رواية فتاة ذوبتني عشقا للكاتبة أمنية محمد الفصل الرابع عشر
ترك كل ما بيديه وهرول للخارج على صوت فرح الصارخ بأسمه واسم والدته. وقف امام والدته الغير واعية والفاقدة للوعي تماماً وهي يصرخ بصوت قلق (ماما. ماما فتحي عيونك الله يرضى عليكي! ) ابتعدت فرح من جوارها سريعاً ثم اتت بكوب ماء واخذت تمسد بالماء على وجه نورهان ولكن لا حياة لمن تنادي. نظرت ل سليم القلق قائلة بنبرة خافتة يغلفها القلق (احنا لازم ناخدها المستشفى دي باينلها ضغطها وطي) مال على والدته يحملها بين ذراعيه متوجهاً للخارج بينما فرح تلحقه للسيارة متوجهين للمستشفى...
كان الجميع قلق. سليم. فرح جواره. فارس. حنين. جميعهم. القلق ينهش قلوبهم على كل من قمر والوالدة نورهان. وبعد طول انتظار خرج الطبيب من غرفة العمليات التي بها قمر ووقف جوار فارس وسليم قائلا بهدوء وخفوت (احنا عملنا إلى قدرنا عليه. دعواتكم للمريضة! ) ابتلع فارس غصته قائلا (يعني اي يادكتور؟ هي اكيد هتبقى كويسة حالتها دلوقتي افضل صح؟ ) اخذ الطبيب نفساً عميقاً قائلاً (المريضة باين اتعرضت لعنف جسدي مع الرصاصة إلى جت في مكان غلط كُليا ممكن تأثر بعد كدا. انا مش هقدر اقول اكتر من كدا إلا لما المريضة تفوق ونبدأ نعملها فحوصات نطمن على كل حاجة. ) نظر له سليم بقلق قائلا (دكتور انا ممكن اجيب دكاترة من برا تشوف حالتها المهم أختي تبقى كويسة! ) هز الطبيب رأسه بنفي ثم قال (مافيش داعي لدكاترة من برا) ثم ابتسم ابتسامة بسيطة (ان شاء الله بدعواتكم لربنا هتبقى كويسة! ) ثم غادر من امامهم بينما استند فارس على الحائط رافعاً رأسه لاعلي قائلا بخفوت (يارب، يارب اشفيها يارب! ) اقتربت منه حنين واضعة يديها على كتفه قائلة بنبرة شبه باكية (هتبقى كويسة ياحبيبي بإذن الله ربنا يقومها بالسلامة! ) نظر لهم سليم ثم وجه نظره لفرح التي تنظر له بقلق ثم ابتسمت بخفوت قائلة بنبرة دافئة (هتبقى كويسة ان شاء الله. ربنا هيقومها بالسلامة! ) هز رأسه بخفوت ثم توجه للغرفة التي تقبع بها والدته. نظر إليها بحُزن ها هو الآن بأختبار صعب من الله. في حالة اخته. ووالدته الحزينة على ابنتها. اختبار في اقرب اثنين لقلبه، في الحياة نفسها. اخذ نفساً عميقاً ثم التفت عندما شعر بيديها على كتفه تواسيه بإبتسامتها الدافئة. بادلها هو الآخر بابتسامة بسيطة فقالت (تعالى نقعد شوية برا واهو تشم هوا! ) اخفضت يديها من على كتفه ل كفه ممسكة به. ثم خرج معها للخارج وجلسا جوار بعضهم على كرسي كبير امام المستشفى ينظران للفراغ. للظلام الذي حل السماء يعلن قدوم الليل بقمره ونجومه. نظر للسماء بشرود قائلاً (حاسس ب الذنب في اللي حصل ل قمر. ) نظرت له فرح بأهتمام وقبل ان تتحدث اكمل (انا علطول بكون جنبها يافرح. انا عمري ماسبتها في حياتي في لحظة ضعف. او لحظة حُزن. حتى في