغرفة دون قدرة على الدلوف معهم.
أطرق سيف رأسه ثم نظر نحو عمه الذي أشار إليه أن يفعل ما يراه في نظرته لها.
تحرك سيف أمام أنظار كارولين التي بدء عقلها يُفسر سبب ما حدث فجأة، ف عايدة كانت بكامل نشاطها اليوم.
هتكون كويسة يا شهد متقلقيش، ولو في حاجه كان زمان الدكتور خرج وبلغنا إننا لازم ننقلها المستشفى.
ماما هتروح مني زي ما بابا راح...
أطبق عزيز جفنيه ويديه وهو مُطرق الرأس ثم تحدث بنبرة صوت خشنة.
خد شهد وأطلع بيها الجنينة يا سيف.
تقابلت عيناي سيف مع شهد التي هزت رأسها سريعًا في رفض.
أبتسمت كارولين وأسبلت جفنيها، فالصغيرة شهد صارت على دراية أن سيف لا يشغل باله الآن غير بيسان.
تعالي معايا يا شهد وأسمعي كلام عمي...
ابتعدت شهد عنه وضمت جسدها بذراعيها.
أنا عايزة ادخل ل ماما، هو ليه الدكتور اتأخر عندها...
فرك عزيز عنقه بقلة حيلة وأقترب هو الآخر منها.
هتكون بخير يا شهد، عايدة ست قوية وكل آملها في الحياة تشوفك في أعلى مكان ورافعه رأسها بيكي.
أزالت شهد دموعها ونظرت إليها ثم أخبرته وهي تبتلع غصتها.
أنا زعلتها أوي النهاردة، خليها تسامحني.
أرتجف قلب عزيز وهو يراها تمسك بذراعيه وتبكي متوسلة له أن يجعل والدتها تُسامحها عن سبب مازال بالنسبة له مجهول.
هتخليها تسامحيني يا أبيه...
وضع عزيز يديه على خديها حتى يمسح بقايا دموعها وبصوت مُتحشرج تمتم.
هخليها تسامحك يا شوشو.
فاضت عيناها بالدموع دون توقف أمام أنظار سيف الذي عاد ضمير يؤنبه على تلك الليلة التي لا يستطيع مسامحة نفسه عليها لكن كارولين نظرتها تحولت إلى حقد نحو شهد ؛ فجميع أفراد المنزل يحصلون على رعايته وأهتمامه إلا هي.
أهو الدكتور خرج وهيطمنا.
قالها سيف وهو يُشيح عيناه عنها حتى لا ينتبه أحد على أنفلات دمعة من طرفي عينيه.
توقفت سما بسيارتها عند سكن جدها، فهي تعيش معه هذه الفترة حتى لا تحتك بوالدتها.
وبوهن ودموع لم تعد تملك القدرة على حبسها رددت حديثه.
أنا أسف عشان لعبت بمشاعرك لكن أنا موعدتكيش بحاجة، تفكيري في زينب من الأول كان غلط ولما قربت منك كان أكبر غلط وهعيش طول عمري ندمان،
وأبتسمت وهي تُحرك رأسها بسخرية على ما قاله لها.
قال ندمان قال لكن أنا اللي كنت غبية...
وأستمرت لبعض الوقت تبكي على حالها وخيبتها في الحب الذي كرهته على يديه.
أجفلها رنين هاتفها، فأنتفضت ونظرت حولها بفزع.
ألتقطت هاتفها وفتحت الخط ثم جرت من عينيها الدموع عندما أستمعت إلى صوت جدها.
أيه يا سما، واقفة بالعربية ليه من نص ساعة ومطلعتيش، أنا واقف في البلكونه مستنيكي تطلعي.
أبتسمت وسط دموعها وتحركت من مقعد القيادة إلى المقعد الاخر حتى ترى جدها وسرعان ما أبتلعت مرارة حلقها وهي تجده يُلوح لها بيده.
وضعت عايدة يدها على رأس شهد التي دفنت وجهها في حضنها وأخذت تتمتم لها بكلمات أعتذار أمام أنظار الجميع.
حمدلله على سلامتك يا عايدة، خضتينا عليكي.
قالها عزيز دون أن يرفع رأسه، فأبتسمت عايدة بتعب.
الله يسلمك يا عزيز بيه.
انسحب عزيز من الغرفة ومعه العم سعيد ومثلهم فعل
سيف و كارولين بعدما اطمئنوا عليها.
نظرت عايدة إلى ليلى وقد أوجعها رؤيتها تُحاول عدم البكاء.
