قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والستون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والستون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والستون

فطن يوسف وتبين له أن خلف تلك الابتسامة الماكرة التي تتراقص على وجه رعد بخبث لم تكن بالصدفة أو للاشيء، بل تأكد بحدسه أن رعد يخطط لشيء خطير، ويبدو أن جاسر متعاون معه أيضاً أو حتى المصدر الرئيسي لتدبير المكائد، اما آسر يبدو على علم ولكنه غير راضٍ بما يحدث، كالعادة!

زفر يوسف واطلق زفرة حارة حملت ضيق شديد منهم على حجبهم عنه لما يخططون إليه من وراء ظهره!، كأنه أصبح فجأة غريب عنهم ويخشون من إفشاء مخططهم!
وأتت أحدى الخادمات ووضعت أمامهم صينية كبير من المشروبات من نوع عصير آخر على الطاولة...
فأشار لهم آسر بلياقة أن يحتسون المشروب البارد قليلًا، وفي تلك اللحظة وضع وائل كوب شراب الليمون الشبه فارغ وقال شاكرًا: لأ أنا تمام كده.

والذي أكد ليوسف ظنه هو تبدل أسلوب رعد المرحب فجأة وقال لوائل بابتسامة واسعة: لا طبعا ماينفعش، هو احنا بنتقابل كل يوم!
وعلى رغم أن المتوقع من وائل هو الغرابة والتعجب من ترحيب رعد المفاجئ، لكنه استغل ذلك الترحيب وبدأ يرمي النكات، الكثيرة منها المضحك ومنها السخيف.

وبعد ما مضى أكثر من العشر دقائق بدأ يظهر على وائل أعراض غريبة مثل تغير في المزاج المرح إلى التقطيب والضيق الغير مفهوم!، وبعض شحوب الوجه والتقلب في جلسته متوتراً، ثم قال وهو يهب واقفا فجأة: ثواني وراجعلكم...
ولم ينتظر حتى أن يجيبه احدًا فقد ركض تقريبًا للداخل، بدا رعد شاردًا بعض الشيء ولم يبدو عليه أي بوادر انتصار وكأن المتوقع ليست تلك الأعراض فقط!

كان جاسر يجلس على احد الآرائك بالردهة ويضع ساقا على ساق بانتظار الفوضى المخطط لها، فلاحظ خطوات وائل المتسارعة اتجاه حمام الطابق الأرضي، فرفع حاجبيه ببعض التعجب وظن أن تلك بعض الأعراض الجانبية، فابتسم بمرح.
وخرج وائل بعض قليل ورغم أن شحوب وجه أزداد ولكنه بدا هادئا، يسير بإرياحية اتجاه الحديقة مجددًا، نظر جاسر لساعة معصمه ولاحظ أنه مر أكثر من ربع الساعة فبدا مستغربًا!

مفعول ذلك القرص لن يستغرق اكثر من ذلك ليظهر نتيجته في الهلوسة، فما الأمر؟

بعد دقيقة أتى رعد من الداخل وتبعه آسر ايضا، ووقف أمام جاسر غاضبًا وقال: المفروض أنه كان دلوقتي مهيبر ومش في وعيه، مش معقول تكون دماغه تقيلة للدرجة دي أن الحباية ما تعملش مفعولها!
وقف جاسر بدهشة لم يكن أقل من رعد انفعال وقال: أنا برضو استغربت!، معقول يكون متعود ياخد البرشام ده عشان كده متأثرش!

قال آسر بثبات قبل أن يعلن عن ما يخفيه: تعالوا نتكلم بعيد عن هنا عشان محدش يسمعنا
نظر جاسر ورعد له بشك من ثباته هذا، ولكنهما رافقوه حتى صالة الجيم وهي أقرب شيء لهم يستطيعون أن يتحدثوا فيه دون أن ينتبه لحديثهم أحد...

