رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والعشرون
ذكر يوسف أمر الفطير فوقفت حميدة متجمدة والفتيات ينظرن إليها في شك، ابتعلت ريقها بتوتر ثم تابعت طريقها إليهم وكأن ما قيل لم يربكها ولا تخشى ان يعرفه أحد...
بينما نظر جاسر له في شك واقترب له هامسا بخبث ويبدو أنه قرر أن ظنه حقيقي فقال: هي دي البنت اللي اديتلك الفطير وزعلت بعدها؟
هز يوسف رأسه بالايجاب ورد عليه بصوت لم يسمعه الفتيات من الجهة الأخرى والذي تبعد عنه امتارًا: هي بعينها بفطيرها بقلبها الطيب، شوفت رغم أنها كانت زعلانة مني إلا أننا وكأننا اتصالحنا، أمتى وأزاي معرفش!، بتديني كل مرة اكلة بحبها، بس صحيح. هو إيه الفرق بين الايس كريم والچيلاتي؟، مش هما واحد؟
نظر جاسر ليوسف الذي يبتلع الحلوى الباردة بسلاسة وكأنها رشفة ماء وقال بسخرية: وهيفرق معاك إيه؟، أنت بتاكل الأكل قبل ما تعرف اسمه اساسا!
قال يوسف وهو يبتلع ريقه بتلذذ من المذاق البارد بعض الشيء: عايز أعرف من باب العلم بالشيء...
صعد رعد عندما شعر بتأخر يوسف وجاسر وتمنى أن يكن ما هطر بباله صحيح وأن يكن الفتيات بسطوح منزل العمدة كعادتهن، صدق ظنه ولمحهم وهن جالسين على آريكة قديمة بالية، ابتسم وهو يتجه برأسه اتجاههن فأحمرت وجه رضوى بحياء ملحوظ...
اقترب رعد إلى أبناء عمه وقال لهما في ابتسامة عريضة: اتأخرتوا ليه يا حبايبي؟
رفع جاسر حاجبيه في مكر وقال ببعض السخرية: حبايبك!..
وضع رعد يديه في ثقة في جيوب بنطاله الرياضي الاسود وأجاب بنفس الابتسامة المشكوك بأمرها: طبعا حبايبي، أنت شاكك ولا إيه؟، كفاية عليا أشوفكم بتبتسموا بس كده...
لمح جاسر ابتسامة رضوى الخجولة وهي تنظر له سريعا وتعود ناظرة للأسفل فقال بضحكة صوتها ليس عال ولن يسمعه الفتيات وبها بعض السخريةِ: الكلام بيتجه هجمة مرتدة على السطوح اللي جنبنا، ما تفهمني اللي بيحصل يا رعديد!
وضع يوسف علبة الحلوى الفارغة على السور الفاصل وقال: وأنا نازل هاخدها أرميها في الباسكت، النظافة يا ولاد أهم من أي شيء، سيبوني بقى أنشر دور الغسيل ده...
بدأ يوسف بفرد قطع الغسيل على الأحبال فقالت جميلة للفتيات بعدما أكلت نصيبها من الحلوى المثلجة: بقولكم إيه، تعالوا ننزل ما يصحش نفضل كده وهما هنا!، أي نعم بينا وبينهم مسافة بس برضو القاعدة دي مش هضماها...
وقفت سما وقالت بموافقة: عندك حق، يلا بينا...
قالت حميدة لهن وقالت بتصميم: لأ خلينا قاعدين، هما هينزلوا أهم، خلينا قاعدين شوية احنا ما بنصدق الجو يروق ونقعد في الهواء بدخل القاعدة في الدار طول النهار كده!..
هبط الثلاثي الشباب بالفعل بعد دقائق قليلة وعندما تسللت نظرة رعد إلى رضوى وجدها لا تهتم لأمره فنظر لها بغيظ وقرر عدم الصعود مجددًا...
نظرت سما للأمام بشرود، ذهبت للبعيد بعينيها وببعض الظلام التي تراه برؤيتها لكل شيء، حتى في وهج النهار!
