قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم كاملة

رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم كاملة

رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم كاملة

فوق جبال الهوان ظلمة من الأحزان
والغدر والآثام تحني حياة إنسان
يُراق ماء الوجوه بكلام يبان مجروح
قلب اللي عدى صبوح يدي بلا حرمان
للي ما يستاهلوا حق العفيف ياخده
والمال يكون أكوام جوا صفايح هام
مملوك في ظلمة يبان شحات، لئيم، محتال

المقدمة

متسترة بغطاء الليل الحالك، تسللت هذه الشابة الهزيلة في الخفاء، بخطواتٍ حثيثة، بعدما خبأت وجهها بطرف حجاب رأسها غير المحكوم، حتى تضمن عدم تعرف أحد أهل بلدتها عليها إن تصادفت مع أحدهم، لتخرج بعدها من باب منزلها، قاصدة التوجه إلى محطة السكة الحديد، حيث من المفترض أن ينتظرها هناك من قطع لها عهودًا ووعودًا لا تنتهي بالزواج.

انتظرت وهي تتحاشى نظرات المحيطين بها الفضولية، كانت ترتاع من احتمالية تعرف أحدهم على هويتها، ففي ذلك نهايتها حتمًا، خاصة إن علم شقيقها المتعصب بمسألة هروبها من المنزل سرًا. سمعت "مروة" صافرة القطار وهي تعلن عن وصوله إلى المحطة، ترددت في ركوبه بمفردها، كادت كامل خططها تفسد لولا أن ظهر من تنتظره من بعيد، أقبلت عليه تسأله في صوتٍ يعبر عن خوفها:
- اتأخرت ليه "بغدادي"؟

التقط أنفاسه، وأجابها:
- غصب عني، كنت معكوش مع واحد رزل، حلفان عليا 100 يمين ما أسيبه إلا لما أقضي السهرة معاه.
تلفحت بطرف حجابها حينما مر أحدهم بجوارها، فقد لاحظت نظرته المدققة إليها، فارتجفت، وأخفضت بصرها هامسة:
- أنا قلقت لأحسن تكون غدرت بيا.
عاتبها في عبوسٍ مصطنع:
- وده معقول؟ إنتي هتبقي مراتي يا بت.

حذرته في لهجةٍ جادة، رغم خفوتها:
- على سنة الله ورسوله، أنا ماليش في الحرام، إنت عارفني، ولولا "موجي" أخويا كنت آ...
قاطعها قبل أن تتم جملتها مشيرًا نحو عربة القطار:
- مش وقت كلام، القطر هيفوتنا.
لف ذراعه حول كتفيها، واستحثها على السير معه مكملًا كلامه إليها:
- يالا قبل ما حد ياخد باله منك.
أومأت برأسها في طاعة:
- ماشي.
دفعها لتصعد على عربة القطار، فالتفتت –غريزيًا- للخلف لتلقي نظرة أخيرة مودعة لبلدتها، وكل من فيها، فربما لا تعود إلى هنا مرة ثانية!

الصرخات الموجعة المنبعثة منها، أثناء استلقائها على ذلك الفراش القديم، في هذه الغرفة شبه المعتمة، رغم سطوع شمس النهار، جعلت من حولها يرتاع ويقلق، حتى صوت الموسيقى الصاخب لم يكن كافيًا للتغطية على أنات ألمها المتواصلة، كذلك تعذر على حفنة النساء المتواجدات معها إرسال أحدهم لاستدعاء الطبيب من أجلها، بالطبع لم يكن أيضًا من المتاح نقلها إلى أقرب مشفى وإن كان متواضعًا تنقصه الإمكانيات لإسعافها، فكيف لها أن تجيب من يديروه على أبسط الأسئلة لتفسير حالتها تلك؟

المعادلة صعبة بكافة المقاييس، ومع ذلك تحملت كل تلك الآلام العنيفة على أمل رؤية وليدها وحمله بين ذراعيها، لم تتوقع "وِزة" –صاحبة هذا الاسم الدارج والذي تُنادى به ولا تعرف سواه منذ أن كانت طفلة واعية- أن تصيبها آلام المخاض في هذا الوقت المبكر، فقد دخلت في حالة وضع مفاجئة منذ مطلع النهار، وأصبح الجميع متأهبًا لمساعدتها حسبما ظنت.