السعادة بنتشاركها سوا. كنا بنتشارك كل حاجة عشان كنا عايشين في الحياة و فاهمين إلى بيحصلنا. كنت دايما انا الحامي بتاعها بعد ربنا. ) اكمل بضحكة حزينة (حتي حاميها من الصراصير إلى كانت بترعبها وبالذات في نص الليل. كانت بتيجي صريخ من اوضتها لاوضتي عشان تصحيني اموتلها الصرصار) ابتسم بحنية مكملا (قمر كانت في حياتي مش بس اختي. كانت صحبتي كمان. كانت بنتي. ) نظر لفرح ثم قال بنبرته الحنونة (انا بحب اوي اقعد افتكر ذكرياتنا. بحب افضل افتكر كام مرة كنت بخليها تعملي اكل. كام مرة كنت اقومها في عز الشتا والبرد عشان تقليلي بطاطس او تعملي شاي. كام مرة هي قومتني في عز البرد والشتا عشان انزل اجبلها ايس كريم من إلى بتحبه. كام مرة مرة سهرنا سوا نسمع مسرحية ونفضل فطسانين عليها من الضحك. او فيلم رعب وتفضل يومين تلاته خايفة من خيالها! ) ابعد نظره بنبرة مختنقة مكملا (كنت دايما جنبها. ولما جه الكلب إلى دخل حياتها هي بدأت تبعد عني عشان معرفش. عشان هي عارفة اني مش هوافق على ادهم عشان إلى بيعمله! ) اخذ نفساً مكملا (هي حبته اوي. وهو مكنش همه غير شهوته تجاهها وانه يجي في الآخر منتقم مني عشان انا شايل ضده حاجات كتير عشان يتحبس، انا حذرتها منه كتير اوي بس هي كانت مفكرة اني مش عايزها تكون مع إلى بتحبه وبيحبها. حاولت اقنعها انه مش بيحبها بس هي مكنتش بتقتنع بكلامي. انا غلطت لما يأست وقولت بكرا تفهم لوحدها. اهو جه بكرا وهي بين ايد ربنا دلوقتي مش عارفين حالتها هتبقى اي. ياريتني منعتها غصب عنه عشان متوصلش للحالة دي) هبطت دمعة فارة من عينيه فمسحها سريعاً. بينما فرح كانت تسمعه بحُزن. تعلم جيداً ماهي الأخوة. فهي لديها اخ واخت تخاف عليهم من نسمات الهواء المارة. تعلم الآن بماذا يشعر. وضعت يديها على كتفه بحنية قائلة (هتبقى كويسة ياسليم. هي جت فترة عليها وضعفت وغلطت. واحنا كلنا بنغلط عشان احنا مش ملايكة. بس احمد ربنا انها عرفته على حقيقته احسن ماكانت تتخدع فيه اكتر من كدا، والحب اعمى زي ما بيقولوا) ابعدت نظرها قائلة للحظات بنبرة شاردة (الحب اعمى ياسليم. وزي ما بيقولوا إلى بيحب مبيعرفش يفرق بين صح وغلط. بيشوف كل إلى بيعمله صح. ومبيشوفش قد اي كان غبي وهو بيعمل الخطأ دا. ) نظر لها سليم ببعض الاستغراب الممزوج بالحيرة فنظرت له سريعاً مبتسمة ابتسامة هادئة مكملة (متظلمهاش لمجرد انها حبت وهي كانت صاينة للحب دا. انما هو باع! ) كان يتابع ملامحها بهدوء ثم قال بعد تنهيدة (مبظلمهاش يافرح. مبظلمهاش! ) اغمضت عينيها للحظات مع تنهيدة قوية اخرجتها من داخلها. ثم فتحت عينيها قائلة (ولا انت ليك ذنب في إلى حصل، متفضلش محمل نفسك الذنب دا! ) اخذ نفسا عميقا مكملا بخفوت (بحاول! ) ثم امسك يديها بين يديه ينعم بتلك الراحة التي يجدها جوارها. جوار فرحته!
- على ونور -.
