رواية قلب القمر الجزء الأول للكاتبة شيماء سعيد الفصل الرابع عشر
دلفت للمطبخ لتجد أماني تجلس شارده نظرت إليها بشفقة فهي الوحيدة التي تشعر بقله حيلتها...
زوجات سعد منهم الظالم و المظلوم رحاب كانت عبدة للمال و صباح عاشقة لسعد مثل المجنونة...
أما اماني رضيت بالأمر الواقع تعيش جسد بلا روح لا يفرق معها سعد و لا اي شيء فهي بالنسبة لنفسها بقايا إمرأة...
جلست ني ين بالمقعد المقابل لها و على وجهها ابتسامة صافية...
انتبهت لها أماني و أردفت بتعجب و قلق...
- مالك يا نفين لسه تعبانة؟.
السؤال الوحيد برأسها مخلوقة من أي نوع تلك الأماني الحنونة...
تتحدث معها بكل هدوء و خوف عليها و لا كأنها غريمتها...
اردفت نفين بابتسامتها المعتادة...
- أنا كويسة، بس انتي إزاي كده؟ رحاب كانت بتكرهني و صباح بتتكلم معايا بالعافية انتي خايفة و قلقانة عليا مع اني المفروض عدوتك.
تنهيدة حارة خرجت من أماني و هي تحاول بقدر المستطاع السيطرة على دموعها و نظرة الكسرة و الانهيار بداخل عينيها...
قامت من مكانها و هي تفرك بيديها لا تعلم اهو من التوتر أو من نيران قلبها...
القدر وضعها بداخل حياة بائسة و أخطاء أوقعت بها بداخل الجحيم...
بدأت بالحديث بصوت مجروح.
- عشان انتي مش عدوة ليا انتي باب النور اللي اتفتح لسعد عشان يطلع من الضلمة اللي كان عايش فيها، أنا حياتي دي عقاب ليا عشان كدبت عليه و انا مستحيل اخلف و شايلة الرحم بس ماقلتش ده لسعد، هو كان عايز يخلف مني و لما اتجوز بعدي و انا سكتت و اللي بعدي سكتت بقى الموضوع عادي...
أزالت تلك الدمعة الساخنة التي سقطت منها أثناء الحديث...
نظرت لنفين بابتسامة محبة و أكملت حديثها...
- انتي الوحيدة اللي محطش ليكي منع حمل انتي الوحيدة اللي قالك بحبك ده محصلش مع أي واحدة تانية...
أنتي قولتي لا انتي خلتيه يعترف انه غلط، أنا باحترمك و مش ضد أي قرار ليكي...
ابتسمت لها نفين باحترام و محبة لتلك السيدة الحنونة ثم اتسعت ابتسامتها بخبث قائلة...
- هو ايه اكتر حاجه بيكرها سعد؟.
في المساء دلف سعد للبيت بارهاق شديد من ذلك اليوم الشاق...
إشتاق لها بدرجة كبيرة لا يعلم لما لم يراها بأول طريقه؟
لو بيده لجعل الماضي مجرد حلم و بدأ حياته معها بدون جروح أو معاناة...
ابتسم بتلقائية و هو يتذكر شهر عسلهم و كيف كانت ناعمة و رقيقة...
تعشقه و تفعل المستحيل من أجله اقترب من باب جناحه معها و فتح الباب...
تجمد مكانه عندما رأى أماني و صباح و هي يناموا بعمق على الفراش...
فرك عينيه عدة مرات يحاول استيعاب ما يراه أمامه الثلاثة على فراش واحد...
ضغط على لسانه بقوة من الواضح أن نفين فتحت باب الحرب عليه...
مشى على أطراف أصابع قدميه حتى لا تستيقظ اي واحدة منهم...
ابتسم بخفه على وجهها الذي يحاول كتم ضحكته حبيبته مستيقظة إقترب منها و حملها دون أدنى كلمة...
و خرج بها من الجناح بالكامل لتفتح هي عينيها بدهشة متصنعة...
- انت بتعمل إيه؟.
قرصها من خصرها بحنان و هو يهمس بالقرب من وجهها لتغمض عينيها مستمتعة بدفئ أنفاسه...
- مش انا اللي بعمل انتي اللي عايزة تعملي أو نظرتك ليا اللي بتعمل...
بدأت تتوتر من قربه و همسه حنانه الذي يجعلها تنسى كل ما فعله معها...
حرك يده على ظهرها و عينيه تتجول على ملامح وجهها المتوتر...
شعور بالانتشاء مسيطر عليه مازال يتحكم بمشاعرها و له مكان بداخل قلبها...