تم إيقاف كافة الأنشطة بالمنزل ريثما تنتهي من ولادتها المتعسرة، فمن ذا الذي سينعم بالدلال والتدلل وهو يصغي إلى مثل هذه الأصوات المزعجة؟
في تعبيرٍ متجهم، وغير راضٍ، جلست امرأة خمسينية العمر –تسمى "توحيدة" على أريكة تتسع لأربعة أفرادٍ مجتمعين، ودخان النارجيلة ينبعث من بين شفتيها في دفعات قصيرة متتالية، تساءلت إحداهن من خلفها في توترٍ:
- هنعمل إيه يا أبلتي؟ ده صويتها جايب التايهين!

ردت عليها من تتسيد المنزل بأسره، وتتحكم في شأن جميع من فيه بجمودٍ:
- ولا حاجة، هنستنى لما تفضي اللي في بطنها، وبعد كده هتصرف.
سألتها في نبرة متوجسة، وعلامات القلق تزداد على وجهها:
- طيب وأهل الحتة؟
تصعَّبت بشفتيها قبل أن تقول بغير مبالاة، ويدها الأخرى الفارغة موضوعة أعلى جبينها:
- اللي ليه عندي حاجة يجي ياخدها!
صرخة المولود أكدت تمام عملية وضعه رغم صعوبتها، فأتت إحداهن مهرولة من الداخل لتقول في لهاثٍ:
- "وِزة" ولدت يا أبلتي، وجابت حتت واد إنما إيه فلقة قمر.
لم تبتسم "توحيدة" وهي تأمرها:
- هاتيه من عندها، ونادي على الواد "حمص" يجيلي حالًا.
تساءلت المرأة التي تقف خلفها في استرابةٍ:
- عايزاه ليه يا أبلتي؟
ردت بغلظةٍ:
- ملكيش فيه، إنتي تعملي اللي يطلب منك وإنتي ساكتة.
في التو أظهرت طاعتها لها قائلة:
- عينيا يا ست الكل، اللي تؤمري بيه هيتنفذ.

نهضت بعدها "توحيدة" من موضع جلوسها، وألقت بمبسم النرجيلة أرضًا، لتسير في تباطؤٍ، تاركة لحم جسدها الممتلئ والمترهل يرتج على الجانبين مع كل خطوة تتحرك بها. مشت عبر رواق المنزل الممتد بشكلٍ مستطيل حتى وصلت إلى آخر غرفة موجودة في نهايته، وحينما أبصرتها النساء اللاتي يرتدين ملابس تنوعت ما بين الكاشفة والعادية تحركن للجانب لتمر بينهن في شموخٍ وقوة. استطاعت سماع همساتهن الحائرة عن مصير الأم ورضيعها، فزادها ذلك الشعور بالتسيُّد والسلطة.

تساءلت "وِزة" في صوتٍ واهن، وهي لا تزال طريحة الفراش، ومضرجة في دماء ولادتها:
- ابني فين يا ست "توحيدة"؟
في قسوة غريبة أجابت على سؤالها بآخر:
- مش ركبتي دماغك، وعملتي اللي كان نفسك فيه؟
انتابها الخوف أضعافًا مضاعفة، وسألتها بقلبٍ وجل:
- قصدك إيه؟
ظلت على قساوتها المخيفة حينما جاوبتها بما جعل دواخلها تتمزق:
- اعتبريه مات!
هنا انتفضت صارخة رغم الألم الشديد الذي ما زال يغمرها:
- حرام عليكي يا ست "توحيدة"، ليه تعملي كده فيا؟
علقت في تهكمٍ أشد قسوة:
- ما هو أصلًا جاي من حرام، ولا نسيتي نفسك يا "وِزة"!

أزاحت الملاءة المُتسِخة بدمائها، لتنهض في ضعفٍ من رقدتها، لم تسعفها قدماها، وسقطت أرضًا، ومع ذلك لم تجرؤ إحداهن على تقديم المساعدة لها، الكل وقفن يراقبن المشهد في حيرةٍ مشوبة بالخوف. زحفت على قوائمها الأربع لتتجه إليها تتوسل رحمة منزوعة منها:
- بالله عليكي ما تحرمنيش منه، أنا هربيه، وهخليه خدام عندك، رهن إشارتك، بس سبيهولي.
انتشلت "توحيدة" قدمها من تحت يديها المتمسحتين فيها، وقالت في جمودٍ، وبلهجة خالية من الرأفة:
- مكانش يتعز يا عين أمك، اِقري عليه الفاتحة.