ليلى، أنا كويسه مسمعتيش الدكتور قالك إيه...
أقتربت ليلى منها ومازال القلق مُسيطرًا على ملامحها.
لكن الدكتور قالك مينفعش أنفعالات بعد كده، ضغطك بيعلا بسرعه...
وتوقفت عن الكلام ونظرت إلى شهد وأردفت.
أنتِ كنتي كويسه وكنا متفقين هنتعشا مع بعض ومافيش حاجة كانت فيكي...
رفعت شهد رأسها وكادت أن تتحدث وتخبرها أنها السبب في مشاجرتها مع والدتها لكن عايدة أسرعت بالتحدث بنبرة صوت خافتة.
تعالي أنتِ كمان جانبي، عايزه أخدكم أنتوا الأتنين في حضني.
ترددت ليلى في البدايه بعدما رأت شهد تُحدقها بنظرة صارت تُحيرها.
قربي يا ليلى، حضنكم ليا هو العلاج...
أسرعت ليلى في تلبية طلبها وفور جلوسها على الفراش، ضمتها عايدة إلى حضنها.
اه لو تعرفوا يا بنات إن وقوفي على رجليا من تاني بسببكم، ليلى ونفسي أشيل ولادها و شهد نفسي أشوفها وهي متخرجة وأسلمها لراجل ابن حلال يصونها...
دمعت عيناي عايدة ولم تستطيع مواصلة كلامها وأفصاحها عن رغبتها في الموت حتى تلتقي بمن رحل وتركها وحيدة.
دخل العم سعيد الغرفة قائلًا وهو يمرر عيناه عليهن.
عايز أعرف إيه اللي حصل ولا اقول ل عزيز بيه عن شغلكم من وراه.
نظرت سما إلى جدها وهرولت إليه بعدما فتح لها ذراعيه.
طلعت مغفله كبيره يا جدو، أنا أه مش متأكدة حبيته ولا لأ لكنه وجعني أوي حتى لو قدم ليا مليون أعتذار.
ربت نائل على ظهرها حتى تهدأ قائلًا بحنان.
مافيش تجربه مبنخرجش منها إلا بنتعلم حاجة، وأنسي بقى ومتجلديش نفسك بالكلام واحتفظي بكل حاجة حصلت لنفسك...
ابتعدت سما عن حضنه وحدقت به، فأبتسم نائل وسار بضعف نحو الأريكة التي يُفضل الجلوس عليها.
لا قصي ولا زينب يعرفوا بالتفاصيل ديه، في حاجات مينفعش نحكي فيها يا سما حتى لو وجعانا.
ابتلعت مرارة ريقها وتذكرت ذلك الحديث الذي أفصحت عنه أمام مازن.
جدو أنا قولت ل مازن إني هتجوز أنا و قصي بعد شهر، أنا مش عارفة الكلام خرج مني إزاي.
عقد نائل حاجبيه ثم ابتسم، فأندهشت.
أنت مبسوط كده ليه يا جدو.
أشار إليها نائل أن تأتي لحضنه، فتحركت نحوه بتخبط.
ما احنا فعلا بنرتب لفرحك أنتِ و قصي يا حبيبة جدو.
ألقت مروة بهاتفها بعد أن أنتهت من تلك المكالمة التي تُشعرها بتورطها مع أشخاص يستطيعون دعسها تحت أقدامهم دون رحمة.
بعد السنين ديه كلها تكوني شر برضو عليا يا بنت أسامة...
وألتقطت إحدى زجاجات عطرها ثم قامت بتهشيمها صارخة بغضب، فبسبب تلك المهمة صارت خطواتها محسوبة.
أخفض الواقف رأسه أمام سيده بعدما أنهى مكالمته مع تلك المرأة المزعجة.
الست ديه أختيارنا ليها من الأول كان غلط يا باشا.
تحرك عدنان أمامه وألتقط قداحته الموجوده على طاولة مكتبه.
خلينا يا باشا نخلص عليها ونرتاح...
التف عدنان في تلك اللحظة التي أخبره فيها الواقف عن رأيه.
من أمتى وأنت ليك رأي؟
تمتم الواقف بنبرة صوت مهزورة مُعتذرة.
آسف يا باشا، عندك حق.
زفر عدنان أنفاسه بضجر مع أول نفثه من سيجارته.
نهايتها أنا سيبها لشخص واحد وبس ومادام مراد دخل معانا في الموضوع هسيبها ليه.