دلف لمنزلها والقى التحية على والدتها. ثم عليها بحب محملا ب شوق يقتله داخلياً. ذلك الشوق الذي يجعله يراها في وجوه الآخرين عندما تكون بعيدة عنه. بداخله عقل لا يجيد التفكير إلا بها. وقلب لا يتقن سوى اشتياقها. كان على جالساً معها في شرفة المنزل. ينظر لتلك العينين الشاردتين بإنزعاج. فهي لم ترحب به كما توقع. اطفأت داخله ذلك الحماس الذي أتى به. ومنذ أن أتى وهي صامتة. وكأنها تفعل ذلك عمداً وتتجاهله عمداً، ذلك الإهمال الذي يأتي بعد الإهتمام هو قتل نفس بريئة بغير حق. قال في على في خفوت (انتي مالك بتتجاهليني كدا ليه من ساعة ما جيت! ) ردت بإختصار دون النظر إليه (شايفاه الحل الامثل في المشكلة إلى احنا فيها! ) نظر إليها بإندهاش قائلا بسخرية (مشكلة؟ مشكلة اي دي ان شاء الله إلى احنا فيها! بقا انتي مسميه إلى حصل بينا مشكلة وحله التجاهل وهو دا الحل الامثل يانور! ) نظرت له ببعض الغضب ثم قال بانفعال مع الاحتفاظ بصوتها الهادئ (اه مشكلة يا علي. ومشكلة كبيرة لما تحرجني قدام مديري يوم خطوبتنا وهو جاي يباركلي. هو انت مبتوثقش فيا يعني ولا اي! ) اكمل بغضب هو الآخر (رأيك لما يجيلك مديرك من غير عزومة دا عاادي، دا حتى سأل على عنوانك وجه مخصوص، اي الإهتمام دا كله، مكنتيش مجرد موظفة في شركته! ) قالت بنبرة جافة (على الاقل هو اهتم وجه. وكمان اعتذرلي في الشركة انه جه من غير معاد وانه ممكن يكون سبب مشكلة بينا، بس لما جه وضحلي انك مبتوثقش فيا اصلا. وجوده وضحلي حاجات كتير. ) جذبها من ذراعيها لداخل المنزل حتى لا يصل صوتهم للمارة في الشارع. كانت تحاول جذب ذراعيها من يديه بإنزعاج (سيبني ياعلي. ابعد ايدك عني! ) ولكنه كان الاقوى بالضغط على يديها ممسكا بها بغضب. اغلق باب الشرفة ثم التفت لها قائلا بغضب يعمي عينيه (لا بصي بقا يانور. احنا نتكلم دلوقتي على بياض كدا. معنى اي الكلام إلى انتي قولتيه دا بقا. يعني اي وضحلك حاجات كتير. ومعنى اي وجوده في دي، كان مين هو عشان يبقى له وجود في حياتك؟ ) كانت ملامحها مصدومة من ردة فعله الغاضبة. فغضبت هي الاخرى قائلة (انت باين عليك اتجننت ولا اي. ايوه اثبتلي انك اساسا مبتهتمش بيا وانك كل همك شغلك وبس. انت اي ياخي، واذا كان عن وجوده إلى انت مضايق منه فهو له وجود انه كشف اهمالك ليا قبل مانخطو خطوة تانية! ) لحظات صمت وكأن دلو ماء بارد وقع فوق رأسه. ينظر لها بصدمة. هل هذه نور التي يعرفها وتربى معها واحبها من قلبه. اتت والدتها على صوتهم قائلة بتساؤل وحيرة (مالكم ياولاد. صوتكم عالي ليه في اي؟ ) كان على ينظر ل نور فقط. ينظر إليها بصدمة يعتريها الإختناق. اختناق يشعر انه سيحطم قلبه من الداخل. هل تُعلي من شأن رجل اخر غيره وامامه! اعتراه الغضب مرة آخرى قائلا (واللهِ. لا والله شابوه لمديرك انه خلاكي تشوفيني على حقيقتي. بقا انا مش بهتم بيكي يانور، انا إلى بقيت مش بهتم بيكي. انا إلى كنت ببقى جاي مفحوت من الشغل ومرضاش انام الا لما اجي اشوفك واطمن عليكي. انا إلى عمال اكافح واعمل واعمل عشان تبقى حلالي في اقرب وقت ونبقى سوا. هو جه في يومين غيرلك المنطق دا كله. اي سحرلك دماغك ولا عشان هو بتاع شركات بقا ومستواه اعلى مني واهتم بيكي بتاع مرتين تلاته ميجوش في العمر إلى عشناه سوا! ) كانت تستمتع إليه بعيون باكية. عينيها تنظر بعيداً. لا تقوى على النظر في عينيه او له حتى. قالت والدته محاولة ان تُلطف الجو (اهدا ياعلي يابني اكيد نور متقصدش حاجة. اقعدوا واتفاهموا طيب انتو الشيطان دخل ما بينكم يابني استغفروا ربنا واقعدوا يا حبيبي يلا! ) هز رأسه بنفي وهو ينظر ل نور بنظرة منكسرة (فكري كويس في كلامي وقوليلي انتي ناوية على اي؟ ) شهقت والدتها وهي تضع يديها على صدرها (متقولش كدا يابني هتكون ناوية على اي يعني اكيد ناوية تصلح إلى بينكم. استعيذوا بالله ياحبايبي واهدوا كدا! ) لم ترد نور بحرف بل التفتت مُغادرة لغرفتها بخطى سريعة. بينما على يتابع تحركها من امامه بعينين منكسرتين. ابعد بصره من الفراغ الذي احتل موضعها الذي كانت تقف به منذ قليل لوالدتها. نظر إليها بهدوء ثم اقترب يقبل رأسها قائلا بهدوء (انا ماشي يام نور. خدي بالك من نفسك! ) ثم اولاها ظهره هو الآخر وهي تدعو له قائلة (ربنا يحل مابينكم يابني يارب ويهديكم. الف سلامة ياحبيبي! ) تنهدت بعمق بينما هو غادر المكان ب قلب عالق ما بين الحياة والموت...
- فرح -.
وها هو يبتسم النهار بإشراقته المنعشة فتبدأ معه الحياة، وتعانق خيوطه كل أرجاء السماء فلننهض ونشرق كما تشرق شمس سمانا التي تملأ الأرض نورًا ودفئًا، استيقظت بنشاط وايقظت اخاها واختها ليذهبوا لمدرستهم. ذلك هو يوم روتينها. الاستيقاظ مبكرا لمساعدة اخواتها في الملبس. ثم الجلوس في الشرفة بشرود. تعطلت عن عملها بسبب المشاكل التي تحدث مع عائلة سليم. والآن اقترب الوقت لتعاود العمل بسبب انتهاء النقود التي اكتسبتها في العمل. اخذت نفساً عميقاً ثم وقفت مكانها تنظر للمارة في الشارع بشرود هنا وهناك. حتى وقفت سيارة سوداء من الطراز الحديث، هبط منها ما لم تكن تتوقع وجوده. ما لم تكن تتوقع معرفته لمكانها. توسعت عينيها بصدمة وهي تنظر ل أحمد الذي ينظر اليها بهدوء. بملامح مليئة بالأسئلة. بينما هي ارتجفت داخلياً وهي تنظر له بخوف. وحيرة ماذا تفعل هل تدخل للمنزل او تهبط له وتتحدث معه ام ماذا، لم تكن تود رؤيته اطلاقا. فهو يذكرها بماضي لا تريد ان تتذكره، ذلك ابن عمها الاكبر، ذلك الذي كان والده السبب بتشردهم. ابعدت نظرها بعيداً عند تلك النقطة وكأنها غير مهتمة انها تراه الآن، عكس ملامحها التي تفضحها الآن بالعديد من المشاعر. ووجهها المقتضب بغضب. ركب أحمد سيارته وغادر دون اي شئ يفعله. اتى ليراها وغادر. اخذت نفساً عميقاً ثم دلفت للمنزل بتوتر وهي تفكر وشاردة بذلك المستقبل الغامض الذي ستعيشه.
- تيم وطيف -.