نظر الفتيات لبعضهن عندما لاحظوا شرودها الذي بات يرافقها طيلة الوقت، فقالت جميلة لها واجتهدت لكي يكون حديثها يبدو كمزاح: إيه يا سمكة؟، مابقتيش بتسمعي المسلسلات زي الأول ولا حتى بقيتي بتهزري خالص، ده أنتِ مكنتيش بتبطلي هزار!
تنهدت سما وكأن يد تقبض على أنفاسها بقسوة، ثم أجابت ببطء وعينيها لا زالت تائهة: مابقتيش لاقية حاجة تضحك أهزر عليها، ولا بقيت بصدق المسلسلات...
فهم الفتيات ما تحاول أن تقوله، ولكنها لا تريد قوله، وعينيها التي كافحت لتخفي شيء، انكشف رغم المحاولة!
ابتلعت سما تلك الدمعة التي كادت تكشف ستر ضعفها ونهضت قائلة بضيق: أنا نازلة أخد الدوا بتاعي، نسيت ومخدتهوش وبطني بدأت توجعني تاني...
اسرعت سما الخطا على الدرج الخرساني للمنزل الريفي، بينما خيم الصمت على الفتيات الثلاثة...
قالت حميدة بعينيه تلتمع ببوادر دموع: لو أبويا كان لسه عايش مكنش فضلت سما كده، هو اللي كان بيقدر يخرجها من أي زعل، الله يرحمه...
هزت رضوى رأسها وضعفت مقاومتها للدموع أيضا وقالت بألم: يمكن لو جدي...
قاطعتها جميلة بنظرة حادة وعين التمعت من العبرات المنزعجة الغاضبة وأشارت لهن بعصبية وهي على حافة البكاء هي الأخرى: محدش يجيب سيرتهم، أنا بكرهم ومش عايزة افتكرهم، اللي زعل أبويا عمري ما هسامحه أبدًا...
ومرت لحظات وانخرطا الفتيات الثلاثة في البكاء الصامت المنقطع من النقاش والكلمات، دموع فقط تسرد ضعفهن بعد وفاة أباهم...
كان قد ذهب الصبي نعناعه للمنزل وترك الشباب في المندرة، وقف جاسر يسند ظهره على الحائط ونظرته حائرة شاردة، بينما انهمك يوسف في غسل الملابس بالغسالة اليدوية...
لمح آسر شرود إبن عمه جاسر وتساءل بفضول وهو يجلس على الأريكة: سرحان كده ليه؟..
خرج جاسر من شروده ونظر لآسر بحيرة شديدة وقال: يا أخي أنا عرفت بنات أشكال والوان، أنما بشراسة ولسان البنت دي مقابلنيش!، اللي يحير إنها مش أجمل بنت شوفتها ولا حتى أحلى من اللي عرفتهم!
بس فيها حاجة بتستفزني وتخليني لما أشوفها أبقى رخم ورزل وغتت وعايز أغيظها بأي شكل!
وضع رعد على الطاولة الخشبية القديمة كوب كبير من النسكافيه الذي أعده للتو، ثم جلس ووضع ساقا على ساق قائلًا قبل أن يرتشف منه كوبه: ده حب، أو عداوة!
اتسعت عين جاسر وحدق عينيه في رعد بدهشة، ليكن صادق مع نفسه فأنه لم يقابل الحب يوما، علاقاته العابرة والكثيرة مع الفتيات جعلتهن في عينيه سواء، جميعهن سواء...
يلتفتن للمظهر والمال والمكانة الاجتماعية، قال لرعد بإعتراض واستنكار: أنت اكيد بتهزر!، حب إيه اللي بتتكلم عليه؟، لا طبعا مستحيل...
ارتشف رعد رشفة أخرى من النسكافيه فسبقه يوسف وقال: تبقى عداوة، ما هي هزقتك كتير بصراحة فمن حقك تكرها...
نظر جاسر له بغيظ للحظات ثم تنفس بحدة وقال بصدق: برضو مش عداوة، لأ...