اردفت هي بغضب كمحاولة لإخفاء تأثيره عليها...
- انت عارف إن الطريقة دي ملهاش فايدة معايا، أنا لسه عند قراري عايزة انفصل عنك...
زادت ابتسامته اتساع و هو يقرص خصرها للمره الثانيه و لكن تلك المره بقوة و غضب...
- لو لسانك نطق الكلمة دي تاني أنا اللي هافصل راسك عن جسمك...
تلك المرة غضبت بالفعل فهي ملت من أفعاله تلك و قبل أن تنطق بكلمة شهقت بالألم و هو يقذفها على فراش إحدى الغرف...
قامت وقفت على الفراش أمامه وجها لوجه من الواضح أنه يريد نفيها مثل الباقي...
اردفت بغضب حقيقي...
- انت ليه مصمم تتعب قلبي و قلبك أنا تعبت لا انت عايز تطلق الباقي و لا عايز تطلقني أنا، فاكر نفسك إيه عايز تأخذ كل حاجة من غير ما تخسر حاجة واحدة مفيش كده...
أردف بضعف.
- انا مستعد اخسر عمري بس انتي لا مش عايز غيرك يا غبية...
- يبقى طلق الاتنين التانيين...
جملة واحدة قسمت كل شيء بينهم وضعته بداخل خيار مستحيل...
سعد بدون نفين يعني جسد بلا روح قلبه عشقها و عقله أصبح مدمن لها و جسده هي المتحكمة الوحيدة به...
و أماني أول إمرأة بحياته لا ينكر انه انجذب لها و أنها لو كانت صادقة معه من البداية كان استمر معها فقط دون زوجة أخرى...
و صباح تعشقه و هو بعدما تزوج نفين تعلم كيف يكون العشق
مستحيل أن يكسرها بتلك الطريقة القاتلة...
شعر بنغزه بداخل قلبه و كأنه على وشك التوقف عن عمله...
نظر إليها و عاد سعد القاسي من جديد لن يضعف أمامها بعد الآن...
- مستحيل لا إنتي و لا هما، و خدي بالك انا صبرت عليكي كتير عشان تتعودي على الحياة دي كفايه كده اوي...
أردفت بقوة...
- أنا نفين يعني مش أماني الغلبانة اللي شايفه انها غلطت و تستحق العقاب و لا أنا صباح العاشقة اللي ممكن تقتل نفسها عشانك، و خد بالك مدام مش عايز تطلق يبقى تتحمل اللي جاي كله يا ابن الدميري...
بعد رحيله أمس قررت أن تفر هي الأخرى ستتحرر من ذلك الجحيم...
هبه ستكون واحدة ثانية لن تكون تحت سطوة ثائر و قسوته بعد اليوم...
وضعت يدها على معدتها بحماية صغيرها يكبر و والده يصغر بداخل عينيها...
أحبته سنوات و تعلقت به كان والدها و والدتها و أخيها و سندها الوحيد بالحياة...
دلفت للمطبخ و قامت بإعداد شاي ثم وضعت بداخله حبة من المنوم...
فتحت باب الشقة بابتسامة بسيطة و قالت للحارس...
- انا عملت شاي و قلت أكيد نفسك فيه اتفضل بالهنا...
أخذه الآخر منها بابتسامه تدل على إحترامه و تقديره لها...
بعد خمس دقائق بالعدد كان ينام بعمق على المقعد الخاص بها...
حملت حقيبة يدها و خرجت من الشقة معلنة نهاية سجن العصفورة...
بدأت تتجول بالشوارع بلا هدف أو حياة إلى أين ستذهب الآن...
بدأ الندم يدلف لقلبها لترك ثائر و بيته و غفلت عن أنها ابنة ملاجئ بدون هوية...
سقطت دموعها و هي تدعي على والديها هم السبب الرئيسي فيما يحدث لها...
أردفت بحسرة على حالها...
- نهايتك بقت الشارع يا هبة. جابك من الشارع و رجعتي له تاني بكل بساطة، هاروح فين دلوقتي؟.
ابتسمت بسخرية و هي تقول...
- هأرجع زي زمان انام على الرصيف طيب و ابني؟.
جلست على الرصيف تبكي بانهيار تخرج من نار لنار أشد...
بعد عدة ساعات بشقة ثائر كان بالفعل مثل الوحش الثائر...
يحطم أي شيء يراه أمامه أين ذهبت ابنة قلبه و حبيبته.
هو المذنب الوحيد بما يحدث جعلها تتمنى الهروب عن البقاء معه...