وفجأة صدحت ضحكات عدنان وهو يتخيل مقطع الفيديو الذي سيتم تصويره ويجمع بين مراد و زينب.
مش هحرمك من أمنيتك يا مراد وهجيبهالك لحضنك ونبقى نشوف شاكر باشا وحفيده هيعملوا إيه قصاد سمعة العيلة الكريمة...
اِنمحت أبتسامة سمية وهي ترى كارولين تتبختر في مشيتها أمامها عند دلوفها إلى غرفة مكتبها وقد بدأت بالفعل تستاء منها.
تنهدت سمية بصوت مسموع ونظرت نحو ساعة معصمها.
عندي أجتماع بعد عشر دقايق، فلو في حاجة مهمه قولي، مافيش نأجل كلامنا بعدين.
أخذت تتلاعب كارولين بأظافرها، فرمقتها سمية بنظرة ماقته.
السيد عزيز عاد إلى وضع الرجل العاشق لزوجته وكأن ما مر بينهم مضى.
أقتربت سمية منها وجلست قبالتها ثم أبتسمت.
ما هو ده طبع عزيز، يحب في الست اللي معاه شويه وبعدين يحسسها ولا كأنها حاجة وهكذا لحد ما هي تزهق وتسيبه.
تحاشت كارولين النظر إلى سمية التي أخذت تتفرسها بعينيها.
عايزه اقولك إني مُنسحبة من عدائي مع عزيز، أصل أتصالحنا خلاص وفي النهاية إحنا أهل وكنت في يوم مراته.
ألقت سمية كل ما لديها ثم نهضت وأردفت قائلة وهي تضع كلتا يديها على كتفين كارولين.
عندي اجتماع مهم وشغلي رقم واحد في حياتي.
أبتسمت بيسان عندما وجدت سيف جالسًا على إحدى الطاولات وينتظرها.
أخيرًا عرفت أقابلك، لسا زعلان مني.
مازحته بطريقة غير رسمية حتى تكسر ذلك الحاجز الذي وضعه بينهم منذ أخر لقاء.
بالعكس أنا مش زعلان منك، أنا زعلان من نفسي وجاي أقولك إن في حاجات كتير هغيرها في حياتي وأولهم هقولك إني صادق في حبي لكن...
قاطعته حتى لا يُكمل بقية حديثه ووضعت يدها على يده.
وأنا كمان بحبك يا سيف وأخدت قرار إني لازم أسيب فارس، أنا مش عارفه احبه وبحبك أنت...
ألتمعت عيناي الواقف من بعيد بعدما ألتقط لهم الصور المطلوبة منه.
فتحت ليلى عينيها بصعوبة ثم ابتلعت ريقها وهي تتآوه من ذلك الآلم الذي يُسيطر على كامل جسدها.
صباح الخير.
هتف بها عزيز وهو يمشط خصلات شعره، فأبتسمت وكادت أن ترد على تحيته وتنهض لكن بدأت بالعطس لمرات.
ترك عزيز المشط من يده ونظر إلى أحمرار وجهها.
أنتِ شكلك تعبانه من امبارح.
ردت بصوت مكتوم قبل تنطلق من شفتيها عطسة جديدة.
أنا كويسة.
تنهد عزيز بقوة.
كويسة إزاي قوليلي وصوتك بيخرج ضعيف وشكل الحلق مُلتهب، هبعت اجيبلك علاج من الصيدليه.
هزت رأسها بالموافقة وهي تبتلع ريقها عدة مرات.
هاخد العلاج وأروح عند مرات عمي، اقعد هناك...
امتقعت ملامح عزيز ودفعها برفق حتى تعود إلى الفراش.
لأ هتقعدي ترتاحي، وأنا ساعتين هروح أخلص شغل وأجيلك...
ثم أردف بأستياء بعدما شعر بدفئ جلدها.
جسمك دافي وممكن الحرارة تزيد...
رفرفت ليلى بأهدابها ثم رفعت يدها تضعها على جبينها.
جسمي دافي لكنه مش سخن يا عزيز.
وضع عزيز يده على جبينها مرة أخرى ثم تنهد.
ليلى، من فضلك اسمعي الكلام.
عبست بشفتيها وتسطحت على الفراش مُرغمة.
هنزل أبعتلك الفطار ومعاه العلاج وساعتين وهتلاقيني فوق راسك وحذاري يا ليلى ألاقيكي تحت في المطبخ أو هناك عند عايدة.