وبداخل صالة الچيم...
وقف آسر متنهدا قبل أن يفصح عما فعله دون معرفتهما: بصراحة كده، أنا محطتش البرشامة اللي انتوا جبتوها معرفش منين!، أنا حطيت مُلين وبرضو مش هيعرف يقعد على بعضه لأن المُلين ده مفعوله قوي ومش هيرتاح منه غير بعد مش أقل من 4ساعات، تكون المقابلة انتهت ونفذنا برضو اللي احنا عايزينه.

جن جنون رعد وجره من ياقة ملابسه وهزه بغضب قائلا: أنت بتتصرف من دماغك؟، لو مكنتش موافق كنت أخرج منها وسيبنا نتصرف لكن ما تتصرفش من دماغك وتبوظ كل اللي عملناه بغبائك!

تخلص آسر من قبضة رعد العنيفة وقال له بعصبية: عايز تحطله مخدرات!، ما فكرتش في اللي بعد المقابلة ولما عمك عاصم يكتشف اللي حصل لابنه!، ماهو اكيد مش غبي عشان ده يحصل ومايعرفش أننا اللي وراه!، ومش هيسكت!

بدا جاسر مفكرًا بحديث آسر وثابتًا، على نقيض رعد الذي تلون وجهه بلون الدم من لهيب الغضب بداخله، فأضاف آسر بتأكيد: والعيلة كلها كانت هتعرف وأولهم رضوى وهتعند معاك أكتر، لأن ببساطة وائل كان هيقنعها بمليون دليل أنه مش بيتعاطى مخدرات، لما اقترحتوا اعترضت وانتوا صممتوا برضو،! مالقيتش حل غير أني انفذ اللي في دماغي واللي برضو مش راضي عنه!، لكن مكنش قدامي حل غير كده.

فتح يوسف باب الجيم وظهر على وجهه أنه سمع حديثهم، دخل وأغلق الباب خلفه بعصبية، ثم التفت إليهم بنظرات تختلج ما بين العتاب والغضب لما فعلوه، فقال لرعد بانفعال: ما اتعلمتش من اللي فات برضو!، في وقت عصبيتك بتتعامل بغباء وما بتحاولش تفكر صح!..
تأفف رعد واستدار لجهة أخرى بنفاد صبر وهو يقول: الاستاذ وعظ وصل!

جذبه يوسف من يده لينظر له وقال بعصبية: أنا مش بوعظك أنا يهمني مصلحتك!، أنا عارف ليه ما قولتليش، لأنك متأكد أني مش هوافقك على الرأي ده!، احمد ربنا أن آسر اتصرف كده وإلا كنت هتحطنا كلنا في موقف زي الزفت!، مع أن برضو هيتشك فينا في كل الأحوال، بس الملين ارحم بكتير من المخدرات ومش هيتسبب في كارثة كانت ممكن تحصل!
شعر جاسر بالغباء من تصرفهم هذا وقال معترفا: احنا اتسرعنا يا رعد فعلًا، و.

وهنا انتهبوا جميعا إلى صوت قرع على الباب، فذهب يوسف ليفتحه ووجد الصبي يقف قائلا بوجه متوتر: تعالوا بسرعة، وائل تعبان أوي وعمي وجيه عايزكم.
نظر يوسف لهم في غيظ وخرج سريعا خلف الصبي، فقال آسر بقلق وبعض التعجب: ربنا يستر، بس الملين مش هيوصله للتعب ده يعني!، ده اقصى شيء ممكن يحصل هيجيله اسهال!

لم يبدو على رعد أي قلق وكأنه تمنى أن يذهب هذا الوائل إلى الجحيم بأي طريقة...

الجميع التف حول وائل في الردهة وهو يضع يده على بطنه ويتألم بشدة وأمه تبكي وتنتحب وممسكة به وهو يقول بألم: مش عارف حصلي إيه؟، جاسر ادني كوباية عصير ولما شربتها كأني شربت سم!، أنا عمري ما حسيت بالألم ده في معدتي!

رفع آسر حاجبيه بدهشة ونظر لجاسر الذي اسودت عينيه من الغضب لهذه المسرحية المفتعلة، وتمتم رعد بشراسة: مكنش خسارة فيه الحباية...