وضع الناس مقياس لحياته معها أحمق و يستحق القتل...
أي عقاب سيتحمله و لكن هي كيف ستقابل العالم الخارجي بمفردها؟.
حنونة ناعمة تربت بين أحضانه لأول مرة تخرج بدونه كيف ستعيش؟.
انتهى من تحطيم الشقه بالكامل و مازال قلبه مشتعل بنيران العشق مع نيران الألم تأكله...
لم يهتم بجرح يده فروحه تنزف بشدة أكبر نظر بلهفة لتلك الورقه الموضوعة على الفراش ليأخذها...
بدأ بقراءة ما بداخلها و هو يحاول التحكم بدموعه و غضبه...
- ثائر انا قررت أبعد عشان كل يوم لينا سوا بأتجرح منك اكتر، انت عندك حق واحدة زيي مش هينفع تحمل اسمك أو تكون مراتك و ام اولادك قصاد الناس، بنت الملاجئ هتكون ازاي مرات ثائر باشا العامري هتقول للناس ايه مراتي بنت حرام عيبة في حقك، عشان كده أنا مشيت هأبدأ مع ناس شبهي ناس ممكن اكون احسن منها مش دايما ناقصة في عينيهم، عايزة أقولك كلمة اخيرة مفيش حد بيختار أهله أو يكون إزاي انت كمان كان ممكن تكون زيي و أبشع، بحبك و يمكن دي الغلطة الوحيدة في حياتي اللي ندمانة عليها...
أغلق يده على تلك الورقه بقوة هي الشيء الوحيد المتبقي من حبيبته...
كسرها و جعلها قليلة أمام نفسها هبه تلك الصغيرة الوردة التي مازالت تتفتح لم يتبقى منها غير حطام أنثى...
وضع رأسه بين يديه بقهر تخيل للحظة انها ستكون بين يده حتى الموت لم يتوقع تلك اللحظة على الإطلاق...
قام من مكانه مثل المجنون هبة ستعود لو كلفه الأمر حياته نظر للحارس بغضب أعمى ثم لكمه بكل ما بداخله من غل...
- إزاي تخرج و انت قاعد على الباب؟ مشغل معايا ايه انا دورك ايه و هي بتهرب؟.
لكمه مرة اخرى و هو يقول بشك...
- انت اللي هربتها مش كده أنطق انت...
رد الآخر بفزع من تلك التهمة...
- لا يا باشا و الله المدام طلعت ليا شاي و بعدها الدنيا لفت بيا...
آخر كلمات قالها قبل أن ينقض على الاخر بوجع و قهر العالم...
غيرة عمياء جعلته مثل الثور الهائج لا أحد يقدر على السيطرة عليه...
شهرين مروا و هي بداخل ذلك السجن اللعين لا تصدق انها هانت عليه لتلك الدرجة...
كانت تتخيل انها غالية عنده لأبعد الحدود و لكن ما فعله جعلها تعلم أمام من تقف...
أزالت دموعها على من تبكي على شخص يعيش الآن بداخل أحضان اي جارية و يتركها هي هنا...
كانت في قمة سعادتها عندما رأته فهي كانت تتمنى أن تعيش مثل تلك الحياة و لكن المسلسلات و الروايات نقطة ببحر الحقيقة...
تخرج من هنا و ستجعله خاتم لها و هذا وعد من عاشقة للسلطان...
انتفضت برعب عندما سمعت صوت الحارس بالخارج و هو يقول بصوت مرتفع...
- جلالة السلطان سنمار...
وضعت يدها على يدها الأخرى التي ترتجف دون داعي قائلة بغضب...
- بس بقى انتي خايفة ليه خليكي قوية هو عايز يشوف ضعفك...
فتح الباب و طل عليها بهيئته الساحرة التي تفقدها صوابها...
أخذ يتأمل وجهها الشاحب باشتياق رغم أنها اخطأت إلا أنه مازال يعشقها...
لا ينكر ندمه بعد اعتقالها و لكن كيف له أن يرجع بقرار أخذه؟.
وقف أمامها عدة لحظات يشبع عينيه و قلبه منها شهرين لم يراها بقى...
أما هي كل قرارتها ذهبت إلى الجحيم سنمار قلبها يقف أمامها بعد ستين يوم و اربع ساعات و ثلاث دقائق...
انحنت إليه بإحترام مردفة...
- مولاي...
عاد لقوته و جموده هي تستحق العقاب حتى لا تخطئ و تنسى أمام من تقف...
إقترب منها أكثر حتى أصبح لا يفصل بينهم إلا خطوة واحدة.