نظرتها الواهنة التي ألقتها عليه جعلته يعود إليها مُقبلًا جبينها.
هرجعلك بسرعة يا حببتي.
أغلق عزيز باب الغرفة ورائه لتخفض رأسها شاردة في تهديد العم سعيد لها ولزوجة عمها عن أمر عملهم الذي يخفونه عن رب عمله، الرجل الذي يُحاوطهم بكامل رعايته.
عزيز بقى كويس أوي معايا ومينفعش اخبي عليه أكتر من كده...
وبأمل تتمنى ألا يزول مع الأيام.
هو قالي امبارح شوفي عايزه تعملي إيه وأنا اساعدك...
وبصوت حزين وحيرة تساءلت.
لكن ليه قالي نأجل الخلفة مع إنه كان بيلح على الموضوع كتير، معقول عزيز مش عايز يخلف مني...
أقتحمت العديد من الأسئلة رأسها لكن لا جواب وجدته.
أبتعدت كارولين عن المطبخ بعدما استرقت السمع إلى الحديث الدائر بين عزيز و العم سعيد.
ليلى مريضة و سيف سيبيت ليلته في العمل وهذا العجوز هذه الفترة يذهب إلى فراشه باكرًا.
قالتها إلى نفسها ثم عادت أدراجها إلى غرفتها وأسرعت نحو أحد الأدراج المُغلقة وتملك مفتاحها وفتحته بلهفة.
أخرجت أثواب النوم التي سرقتها من ملابس ليلى ونظرت إلى كل واحد منهم إلى أن وقعت على أكثر الألوان التي أصبحت تعرف إنه يُفضلها.
هذا هو...
تمتمت بها وهي تحتضن ثوب النوم ثم ألتقطت زجاجة العطر التي انتبهت على شراء ليلى الدائم لنوعها.
إنه عطر ليس مثير لكن بالتأكيد يجذبه...
وفجأة داعبت شفتيها أبتسامة ماكرة ووضعت ما بيديها جانبًا وألتقطت تلك العُلبة التي تحتوي على حبوب تعرف تمامًا كيف ستُحقق الغرض منها هذه الليلة عندما تضعها في مشروب الأعشاب الذي أثنى عليه عندما صنعته له هو و سيف قبل أيام وتقبله منها دون أن يُعلق عليه أو ينظر إليها بتلك النظرة التي جعلت رغبتها الشديدة به تتحول إلى الأنتقام منه، نعم ستجعله رجل خائن في أعين الجميع بل وستخضعه لرغباتها وستنتصر لكرامتها...
هكذا صور لها عقلها وقررت التنفيذ...
بالتأكيد ليلى تتناول علاج الآن، لا بأس أن أتلاعب في أدويتها.
أتى عزيز باكرًا كما وعدها لكن فور أن دلف الغرفة، تبدلت ملامح وجهه المُسترخية لأخرى متجهمة عندما رأى كارولين تجلس معها بل وتطعمها.
نهضت كارولين وأطرقت رأسها قائلة:
لا تنسي تناول أدويتك ليلى حتى لا يشتد المرض عليكي.
غادرت كارولين الغرفة، فنظرت ليلى إلى عزيز.
بتخاف منك أوي، هو أنت بترهبها كده ليه يا عزيز.
ارتسمت السخرية على شفتي عزيز، فهو قد ضجر واتخذ قراره أن يستقل بحياته معها حتى يتجنب القيل والقال في أمر أنجابهم لطفل.
ليلى، أنا مش كذا مره أقولك، حطي حدود بينك وبينها ومتدخلش أوضتنا.
بدأت بالسعال، فأسرع إليها يلمس جبينها وعنقها ومواضع أخرى من جسدها حتى يتأكد.
حرارة جسمك معقوله.
أبتسمت عندما وجدته يلتقط ذلك الحساء.
هي بتعرف تطبخ أصلًا.
ثم تذوق القليل منه.
طعمه مش حلو، شربتي إزاي ده.
ورغم وهن جسدها وعدم قدرتها على الضحك إلا أنها ضحكت على تصرفه الذي لا يليق ب رجل مثله.
انتفضت أشرقت ومثلها أنتفضت الطبيبة عندما فتح مراد الباب.
وقعت عيناه على وضعها وقد تأكد بما أتى في عقله، زوجته العزيزة تبحث عن أفضل وسيلة حتى لا تحمل منه أو ربما تتأكد من عدم حدوث هذا.
ويا ترى المدام طلعت حامل ولا قالت تلحق نفسها...