كانت جالسة في حديقة المنزل تضم قدميها إليها وشاردة بعيداً. شعرت بيديه على كتفها فأغمضت عينيها بهدوء ثم فتحتهما مرة اخرى فكان هو يجلس امامها وينظر لعينيها بملامح متسائلة لسبب عبوسها. أبعدت يديه عنها وهي تقول (انا هرجع بيتي. معنتش عايزة اقعد معاك هنا) قوص حاجبيه بإستغراب وهو يقول بحدة (انتي حصلك حاجة في عقلك ولا اي! مش هترجعي البيت انتي هتفضلي هنا عشان انتي ممكن تتعبي في اي وقت! ) هزت رأسها بنفي وإصرار لما تقوله (انا قولت إلى عندي. انا عايزة امشي! ) تحولت ملامحه لغضب. وعينيه احتدت عن قبل بينما هي كانت تنظر لعينيه ببرود قاتل. لم يراه يوماً في عينيها. امسك يديها بين يديه ضاغطا عليهم بضيق قائلا (حاضر يا طيف. قومي اجهزي عشان نروح! ) هزت رأسها بضيق ثم صعدت لغرفتها وعينيها مليئة بالدموع التي لا تنتهي. وقلبها يؤلمها بشدة. تريد الذهاب وفي ذات الوقت لا تريد. تريد ان تعلم قيمتها له. هل قيمتها تعززت بتلك الطريقة بسبب ابنهم...
انتهت من ارتداء ملابسها وخرجت من الغرفة مع اغراضها. رأته يجلس على الاريكة يدخن بشراسة. عينيه تشع الشرار بغضب. فأخذت نفساً عميقاً واقتربت من موضعه قائلة (يلا) رفع بصره ينظر إليها بحدة ثم قام من مكانه قائلا بتهكم (يلا يا. طيف) ضغط على اسمها بضيق فإبتلعت غصتها وغادرت امامه باتجاه السيارة.
كان يقود بصمت وبرود عكس ذلك الغضب الذي يجتاحه من جميع مكان، بينما هي تنظر للطريق بشرود. تفكر فيما تفعله. ولكن أكان هيناً عليه ان يتركها بهذه السرعة. اللعنه على تقلبات مزاجك طيف. انتِ بكل دقيقة بمزاج معين.
انتبهت للطريق فكان غير طريق منزلها فنظرت له باستغراب (احنا رايحين فين. دا مش طريق البيت! ) لم يجاوبها. بل ظل مستمرا على حالة البرود تلك. فزفرت هي بضيق لحاله تعلم الآن انه يخطط لشئ اخر. ولكن بماذا يخطط ذلك المدبر الذي بجوارها...
وصلت نور إلى الشركة وهي شاردة الذهن. كل ما في بالها الآن هو - على - وحديثه لها بالأمس. فجأة شعرت انه لا يثق بها. منذ ذهابها إلى الشركة وهو يسألها عن كل شئ يحدث معها. هل ذلك شك اهتمام.؟ ولم يكن الاهتمام الزائد الا اختناقاً، هي تختنق من اهتماماته الزائدة! لا تعلم انها نابعة من القلب، فتحت هاتفها على اسمه تفكر في الحوار الذي حدث بينهم بالأمس. رفعت بصرها فرأت تامر امامها يتحدث مع احد الموظفين.
تامر. دخل لحياتها بدون اي مقدمات. قلب حياتها رأساً على عقب. جعلها تغير قليلاً في تفكيرها. في حياتها. وحياتها المستقبلية. بل تحديداً حياتها الزوجية مع علي. رأت ب تامر اشياء اكثر ليست موجودة ب علي. ذلك العلي الذي تربيت معه وتعلمه ظهرا عن قلب. إلا انها لم ترى غيره ولم تتعامل سوى مع غيره في حياتها لتعلم ذلك كيف يفكر وذلك كيف يتصرف وذلك وذاك وهذا، ولكنها عندما رأت تامر وتفتح عقلها على التفكير الزائد. يتحدث معها تامر يومياً عن الاحلام والمعيشة والحياة. تريد ان يتفتح عقلها هكذا. ان تخرج من تلك الحارة التي اصبحت تكره الوجود فيها. ان تترقى وتترك تلك الشقة المتهرية. لا عيبٌ في الفقر ولكن العيبٌ ان نقف مكتوفين الأيادي دون التخطي للإمام.