بصراحة كنت فاكر نفسي مقطع السمكة وديلها وراسها كمان، كنت فاكر أني عرفت كل أنواع البنات وفهمتهم، بس أظاهر أن في لسه نوع ما أعرفهوش، يمكن ده اللي شاددني كده صح؟
وضع رعد كوبه وقال بتوضيح بعدما فهمه: بقولك إيه، خدهم مني كلمتين، اللي انت بتقوله ده حب بس لسه في مرحلته الأولى اللي اسمها الأعجاب، فلو كنت فاكر أن البنت دي زي اللي عرفتهم وماشي في سكة مش سالكة يبقى تفرمل يا معلم وتبعد، أنت هنا لو عاكست بنت هتتفضح حرفيا، فكر عشان البنت دي سكتها يمين مش شمال زي اللي في دماغك...
قال يوسف بأنفعال وقد حمسه حديث رعد فهتف: اعتبرها أختك يا أخي!
أشار له جاسر بغيظ شديد منه وقال له محذرا: أختي!، بعد اللي بقوله وتقولي أختي!، وبعدين أنصح نفسك!، ولا فاكرني مش واخد بالي من صانعة الفطير!، ولا الأستاذ رعد اللي شوية وهيقوم يجيب السبحة، كل ما يشوفها بيسبل ويبتسم لها وهي تتكسف ووشها يحمر وأنا مش هفضحكم أكتر من كده بقا احنا أهل برضو...
نهض رعد بنظرة غاضبة إلى جاسر ووقف أمامه قائلًا بحدة: أنا معملتش نفسي شيخ ولا أنا من النوع اللي بوشين ومالكش دعوة برضوى وماتجيبش سيرتها تاني أنت فاهم!
أتى يوسف منفعلا هو الآخر وقال بنفس درجة العصبية: ايوة صح، وبتاعت الفطير ما تتكلمش عنها...
نظر لهما جاسر بشك وقال: ممكن أفهم ده اسمه إيه؟
نظر له يوسف بحيرة ثم نظر لرعد وسأله بأهتمام: آه صحيح يا رعد، هو اللي احنا فيه ده اسمه إيه؟
رد آسر عنه وقال بإستهزاء: اسمه نزوة، أو فراغ عاطفي، أو تقضية وقت، اللي بتعملوه ده غلط في غلط وماينفعش من كل الجهات وماتنسوش أن حتى لو في اعجاب فلازم تنسوه، مافيش أي تكافؤ بينكم وما اعتقدتش أن هيكون في...
هز رعد رأسه بنظرة بها بعض اليأس وقال بصدق: للأسف كلامك فيه شيء من الحقيقة...
اعترض يوسف وقال بضيق: أنا مش بتاع نزوات ولا تقضية وقت، وتقريبًا عمري ما كان ليا علاقة مع بنت ولو مجرد كلام، وبرضو مش فراغ عاطفي، أنا ابسط منكوا كلكم، كل اللي بحلم بيه انسانة بسيطة زيي تحبني بكل عيوبي ومميزاتي، شهاداتها مش هترسم راحة بالي معاها، ولا هتخليني أتمنى أشوفها، ولا هتخليني أحب أشاركها كل حاجة بحبها حتى لو شاركتها اكلة بسيطة، يمكن فعلًا التكافؤ مهم، بس بالنسبالي التكافؤ هو الراحة والقبول...
ابتسم رعد وهو يتذكر شيء وردد: القبول، شكلها أشارة ولا إيه؟
هز آسر رأسه بيأس منهم وقال بنفاد صبر: انتوا محتاجين تجربوا عشان تعرفوا الواقع على حقيقته...
رد رعد عليه سريعا: الواقع أني كنت عارف أن عمك مصطفى سعيد مع مراته البسيطة الفلاحة اكتر من أبويا وأمي اللي المفروض بمنطقك ده يكونوا أسعد زوجين، أبويا وأمي مكنش بينهم مشاكل أو خناقات صحيح، بس حياتهم كانت نمطية، شغل وبيت وبيت وشغل، مافيش بينا دفا الأسرة والعيلة، أنا مش عايز الحياة دي!..