فغمغم جاسر بخفوت بنظرة غاضبة لوائل وتتوعده بالانتقام: طب كويس انك جبتها عندي، أنا هعرفك مقامك كويس. بس مش وقته.

اجتث وجيه نظرته الغاضبة من على جاسر ورعد تحديدًا، وتقدم إلى وائل قائلًا بهدوء ليطمئنه. : تعالى معايا المستشفى وهتكون بخير ما تقلقش، اكيد ده مالوش علاقة بالعصير احنا مش هنحطلك سم يعني!

تظاهر وائل بالألم الشديد، والتمادي في تمثيله الذي لم يتقنه كثيرًا ولكن بهذا الوقت لن يكذبه احد مهما كان شكه، وقال معتذرا لوجيه: أنا أسف يا عمي وجيه مش قصدي، بس والله هو ده اللي حصل أنا مش كداب حتى اسأل يوسف وآسر، ورعد كان زهقان عليا ورافض آنسة رضوى تقعد معايا معرفش ليه!..

ورد عليه أشقائه الأثنان مؤكدان ما قاله شقيقهما وائل...
وتدخل عاصم بعدما انتبه لتلميح إبنه المريب وفهم مغزاه، فقال بعصبية قاصدًا كل كلمة وكأنه يهدد: لأ أنا هاخد أبني واوديه لأقرب مستشفى ما تقلقوش عليه، شكرًا على الضيافة يا دكتور وجيه!

ووضعت تلك الكلمات وجيه بموضع أحراج شديد وموقف لا يحسد عليه، ولم يستطع لأول مرة أن يرد عليه ويضعه عند حده!، وبعدها وقف الجميع ينظرون بصمت وعلى وجوههم التوتر والريبة مما ستؤول إليه الأمور، حتى أن الجد لم يبدي أي كلمة من صدمته بما يحدث أمامه!، وشعوره أيضا بالذنب لكل ما يفعلوه الشباب.

وبعدما غادرت عائلة عاصم جميعها وهو يساندون وائل الذي وكأنه ابتلع سما حقيقيا ويتلوى متوجعا بزيف، خرجت رضوى التي راقبت المشهد كاملا من غرفتها وخلفها الفتيات. وقفت بالردهة وقالت بعصبية وهي تشير لرعد بتهديد: أنت اكيد اللي ورا اللي حصله!، وبعدين مين ادالك الحق أنك تقرر أقابله ولا لأ؟، ده شيء يخصني أنا وبس!

اسودت عين رعد بشعور قاتل من الغيرة والحب والغضب من دفاعها عن رجل آخر حتى تجهل معرفته للآن!، ورد عليها بصوتٍ عنيف: مايخصكيش لوحدك القرار ده!، وبعدين بدافعي عنه كده ليه! هو أنتي لسه حتى عرفتيه ولا قعدتي معاه!، ولا أنتي وخداه عند وخلاص المهم أي واحد تستخدميه عشان تنتقمي مني!

وعلى رغم أنه بحديثه بعض الحقيقة ولكنها ارتجفت من الكراهية التي شعرت بها فجأة اتجاهه، فرفعت يدها تصفعه بعدما اعمى الغضب ادراكها بجميع من حولها تمامًا، ولكنه قبض على يدها قبل أن تهوي على خده بصفعه مدوية، وتطلع بعينيها الكحيلة التي يشبه لون حبتها لون العسل الصافي، والواقع فيهما كليًا، وتمتم في تحذير شرس: ما تفكريش تعمليها تاني، بما أنك مراتي المستقبلية يعني.

ورافق ارتخاء قبضته على يدها نظرة متلاعبة ماكرة بعينيه تضمر شيء، فرمته بكل ما في قلبها من غضب ظهر بحدة صوتها وقسوته: ده ابعد حتى من أحلامك، وكل اللي بتعمله ده ولا يحرك فيا شعرة حتى، وأن كانت المقابلة دي انتهت فمش هتكون الأخيرة، ولا هو هيكون أول واحد يتقدملي!