وضعت يديها على رأسها تمنع نفسها من التفكير فسمعت صوته الحنون وهو يقول (نور. انتي كويسة؟ ) رفعت بصرها تنظر له بابتسامة صغيرة وكأنها تخرج غصبا قائلة (ايوه كويسة. ) جلس امامها وهو يقوص حاجبيه باستغراب (بس مش باين. ) ثم قال بابتسامة مع نبرة متسائلة تحمل داخلها بعض الحنين الذي يسرق قلبها (اي رأيك نطلع نتغدى ونتكلم شوية. انتي شكلك مرهق وعايزة راحة قومي يلا! ) نظرت له بتفكير ثم ابعدت نظرها ليستقر على الخاتم الذي بيديها. لتتحول قسمات وجهها الى تهكم. فانتبه تامر لذلك فأخذ نفسا عميقا ثم وضع يديه فوق يديها وكأنه ينبهها (قولتي اي!؟ ) رفعت عينيها تنظر له ثم قالت بخفوت (تمام يلا! ) فإزدادت ابتسامته توسعاً ثم وقف مكانه بينما هي الاخرى وقفت معه وغادرت.
كان يجلس بجوار والدته الصامتة عن الكلام. وعن الاكل والشرب. فقط عينيها تذرف الدموع على ابنتها. تنهد بعمق وهو يقول بنبرة تتطمئها (ماما. ياحبيبتي والله الدكتور قالك هي كويسة. بس لسه محتاجة وقت عشان تفوق) لم تستجيب له فقال مرة أخرى وهو يلف يديه حول كتفها قائلا (ياقلبي عشان خاطري هجبلك اكل عشان تاكلي كدا غلط عليكي وعلى صحتك انتي كمان، يلا عشان لما قمر تفوق تشوفيها وتبقي كويسة) انتهى من كلامه مع دخول فارس للغرفة التي هما بها وهو يقول بنبرة متسائلة قلقة (الدكتور قالكم اي يا سليم!؟ ) جاوبه سليم بخفوت (قال انها كويسة وتعدت مرحلة الخطر. بس عايزين يعملولها اشاعات وصور في مكان الرصاصة. بس هي هتبقى كويسة يعني! ) اخذ فارس انفاسه بتنهيدة عميقة من الداخل. وها هي بخير وستكون بخير. سيفعل أي شئ لاسعادها الآن. يعلم جيداً ومتيقن انها في حالة سيئة ولكن كل ذلك سيمر، سيمر مع وجودها معه ووجوده معها. سيمر وسيكونان اسعد اثنين في هذه الحياة. فهو يحبها من داخل قلبه ومن اعمق نقطة، وسيجعلها تحبه مثلما احبها. ولكن فلتستيقظ ومن ثم سيفعل اي شئ لها. خرج من الغرفة التي يوجد بها والدة سليم وقمر ذاهبا للطبيب ليتحدث معه عن حالة قمر.
- حنين وليث -.
(خلاص يا حنين هتبقى كويسة ان شاء الله انتي ليه عاملة في نفسك كدا!؟ ) هزت رأسها بإيجاب وهي تقول بخفوت (ان شاء الله. انا بس زعلانة عليها هي متستاهلش كل إلى بيحصلها دا! ) وضع يديه فوق يديها بحنية وهو يقول (دا قدرها ياحنين. وهي ياستي هتبقى كويسة) رفعت بصرها تنظر لعينيه بامتئنان (شكرا اوي انك واقف جنبي في الوقت دا. انا مش هنسى انك كنت جنبي في وقت صعب زي دا) ابتسم بحنية ثم تحولت ابتسامته لابتسامة لعوبة (منا برضو لازم اقف مع مراتي المستقبلية في مشاكلها وكدا ولا انتي اي رأيك) احمرت وجنتيها خجلا من كلامه و ضربته برفق على يديه وهي تقول (اسكت بقا الله. المهزأ إلى فيك بدأ يطلع! ) قهقه لكلامها وهو يقول بغمزة (الله هو انتي مش وافقتي اننا نتجوز! ) قوصت حاجبيها باستنكار (لا ياعنيا موافقتش مين قالك اني وافقت بقا؟ ) قال بنبرة تحمل الاستنكار والقرف (عنيااا؟! ) ثم اكمل وملامحه بدأت تحمل الاندهاش (انا بدأت مصدقش فعلا انك كنتِ عايشة في بلد اجنبي يابنتي. اي ياعنيا دي. الناس بتقول ياعيوني! ) رفعت حاجبيها بطريقة امرأة ستبدأ بالردح وهي تقول (عيونيي. امال مش عيوني. لا ياحبيبي انا بقول ياعنيا ماشي ياعنيا ولا مش ماشي!؟ ) ابرز شفتيه وهو يهز كتفه (لا انا ممكن اكون عاوز اراجع حساباتي انا الاول! ) قهقهت بخفة على حديثه فشاركها هو الاخر وضحكتهم تملئ الكافية الذي يجلسون به! تنتشر السعادة في قلبها وكيف لا تنتشر وهي تجلس مع من يسبب لها السعادة!