قال آسر بسخرية ومط شفتيه قليلا قبل أن يتحدث: وأنت بقى بتقلد تجربة عمك!، مش عشان هي عجباك فعلًا،!
أطرف رعد عينيه بصمت وهو ينظر لآسر، للحظة فكر بالأمر وأنه من الممكن أن يكن الأمر صحيحا!، قال ببعض الحيرة: لا ما اعتقدتش!
ابتسم آسر باستهزار من لحظات الشرود التفكير التي ظهرت على رعد وقال: كلامي دخل عقلك وحيرك، يبقى شكي في محله، فكروا كويس قبل أي خطوة، صدقوني الندم وحش أنا مجربه، مش حابب أنكم تمروا بتجربة فاشلة لأن الأمر فعلًا بيدمر النفسية...
اتجه آسر ليوسف وقال: وأنت يا يوسف، ما تنكرش أنها لفتت نظرك بسبب أن اكلها عجبك!، هل ده سبب كفاية أنك ترتبط بيها؟
جاسر أكتر واحد بيفكر فيكم، على الأقل بيحاول يدور جواه على السبب الحقيقي اللي شاده للبنت دي، مش ماشي ورا ميوله زيكم...
عبس وجه يوسف وعاد لغسل الملابس وترك المناقشة بالكامل...
دلف رعد لغرفة النوم الملحقة بالمندرة بعدما ترك أبناء عمه بالخارج، تمدد على الفراش ونظر للأعلى شاردًا...
رغم أن حديث آسر به شيء من التفسير المنطقي ولكن ما يشعر به تجاه تلك الفتاة يشبه ايجاد حجر شديد الندرة...
الفتاة حقا تضي شيء بداخله كلما رآها كأنها تضغط على زر الاضاءة!
ليس الأمر أنها ريفية! وإلا كان احتار بكل فتاة ريفية صادفها هنا وأحتار من يحب فيهن!
الأمر ببساطة أن القلب يبتسم عند رؤيتها، ويجبره أن يلتفت للنظر، ويرسل ابتسامته بنظرة خاطفة...
بعدما ركضت ليلى لخارج غرفة العناية مرت بخطوات أشبه بالركض بالممر...
خرج وجيه خلفها وترك الصغيرة مع جدها مؤقتً، أسرع بتتبع اتجاه سيرها وهي تسرع الخطا...
دخلت ليلى بزاوية كانت تعرف أنها خاصة بأدوات التنظيف للعاملات، ثم اغلقت الباب عليها وهي تنخرط بموجة بكاء شديدة...
الأمر أشبه بخيانة الوعد، فقد قطعت التزاما مع زوجته أن تبتعد عنه، لم يزول الخطر كليًا حتى بمعرفتها بما فعله جدها، فهذا المجرم أخطر من أن يترك نفسه لأحدًا يقتله بهذه البساطة...
وأيضا هو لا يعرف تفاصيل الماضي، وثقيل على نفسها أن تخبره أنها تعرضت لمحاولة أقرب للأغتصاب!
جلست على الأرض وهي تبكِ بقوة، حتى سمعت دق شديد على الباب، ولم تسأل حتى فهي تعرف من الطارق، تمنت أن يذهب ويتركها خاصةً بهذا الوقت ولكنه همس بقرب الباب قائلًا بلهفة: لازم نتكلم يا ليلى، ماينفعش كل مرة تهربي من المواجهة بالشكل ده!
اغمضت ليلى عينيها بحيرة شديدة، لا بد أن تواجهه بالفعل ولكن لتصر على رأيها، نهضت وحاولت التماسك قبل أن تفتح الباب بعينيها الحمراء من البكاء، فتحت الباب ببطء ووقعت عينيها على عينيها الثائرة بالحب، قالت ليلى بحدة لا تناسب ما بعينيه: فعلًا الأفضل نتكلم وننهي الموضوع دلوقتي...