تدخل وجيه بصوتٍ حاسم بالا يتحدث أحد مجددًا، قاطعا شوط من الصراعات بين رعد ورضوى وتعكر كل شيء بينهما، وقال: لو سمحتي يا رضوى روحي أوضتك دلوقتي...

التفتت رضوى لعمها بنظراتها التي تمتلئ غضب والدموع رافقت كل هذا أيضا، وقالت بدهشة من جملته: يعني أنت يا عمي عجبك اللي عمله؟

تنهد وجيه بقوة وادركت ليلى وهي تنظر له من بعيد مدى غضبه الذي يخفيه ونخزها قلبها قلقا عليه، حتى جذب وجيه يد رضوى بلطف وأخذها إلى غرفتها، وعندما ادخلها ربت على جانب وجهها بنظرة حنونة وقال: أنا حاسس بيكي، ومقدر زعلك وفاهم اللي بتمري بيه، وعارف برضو أن أي كلام عن رعد دلوقتي مش هتصدقيه، بس نصيحتي ليكي والنصيحة دي أنا جربتها شخصيًا ومريت بكل أحداثها، ما ترتبطيش بحد لمجرد العند، محدش هيدفع تمن القرار ده غيرك أنتي، والقرار الصح له مدة، وممكن على ما تفوقي تكون المدة انتهت وتندمي، والندم مش بيرجع اللي ضاع مننا، بس بيلون حياتنا بالعذاب، فكري كويس وبهدوء، واوعدك أن رعد مش هيعمل شيء يضايقك تاني.

وربت مجددًا على وجهها بلطف ثم تركها بالغرفة ودخلوا الفتيات لغرفتها واغلقوا الباب عليهن...

عندما خرج وجيه كان أبيه عاد لغرفته، وجيهان كذلك لم تريد التدخل بينهم فصعدت لغرفتها، بينما ليلى كانت قلقة عليه وأرادت التحدث معه ولو قليلًا فظلت واقفة تنتظره، ونظر وجيه للشباب الأربعة في نظرة الهدوء ما قبل العاصفة، نظرة لا تنذر بالخير، فأشر لهم بيده أن يسبقوه لغرفة مكتبه بالمنزل قائلا: تعالوا ورايا.

ذهب الشباب للمكتب خلفه وتبقى ليلى والصبي نعناعة فقط، فتمتمت بدعاء أن يمر الامر بسلام، حتى قال الصبي بقلق: بأذن الله هتعدي، بعد أذنك هطلع عند عمتي.

وكان الصبي يستأذن بأدب بكل حركة يخوضها داخل المنزل، فتركته ليلى يصعد دون كلمة وجلست على أحد الآرائك بالردهة تفرك يديها ببعضهما في قلق، على رغم تأكيدها أن وجيه سيتصرف على الوجه الأمثل وبمصلحة الجميع، ولكن سيتحمل الكثير من التوتر والضغوطات حتى تتصلح الأمور بين جميع أفراد العائلة...
وتجهمت عندما تذكرت تعابير وجهه عندما تحدث عاصم بعصبية وأخذ عائلته وغادر!

فنظرت ليلى للمكتب وبداخلها رغبة هائلة للأنفراد به ولو قليلًا، وطمأنته وتبديل عصبيته حتى يهدأ.

وقف وجيه أمام الشباب الأربعة في مكتبه، وبدا على وجه رعد تحديدًا التحدي والتصميم...
تنهد للحظات ناظرا لرعد مفكرا ثم قال بعصبية: عملتله إيه خلاه في الحالة دي؟

رد آسر معترفا: أنا حطيتله مُلين يا عمي، يمكن يحس بشوية مغص بس مش لدرجة أن يحصله كده!..

وبعدها قال رعد بنرفزة وغيظ شديد: ده تمثيل انتوا صدقتوه؟

سخر وجيه منه وقال ببساطة: لأ طبعا مصدقتش بس هو طلع أذكى منكوا ورماها عليكوا، وبدل ما يطلع خسران خلى شكلكم وحش واتهمكوا باللي جراله، ولو طلب مقابلة تانية طبعا مقدرش أرفض!، مكنتش متخيل أنكم بالغباء ده!