- تيم وطيف -.
ها هي تدلف منزله مرة اخرى منكسة الرأس. لم تتوقع أنها ستعود بتلك السرعة وكيف تعود؟ زوجته! اخذها وتزوجها بالمحكمة حتى لا تذهب لمنزلها. صعدت لغرفتها وجلست على فراشها وهي شاردة الذهن والعقل. تنظر في اللاشيء. مازال مثلما هو. بارد قاسي ومتملك. حتى انه يتملك مشاعرها ويتملك موافقتها على الزواج منه. دمعت عينيها بقهر وجرت الدموع على خديها كما تجري الماء في ارض زراعية. وضعت يديها على فمها تمنع شهقاتها وأنتها المتألمة. دلف إليها ووقف ينظر لها بحزن. يعلم جيداً بماذا تشعر وذلك الشئ الوحيد الذي لم يكن يريد ان يجبرها عليه. وهو الزواج.
ولكنها تريد الذهاب وتركه. وهو لن يسمح بحالتها تلك. فهي في اي وقت قد يحدث اي خلل لقلبها. وطفله الذي في احشائها. يخاف عليه حد الجنون من ان يحدث له شئ. ولها معه فسيكون خسر ما تبقى له في هذه الدنيا، اقترب من موضعها وجلس جوارها وحاوطها بيديه وهو يقول بحنية (طيف. كفاية عياط وقهر في نفسك انتي كدا هتأذي نفسك بايدك! ) ابعدت يديه بقوة وهي تقول بقهر وصراخ (متلمسنيش حرام عليك بقا سيبني في حالي. حرام عليك انا تعبت. انا كل يوم بموت الف مرة بسببك.
انت اي معندكش قلب. حرام عليك بقا ارحمني وارحم ضعفي ارجوك، انا مبقاش عندي حد في الدنيا امي ماتت وابويا سابني كمان وراحلها. معنديش حد يحتويني في الدنيا غيرك. احتويني صح احسن ما اروح انا كمان ليهم. ارجوك ارحمني) كانت تشهق بين كل كلمة وأخرى. بينما هو يستمع إليها بعينين دامعتين. يعلم مدى القهر والألم بقلبها وكم تتحمل. لا يعلم ماذا يفعل او كيف يواسي او يحب. لا يعلم كل هذا وهي لا تقدر ماعاشه وكيف ستقدر وهي لا تعلم ذلك. مسح وجه بعنف وهو يمد يديه لها ليحتويها ولكنها أبت ان يقترب منها بصراخ هيستري (ابعد ايدك عني متلمسنيش ابعد عني بقا! ) ابتلع غصته وهو يحاول ان يهدئها قائلا بقلق ونبرة حنونة (طيف. اهدي مينفعش كدا اهدي عشان خاطري انا مش هلمسك ولا هقرب منك حاضر. اهدي) وضعت يديها على وجها وهي تصرخ وتبكي بقوة. وبأشد ما لديها ومن داخل داخلها تخرج تلك الصرخة. صرخة تُخرج ما بقلبها. ما بداخلها من ألم وحزن وقهر. بينما هو لم يكن يعلم ماذا يفعل. يجب ان تهدأ وبأي طريقة فأقترب منها يحتضنها بحنان بالغ وهو يمسد على شعرها. ويهمس بإذنها ببعض الكلام المعسول ليهدأ من روعها فما كان مهدئاً بل زاد الوضع طيناً حتى اغمى عليها بين يديه. فُزع اكثر عندما وجد بعض الدماء ببنطالها الابيض، لم يشعر بنفسه سوى وهو يحملها ويركض بها للمستشفى.