أشار لها لمكتبه قائلًا ببعض الضيق من عصبيتها: اتفضلي على مكتبي...
بعد قليل...
فتح وجيه المكتب وقبضة يده ثبتت على مقبض الباب للحظات حتى دخلت ليلى، قالت وهي تره يغلق الباب: سيبه مفتوح شوية ما تقفلهوش خالص، ماينفعش نقعد لوحدنا...
تنفس وجيه بحدة وفعل مثلما أمرت، عاد وجلس على مكتبه وأشار لها لتجلس...
جلست ليلى برجفة شديدة تكتسح جسدها ولكن ما يبدو على ملامحها المقتضبة ذلك، لا بد أن تتحلى ببعض القوة والجدية أمامه، قال وجيه بعد لحظات من الهدوء المربك بينهما وبشيءمن العصبية في صوته: لحد أمتى يا ليلى؟، أنا بقيت بحس أنك بترتاحي أكتر لما تعذبي نفسك وتعذبيني!
ابتلعت ليلى ريقها المر ثم قالت بصوت به بحة من البكاء: وأنا قولتلك أني مش هقدر اكون سبب أني اجرح واحدة تانية واكون السبب في كسر قلبها، مش معقول من كام يوم الناس تباركلكم على جوازكم والنهاردة تقرر تتجوز عليها!
أنت مش بتأذيها هي بس وبتأذي نفسك وشكلك قدام الناس كمان!
ضيق وجيه عينيه عليها وشعر أن هذا ليس السبب الحقيقي رغم ان ما تقوله صحيح ويعرف ذلك فقال: جيهان كانت عارفة أني بحبك وبحاول انساكِ وقبلت أننا نكمل، خيرتها بعد كده أنها لو عايزة تطلق أنا موافق واختارت برضو تكمل وبرضو مع ما عرفت واتأكدت أني صعب انساكِ...
لو كنت ظلمتها فهي ظلمت نفسها قبل ما اظلمها...
تابع وجيه بعصبية وقال: وبعدين اتفاق إيه اللي كان ما بينكم؟، قادر بشوية تفكير اتوقع الأتفاق ده كان إيه...
تلعثمت ليلى وهي بأوج حيرتها، أن أخبرته الأتفاق ستتأكد جيهان أنها غدرت بها، وأن صمتت ستقع بموضع الاتهام مجددًا أمامه، قالت ليلى وهي تتهرب من نظراته الثابته وتحاول أن تقرأ أوراق خاطرها السرية: مافيش اتفاق ولا حاجة، كل ما في الأمر أني كلمتها، عشان أقدر أخد أبويا من المستشفى، عشان مكنتش عايزة اكلمك...
دخلت جيهان بتلك اللحظة ويبدو أنها كانت تريد أن تعرف ما هو رد ليلى على هذا السؤال، تفاجئت بعض الشيء من كذبتها التي انقذتها من غضب زوجها، ولكن كرهت أن تكن بهذا الدور الشرير بحياته، دخلت بطريقة الهجوم ووقفت أمامه وبعينيها دموع متجمدة، وقالت بصوت مرتجف رغم عصبيته: لا يا وجيه، الأتفاق مكنش كده، أنا اتفقت معاها أني هوفرلها شغل ومكان تعيش فيه ومكان لوالدها في مستشفى تانية، عشان تبعد عن عينك، أيوة كان قصدي كده، أنا مأذيتهاش أنا كنت بحافظ على بيتي وأظن من حقي!
دخلت جيهان بموجة بكاء بعدما قالت ذلك، كان بداخل وجيه الغضب والشفقة اتجاهها، احتار بالفعل أيهما يستخدم، نظر إلى ليلى وقال بنظرة فيها رجاء أن تتفهم موقفه: ليلى لو سمحتي...
نهضت ليلى قبل أن يكمل حديثه وكأنها أرادت ذلك منذ أن أتت وقالت له: أعتبر المقابلة مع جدي محصلتش...
تحدث بلهجة بها غضب وتحذير: ده قراري أنا، واللي عرفته مكنش صدفة أعرفه...
خرجت ليلى دون رد وكأنها تهرب منه، كعادتها!
كانت نظرته تقول ذلك وهو يتتبعها بعينيه المتلهفتان بشوق بعاشق لأن يركض خلفها...
اتجه لجيهان بعد قليل وقال بمحاولة الهدوء: أنتِ قبلتي نكمل وأنتِ عارفة أني بحب واحدة تانية، قولتلك بحاول انساها ما قولتش أني نسيتها!، لو كنتِ رفضتي مكنتش هجبرك...
قالت جيهان ببكاء مرير: طبعا قولتلها أني أنا اللي عرضت عليك أننا نرجع!، قولت وبررت رجعوك ليا...
أجاب وجيه بصدق وبعض الرأفة لحالتها: لأ، ما قولتش كده، بس أنتِ اللي لازم تعرفي حكايتي معاها...
قالت جيهان بمرارة بها بعض السخرية وهي تبكِ: مش فارقة التفاصيل، حب بقاله مدة، قبل ما تعرفني أو بعد مش فارقة، تعرف اللي فارق معايا إيه؟
أني مش أقل منها في أي حاجة عشان تحبها أكتر!
أنك محاولتش ولو مرة تجرب وتفكر فيا!
أنها بتبعد عنك وأنت مش بتبطل تحبها يمكن بتحبها أكتر!
أنت ظلمتني لما رضيت ترجعلي وأنت بتحب واحدة تانية بالشكل ده!
ابتلع وجيه ريقه بإعتراف صريح بعينيه وقال بندم طل من نظراته: أنا عمري ما ظلمت حد، ولا كنت أقصد أظلمك، بس صدقيني أنا مش عارف أزاي وافقت واتسرعت بالشكل ده، بس أنا كمان مكذبتش عليكِ!
أنا فهمتك يا جيهان على موقفي من البداية وأنتِ اللي اخترتي، لو ما كلمتنيش عن أننا نرجع مكنتش هكلمك!
صرّت جيهان على أسنانه بطعنة دفعت بقلبها من حديثه الذي كان هو الحقيقة ولا يلام بقوله، قالت بحرقة: أنت ظلمتني لحظة واحدة لما قولت موافق، بس أنا ظلمت نفسي أكتر بكتير لما عرضت عليك وأنا عارفة أنك مش بتحبني، ولما كملت وأنا شايفة لهفتك عليها كل لحظة، ولما قررت أبعدها وأنا متأكدة أنك هتدور على أي خيط يوصلك بيها وهتلاقيها!
تنفس وجيه قبل أن يخبرها قراره بموقف ليلى: جد ليلى جه بالصدفة، عرفت منه الحقيقة وأنها اتجوزت غصب عنها، ليلى أعرفها من عشر سنين يا جيهان يعني قبل ما أعرفك، وقررت أني اتجوزها، أنا مش هقدر أعيش أكتر من كده من غيرها خصوصا بعد ما رجعتلي، ولو أنتِ قررتي تفضلي على ذمتي اوعدك أحاول أعدل ما بينكم...
كده مش هكون ظلمتك، لأن قرار جوازي من ليلى كان قبل ما أعرفك حتى، لو حد اتظلم فينا احنا التلاته بشكل أكبر يبقى هي بكل اللي عانته في جوازها الأولاني، وعلى فكرة هي رافضة طلبي عشان ما تجرحكيش، بس مش هسيبها غير لما توافق...
كانت تنظر له جيهان في صدمة، جوازة ثانية!
أي كارثة وضعت نفسها بها منذ البداية!
كانت أكبر حمقاء عندما ارتضيت أن تقترن برجل وهي تعلم أن قلبه مع أخرى!..
قرار زواجه لم يكن بالمفاجئة بل كان متوقع، ولكنها صدمت أنه أتى مبكرًا هكذا...
هناك ضجيج كبير بعقلها جعلها تسقط مغشيا عليها...