تحدث يوسف مدافعا عن نفسه وقال: أنا مكنتش أعرف يا عمي، أنا عرفت بالصدفة والله.

زفر جاسر بغيظ وقال بتصريح قاله من غيظه من وائل وخبثه: أنا كنت هحطله قرص (، )، كان هيهبر وهيهلوس ومكنش هيبقى طبيعي، بس للحقيقة آسر بدل القرص بمُلين، وبعد اللي قاله الحيوان ده ياريت آسر ما كان بدله، على الأقل كنت شفيت غليلي منه.

اتسعت عين وجيه بصدمة وبلحظة اندفع اتجاه حاسر وجره من ياقة قميصه وهزه بعنف ونظرة شرسة: مخدرات!، انت جيبت القرص ده منين أنطق وإلا اقسم بالله ما تقعد هنا لحظة؟، أنت بتتعاطى يا جاسر!

صدم جاسر من ظن عمه فيه وقال بنفي ودفاع صادق: بتعاطى إيه يا عمي بس!، لا والله العظيم هو انا حتى بشرب سجاير لما اتعاطى!..

هزه وجيه بشراسه وصاح: اومال عرفت تجيبه منين؟، الحاجات دي مش بتتجاب غير يا من المجرمين يا تحت استشارة الدكتور ولأمراض معينة عشان الألم، ومستحيل دكتور يديهولك من غير دليل أن حد عندك مريض، يبقى جيبته منين!

اعترف جاسر وقال ببعض الندم: ده واحد صاحبي أخوه عنده الكبد وبياخد جرعة بسيطة من البرشام ده عشان تسكن الألم، فخدت واحدة منه تحت ضغط كمان، محدش يعرف غيره والله.

نظر له وجيه بعنف محاولا اكتشاف أن كان صادقا أم كاذب، فدافع رعد عنه وقال بتأكيد: الكلام ده حقيقي وحصل قدامي، يا عمي أحنا مش بتوع الكلام ده وجيبناه لهدف وأهو ما اتحققش اصلا!..

دفع وجيه جاسر بعيدًا عنه وزفر بقوة بعدما شعر بالذعر من مجرد الشك بأن جاسر يتعاطى تلك العقاقير المحذورة والمدمرة، ولكن غضبه منهم لم يهدأ بعد وصاح بهم: انتوا عارفين لو كان ده حصل كانت النتيجة هتكون ايه؟، عاصم مكنش هيسكت وهيردها بأي شكل وبأي طريقة، ومش هقدر اغلطه لأن لو واحد فيكم اتعرض لموقف زي ده مكنتش هغمض عيني غير لما ارجعله حقه وازيد كمان، احمدوا ربنا أنها جت على اد كده، عاصم مكنش هيأذيكم انتوا بس، كان هيتكلم على بنات أخويا كمان ومش هيرحم حد.

اضطربت عينان رعد وبدأ يشعر بالتشتت ووصل الحال به لأن يشعر أنه عاجزا ولا يستطع التفكير بأي طريقة ليحل بها الأزمة، فقال يوسف محاولا تهدأت عمه بعض الشيء: وائل كان بيمثل وده واضح وأبوه عارف ومثل هو كمان وعملوا حوار بايخ، وعلى فكرة هيطلبوا يجوا تاني وتالت كمان، المشكلة دلوقتي أن وائل بكل سهولة هيقول لرضوى وهيأكدلها أن رعد السبب في اللي حصله، وطبعا بدون نقاش هتصدقه...

هز وجيه رأسه بغيظ منهم بيأس وهتف بعصبية: ضيعتوا كل اللي كنت بفكر فيه بتصرفكم الغبي ده، ولا انتوا فكركم أني مش عارف أنهم داخلين على طمع!، عاصم لما عرف أن حميدة اتخطبت ليوسف من جدكم، اتقدم لجميلة وسما لولاده التانيين بشكل مباشر، يعني مافيهاش تلميحات تاني!..