ابتعلت ريقها بأعجوبة من قربه المهلك لها تحدث بخامة صوته الرجولية...
- أنا جاي عشان مش السلطان اللي يعصي أوامر ربنا، و ربنا قال إن الزوج لازم يقول لمراته انه هيتجوز...
توقف الزمن بها و كأنها انعزلت عن العالم بأكمله بدأ جسدها يفقد السيطرة على نفسه...
هل ما قاله حقيقي ام ماذا؟، تابع رد فعلها بصمت يجرحها بحديثه و لكن ماذا يقول؟، إنه جاء لهنا من اشتياقه لها...
اردفت سوما بحذر و ترقب.
- يعني إيه مش فاهمة؟، و الا اللي أنا فهمته صح و الا ايه...
اردف بكبرياء و هو يبتعد عنها خطوه للخلف...
- ايه الصعب في كلامي، انا السلطان و لازم يكون ليا ولي العهد و مش واحد بس يعني لازم اتجوز ده غير إن في جاريه كانت عندي إمبارح و إحتمال كبير تكون حامل، و لو ده حصل هتكون السلطانة...
حركت رأسها عده مرات بنفي و هي غير قادرة على الصمود أمامه أكثر من ذلك و انهارت في بكاء هيستيري...
مستحيل سنمار لها سنمار يعشقها مثلما تعشقه و أكثر...
لا يوجد مكان لغيرها بداخله هي متأكدة من ذلك و من المستحيل أن يكون اقترب من أخرى بغيابها...
بدون وعي جذبته من ملابسه إليه بطريقه عشوائية...
- مستحيل انت فاهم مستحيل. انت بتحب سوما لا بتعشقني و مش هاتقدر تقرب من غيري، أنا اللي هأكون ام ولي العهد انا مراتك و حبيبتك مفيش غيري، صدقني من النهاردة اللي هتفكر تقرب منها غيري مش هتردد لحظة في قتلها هموتها يا سنمار، انت ملكي لوحدي...
أشارت لقلبه و هي تكمل حديثها بانهيار كامل...
- و ده بتاعي أنا حقي و أنا مستحيل اخلي حد ياخد حاجة بتاعتي...
صامت يتركها تفعل ما تشاء لأنه مل من تلك اللعبة السخيفة...
فهو يريدها و يريد أن يعيش معها دون شد و جذب تكون حبيبته و زوجته تكون قلب القمر...
جذبها إليه بشكل مفاجئ و هو يقول بكل ما بداخله من مشاعر...
- بعشقك يا قلب القمر...
اختفي انهيارها و صوتها ذابت هي و أصبحت مثل الورقة بين يديه يحركها كما يشاء...
أعترف لها بالحب لا لم يعترف بالحب بل بالعشق و الشغف...
صوته يجذبها إليه حد الجنون أنفاسه تفصلها عن العالم...
بعدما اعترف شعر بقلبه يرفرف من الداخل شعور غريب بالسعادة لم يشعر به من قبل...
أخذ من الحياة كل ما يريد و الآن أخذ أجمل ما في الحياة سوما و عشقه لها...
اقترب منها و دفن وجهها بداخل عنقها قائلا بهمس...
- قوليها انتي كمان عايز اسمعها منك قوليها يا سوما...
- بحبك...
كلمه نطقتها بصوت هامس جعلت جسده بالكامل ينتفض قالتها تلك الغربية العنيدة...
وجدها تتعلق برقبته ليحملها خارج ذلك السجن و ياخذها لجناحه بقصر الصيد...
وضعها على الفراش و هو يقول بعشق و شغف...
- سوما...
رفعت رأسها إليه بضعف شديد أمام سحره الطاغي عليها ثم اردفت بتقطع...
- اممممم.
- بعشقك يا قلب القمر و عايزك...
- و أنا...
هنا انتهى وقت الكلام و إقترب منها بعشق و شغف ليبدأ معها أول كلمة بكتاب عشقهم الذي سيكون اسطورة للأجيال القادمة...
غاص معها بداخل مشاعر غريبة و أكثر لذة من أي مشاعر عاشها قبل منها ليعلم من هنا أن العشق مفتاح السعادة...
تركت نفسها له يفعل ما يريد و هي على يقين أن جسدها و قلبها بيد سلطان قلبها بيد القمر...
رحلة من الشغف و السعادة و الاستمتاع إنتهت على وضع ختم السلطان و أصبحت سوما زوجته أمام الله و السلطانة القادمة...
و لكن السؤال الأقوى هنا هل ستدوم تلك السعادة طويلا ام للسلطان رأي آخر...