انفلتت منها صرخة مقهورة عاجزة، وراحت ترجوها ببكاءٍ حارق:
- ده لسه حتت لحمة حمرا، أبوس رجلك يا ست "توحيدة" ترحميه.
وكأنها لا تملك قلبًا لتتعاطف مع دموعها الأمومية الصادقة، أخبرتها بلهجتها القاسية:
- أنا بعمل لمصلحتك، أما ترتاحي منه دلوقت، أحسن ما تتعلقي بيه، وساعتها وجعك هيكون أكبر، وبعدين اعتبري نفسك سقطتي.
كلماتها هبطت عليها كالسوط اللاذع، لم تأخذها بها شفقةٍ أو رحمة، خاصة حينما أضافت في تهديدٍ:
- وده درس ليكي ولغيرك، إن أي واحدة فيكم تستجري تخالف أوامري، يبقى تستحمل أذايا، ما أنا قرصتي والقبر!

من جديد زحفت تجاهها تستجديها بحرقةٍ أكبر لعل وعسى تعدل عن قرارها الشرس، بل الأشد شراسة على الإطلاق:
- الله يخليكي يا ست "توحيدة"، هعملك كل حاجة وأي حاجة، بس سبيه يعيش، أنا معنديش حد في الدنيا إلا هو!
هذه المرة ركلتها في بطنها المبتور بعنفٍ قبل أن تأمر النسوة المتزاحمات بالغرفة:
- جرى إيه يا ولية منك ليها، واقفين تتفرجوا، وسايبن الشغل اللي وراكم، يالا المولد اتفض.

سرعان ما اِستجبن إلى أمرها الصارم، وخرجن من الغرفة تباعًا، تاركين الأم المكلومة تبكي فقدان رضيعها قبل أن تضمه إلى صدرها، لتقوم بلطم وجهها بكفيها بلطمات عنيفة متتالية، وهي لا تزال تصرخ بعجزٍ وحسرة أمام من تنظر إليها باستحقارٍ وقوة!
جاءت إليها "خضرة"، من تتبعها كظلها، وتحرص على التأكد من تنفيذ كافة أوامرها في غيابها قبل حضورها، لتنظر بشيءٍ من التعاطف والأسى ل "وِزة"، ثم تساءلت وعيناها لم تحيدا بعد عن هذه التعيسة المفجوعة:
- كله تمام يا أبلتي؟

- خديها، خلوهم يحموها وينضفوها، وادوها حاجة تاكلها وتخليها تقف على حيلها، بدل ما هي زي الدبيحة اللي بتطلع في الروح.
من بين نهنهات بكائها الصاخبة، توسلتها مجددًا:
- ابني يا ست "توحيدة"، أبوس رجلك، بلاش تحرميني منه.
تحركت تجاه الباب، وقالت دون أن تنظر ناحيتها:
- اقريله الفاتحة.

القسوة التي كانت عليها استثارتها أكثر، وجعلتها تهتاج، فراحت تصيح حتى بح صوتها:
- حرام عليكي، ليه بتعملي كده.
أقبلت عليها "خضرة" لتكتم أنفاسها محذرة إياها بصوتٍ خفيض:
- اسكتي بدل ما توديكي عن اللي ما يتسموا، وإنتي مش أدهم!
كانت فاقدة لزمام أمرها، فلم يكن أمامها سوى البكاء والعويل بحرقةٍ، وهي تعلم تمام العلم أنها لن تؤثر مهما استجدت وتوسلت في مشاعر أي واحدة من قاطني هذا المنزل اللعين.

علي أحد الأسطح المكشوفة، تلك التي يُبقي فيها سكان العمارة ما لا يحتاجون إليه، جلس "شيكاغو" على الأريكة المتهالكة، ورأسه مطروح للخلف، ومرفقيه يتدليان من على مسنديها، فقد انتهى لتوه من شرب إحدى سجائره غير البريئة، وأتبع ذلك بما أذهب عقله من مُسكرات لاهية، ليشعر وكأنه انفصل ذهنيًا عن العالم المحيط به، وحلق في آخر به ما يسر نفسه ويسعدها فقط. ظل "حمص" يُحادثه في جديةٍ لا تتناسب مع حالته، فرد عليه بصوتٍ شبه ناعس:
- دماغي تقيلة مش قادر أركز.

كرر عليه حديثه بانزعاجٍ:
- ياض الست "توحيدة" عايزانا في مصلحة مستعجلة.
طوح بذراعه في الهواء معقبًا بنفس النبرة الثقيلة:
- روح إنت، وأنا هحصلك.
نهض من جواره متمتمًا في تبرمٍ:
- تحصلني؟ ما هو باين!
التقط قبل أن يذهب إحدى لفائف السجائر المحشوة، وضعها في جيب بنطاله متابعًا:
- يالا ملكش في الطيب نصيب.

خرج من السطح ساحبًا الباب الخشبي خلفه ليغلقه، وأمسك بالدرابزين هابطًا درجات السلم في خطواتٍ أقرب إلى الركض ليجد "خضرة" ما تزال في انتظاره عند المدخل، استعجلته مشيرة بيدها:
- أوام يا سي "حمص"، مش ناقصة أسمع كلمتين من أبلتي.
هتف متذمرًا:
- يعني أركب في رجلي صاروخ؟ ما أنا ماشي معاكي طوالي أهوو.
أسرعت في خطاها طالبة منه:
- طب شد الله يكرمك.
نفخ في سأمٍ مدمدمًا:
- أما نشوف الليلة على إيه؟
واصل كلاهما المشي عبر الأزقة، والشوارع الجانبية الضيقة، ليصلا بعد وقتٍ ليس بقليلٍ إلى مكان بيتها المشهود عنه بسمعته غير الشريفة، وسوء سلوك جميع ساكنيه.

مهمته كانت رغم بساطتها معقدة، فليس من السهل التخلص من طفل حديث الولادة، دون أن يثير جلبة أو فضيحة، أو حتى ينبه السلطات الأمنية لجريمة بشعة كهذه. ظهر التردد على وجه "حمص"، وأخذ يفرك ذقنه النابتة عدة مرات، كأنما يعيد حساباته في الاستجابة لمطلبها من عدمه، أفصح عما يدور في رأسه صراحةً بحديثه إليها:
- الحكاية عوأ يا ست الحارة.
زمت "توحيدة" شفتيها قائلة بملامحٍ جادة:
- أومال أنا طلباك بالاسم ليه؟

ثم أشارت له بحاجبها قبل أن تغريه بما جعل لعابه يسيل:
- وهعرقك كويس.
رد كنوعٍ من المجاملة:
- خيرك سابق.
مرة ثانية استمرت في إغواء نفسه الطامعة بما تشتهيه:
- ريحنا بس من الداهية دي، وهشوفك، وإنت عارفني اللي برضا عنه، بياكل الشهد من ورايا.
لم يجد بُدًا من الاستمرار في المماطلة، وأومأ برأسه قائلًا في إذعانٍ:
- تمام يا سِتنا.
أشارت بإصبعها كأنما تشرح له:
- اللفة جاهزة عند الخرابة، مع بت من بتوعي.
لم ينطق بشيء، فأوصته بلهجةٍ لا تبدو متساهلة:
- أنا عاوزة الحكاية تخلص من برا برا، فاهمني طبعًا.

ابتسم فظهرت أسنانه الصفراء من وراء ابتسامته وهو يؤكد لها بثقةٍ غريبة، لم تكن موجودة قبل لحظاتٍ:
- اعتبريها خلصت، وادفنت.
ما إن سمعت عبارته تلك حتى ارتخت أكثر في جلستها، وارتسمت تعابير السرور على محياها، فها هي عقبة أخرى تزيحها عن طريقها لتواصل أداء عملها دون أن ترهق تفكيرها أكثر بهذا الأمر المزعج.

فصول رواية فوق جبال الهوان

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل الأول

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل الثاني

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل الثالث

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل الرابع

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل الخامس

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل السادس

- رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل السابع

...
باقي الفصول اتباعا كل يوم فصل