صرّ جاسر على أسنانه بغضب وقال هاتفا بشراسة: ولاد ال، محدش فيهم هيدخل البيت ده تاني!، ومحدش يحاسبني على اللي هعمله!

صاح وجيه بعصبية بوجه جاسر وحذر: اياك يصدر منك أي فعل غبي من افعالك، أنا كل ما احلها تيجوا انتوا تخربوا كل اللي ببنيه في لحظة!، مين اللي قالك أني كنت هوافق بسهولة كده!، ولا أزاي أبقى عارف انهم طمعانين فينا واسلمهم بنات أخويا كده بالساهل!، بس الرفض المباشر من غير سبب مش حل، والرفض من غير ما اتكلم مع البنات واخد رأيهم هيخليهم يعملوا نفس اللي بتعمله رضوى، وزي ما قالت رضوى بالضبط، ده مش هيكون أول عريس يتقدم!

يعني مش هنفضل كده كل ما يتقدم حد ليهم!..

قال آسر بعصبية: طب اقولنا نعمل إيه وهنعمله، المرادي هنسمع كلامك ومش هنعمل أي حاجة من دماغنا، بس اوعدنا انك تحلها.

رفض وجيه وقال ساخرًا فلم يعد الحل سهلًا هكذا بعدما حدث: مع تهوركم ده مقدرش أوعد بحاجة مش مضمونة!، اثبتولي الأول أنكم مش هتتهوروا تاني وتتصرفوا من ورايا، وشوفوا انا هعمل إيه!، وشوفوا لما يوسف اتقدم لها واثبتلها إنه بيحبها وشاريها بجد عملت إيه من غير حتى ما يكلمني...

تقدم رعد خطوتين ووقف أمام عمه وقال باعتذار حقيقي واعتراف بالخطأ: أنا أسف يا عمي على اللي أنا عملته، حقيقي بتأسفلك ومش عايزك تزعل مني، واوعدك مش هتهور تاني بس عشان خاطري حاول بأي طريقة تحلها، أنا مش متخيل أنها تكون لغيري!، يمكن عشان كده بتصرف بعصبية ومن غير تفكير.

جعل أسف واعتذار رعد أن يبدد ويدحض تلك السحابة المظلمة بالغضب بعقل وجيه، فتنهد وجيه ليفرغ صدره من الغضب وقال مؤكدا: يبقى سيبني اتصرف يارعد وثق فيا، أنا مش عارف انتوا ليه مش متأكدين أني يهمني سعادتكم ومصلحتكم؟

انتوا ولادي، يعني مستحيل أكون عارف أن في حاجة ممكن تسعدكم وابعدكم عنها، لكن أنا بتصرف بعقل، لأن في أطراف غريبة ماينفعش اتعامل معاها بعصبية، كل شيء بأذن الله هيتحل وبرضا الجميع، ومن غير مشاكل لأي حد.

ابتسم جاسر بمكر وقال وهو يضع يديه بجيوبه في ثقة وزهو: يعني هنتجوزوهم يا عمي؟

ابتسم وجيه رغما عنه له وقال بسخرية: أنت بالذات حلال اللي بتعمله جميلة فيك!، لكن للأسف مش هكون مطمن على واحدة فيهم مع حد غريب، انتوا رغم طيشكوا ده بس متأكد أنكم هترتاحوا مع بعض وهتستقروا...

تنهد جاسر بابتسامته الماكرة وقال بنظرة شاردة قليلا وكأنه ينسج بخياله احلاما تروقه: آه والله، هرتاح معاها أوي أوي أوي يعني.

ضحك الشباب عليه وخاصة عندما تطلع به وجيه بنظرة محذرة رغم أنه أراد بقوة أن يبتسم.