وصلت فرح للمستشفى وذهبت للجهه التي بها سليم ووالدته. قابلته امام غرفة التي توجد بها والدته فأبتسم عند رؤيتها بحب (قولتلك بلاش تيجي النهاردة الوضع كويس الحمدلله! ) ابتسمت بخفوت قائلة (مافيش مشكلة يا سليم. المهم طنط عاملة اي وقمر؟ ) هز رأسه بابتسامة خافتة (قمر الحمدلله بس مفاقتش لسه. وماما تعبانة بسببها. بس اهي لسه كانت بتاكل بعد ما كانت قاطعة الاكل! ) (طيب انا هدخل اشوفها) قالتها وهي تتوجه ناحية غرفة والدته فأمسكها سليم من كتفها قائلا (عايز نتكلم شوية. في موضوعنا انا عايز استعجل لاني بجد محتاجك جنبي، يعني لما قمر تطلع من المستشفى نكتب الكتاب) نظرت داخل عينيه للحظات بهدوء ثم قالت وهي تهز رأسها بإيجاب (لما قمر تتطلع ونتكلم الاول ياسليم. عشان كل حاجة تبقى على بياض. واطمن ان اهلي هيبقوا كويسين! ) رفع حاجبيه بإستغراب ثم قال (واي إلى هيخليهم مش كويسين يافرح ماهما كويسين اهو واخواتك بيروحوا المدرسة! ) صمتت لبعض الوقت ثم قالت (نتكلم بعدين ياسليم عشان خاطري. انا داخله اشوف طنط! ) ابعدت يديها من بين يديه ودلفت لغرفة والدته بينما هو وقف يفكر بشرود!
- على ونور -.
وصلت لمنزلها فوجدته جالساً مع والدتها تعقم له جروح وجهه. قوصت حاجبيها بحيرة وهي تقترب من موضعهم ثم بدى القلق واضحاً على قسمات وجهها وهي تهرول إليهم (علييي! ) رفع بصره ينظر إليها بهدوء ثم ابعد بصره صامتاً وملامحه بدأ عليها التهكم. جلست جواره ثم لفت وجهه لها قائلة (اي حصلك. مين عامل فيك كدا؟ ) ابعد وجهه فقالت والدتها بخفوت (متخافيش ياقلبي هو كان في الشغل وانتي عارفة شغل علي. ) ابتلعت غصتها وبدأت تفرك بيديها بتوتر ثم همهمت قائلة (وانت عامل اي ياعلي؟! ) رد بإختصار (كويس يانور. كويس! ) ابتسمت بخفوت (دايما يارب! ) قالت والدتها ممازحة (اي يولاد انتو بتتكلموا كأنكو اغراب كدا ليه متخلوش مشكلة امبارح تأثر عليكم كدا. استغفروا ربنا! ) قال على بهمس (استغفر الله العظيم! ) ثم رفع نبرة صوته ليسمعوه (انا هقوم امشي. ) نظرت والدة نور لها واشارت لها لتتحدث فتلبكت قائلة (علي. لازم نتكلم؟! ) رفع بصره ينظر إليها ثم التفت بجسده كاملاً (نعم! ) ضمت شفتيها بتلعثم بالغ وهي تلف خاتم خطوبتهم بيديها قائلة (امم علي. انا بصراحة فكرت في كلامنا بتاع امبارح. ودلوقتي كلامي دا نابع من تفكيري الكتير في الموضوع. بصراحة انا، ) كان يتابعها وكأنه ينتظر تكملة حديثها فكانت الصاعقة التي هبطت على قلبه تحطمه لاشلاء (احنا مينفعش نكمل مع بعض ياعلي! ).