وبعد أن خرج الشباب من غرفة المكتب، انتظر وجيه لبعض الدقائق مفكرا بالمسألة في ضيق مما سينتج عنه هذا التصرف، وبدأ يفكر في الحلول، ولكنه خطر بباله فجأة أن الوقت متأخرًا ولا بد أن يصعد لغرفته ليأخذ قسطا من النوم...

وقد غفل لساعاتٍ أن بدءً من اليوم سينقسم وقته بين زوجتيه، واليوم مع الأسف سيذهب إلى جيهان...
زفر بضيق شديد، وكم تمنى أن كان هذا اليوم لحبيبته ليلى، هي الوحيدة التي تستطع الآن أن تبدل مزاجه السيّئ هذا، ولكن مع أسف قلبه للواقع لن يستطع تغيير مساره...

خرج من المكتب وصعد خطوات ثقيلة على الدرج المؤدي للطوابق، وعندما صعد الخطوات حتى الممر كاد أن ينظر لساعة معصمه بحركة لا إرادية، وجد نفسه فجأة مشدودا بواسطة يد رقيقة استطاعت ايقافه اخيرا بقرب ستارة ثقيلة على أحد الجوانب...

اقتربت منه ليلى بنظرات قلقة، وقالت بلهفة وهي تحسس على جانب وجهه برقة بأحدى يديها: استنيتك تحت كتير عشان اطمن عليك بس اتأخرت، خوفت من العصبية اللي كانت ظاهرة عليك وقت ما الضيوف مشيوا، أنت بخير؟

نظر لعينيها القريبة منه جدًا، وشعر بلمسة يدها الاخرى التي على رغم رقتها ولكنها استطاعت جذبه بتلك القوة والسرعة!، فابتسم ببطء وبمكر وهو يتطلع بعينيها بدقة، وهنا كأن كل ما حدث منذ قليل لم يكن أو كان منذ زمنً بعيدًا ومضى طي النسيان.

وتعجبت وارتبكت من صمته ونظراته المتنقلة ببطء على عينيها، ولكنها ابتسمت لتلك الابتسامة التي ارتسمت على ثغره ببطء، فقال بغتةً وبهمس: مكنتش بخير، بس دلوقتي أنا بكل خير، تمام جدًا.

وقربها اليه بقوة وعاد همسه قائلا بمكر عينيه: في حد عايز يطمن على حد يعامله بالعنف ده؟، أنا في لحظة لقيت نفسي وكأني هتخطف!

ضحكت بخفوت وقالت بتحدي مرح وعينيها مسلطة على نظرته المتطلعة بها في ثبات: آه هخطفك، والله معرفتش أنام غير لما اطمن عليك.

اتممت اجابتها بصدق دون وجود للمزاح، فضمها بحنان وهمس بأذنيها قائلا: ده أنتي العيشة معاكي تقصر العمر!

تجمدت ليلى بمكانها وابتعدت ناظرة له بصدمة، حتى ضحك بقوة وظهرت اسنانه البيضاء اللامعة بضحكة نابعة من قلبه صادقة، وقال مصححا: أقصد الوقت بيعدي معاكي لحظة مهما طال والله!، تخيلي اليومين اللي فاتوا محستش عدوا أزاي!، كأنهم دقيقتين وعدوا من غير ما احس!..

وكان اصعب ما عليها أن تتركه الآن ولكنها قالت أخيرًا: هقولك تصبح خير قبل ما تقولهالي أنت وتمشي.

جذب يدها بعدما ابتعدت خطوة، ولكنه قربها أكثر من تلك الخطوة وهمس باشتياق: خليكي شوية.

نظرت له بعينان يملأهما اللهفة والعشق، ولكن عندما تذكرت جيهان، عادت قائلة بغصة مؤلمة عالقة بحنجرتها: ماينفعش يا وجيه، أنت مش ليا لوحدي، هتوحشني أوي لحد بكرة.

فهمس مع نظراته التي تحمل من الحب ما يفوق كل ما تتخيله: طب ولما يجي بكرة؟

قالت مبتسمة: هتوحشني أكتر.

الفصل التالي
بعد 15 ساعة و 45 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة