قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والأربعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والأربعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والأربعون

رمى جاسر أسهم نظراته المبتسمة الساخرة عليها، يقينا كان يسخر ولكنه استخدم تلك اللعبة لأخفاء صدمته وارتباكه من رؤيتها!، وصدمته كانت في دقة عالية بقلبه تعالت بلحن يخبره أن هذه الفتاة تركت شيء بداخله، شيء هو لأول مرة يختبر مذاقه...

ولكن هي لم تدرك تلك المشاعر والخواطر بعمقه، وهي تره الآن متلاعب ومخادع، يسرق الهدوء منها ويضع الترقب بديلًا، قالت بمقت وعصبية سربت بعض قطرات الدموع بعينيها: لا ماتتعبش نفسك، سيبني في حالي ويبقى كده كتر خيرك، وأن كان الجيم ده بتاعك فمعلش مكنتش أعرف...

رحلت الابتسامة من وجه جاسر وبدأ يدقق النظر بدموع عينيها التي تأبى السقوط، وشعر بالسخف من نفسه فقال بلمحة اعتذار بحديثه: اكيد واضح في كلامي أني ما اقصدش أهينك!
تنفستميلة بمرارة وسخرية ثم قالت: الإهانة مش بس كلام، الإهانة أفعال برضو...

توجهت مم باب الشرفة المطل على المسبح حيث أتت، فقال لها قبل أن تبتعد: بتطلعي من هنا ليه؟، ممكن تطلعي من الباب عادي!
استدارت له بنظرة حادة تؤكد حديثها وقالت: لا، ما أحبش أن حد يفتكر أني كنت في مكان أنا وأنت لوحدنا، مش عشان أنت أبن عمي يبقى هسمحلك بأكتر ما بسمح للغريب!، زيك زي أي حد ما أعرفهوش...

ضيق جاسر عينيه عليها وشعر بحديثها بتهديد صريح، اقترب منها بخطوات قليلة حتى وقف أمامها بنظرة متحدية وقال: واضح أنك جاية هنا وناوية على حاجات كتير، يمكن اتصدمت للوهلة الأولى من وجودك هنا، بس كنت متوقع أن ده هيحصل في يوم من الأيام، ومن البداية بقولهالك يا جميلة، لو ناوية تتحديني وشغل البنات ده، فأنتِ أخترتي الشخص الغلط، وأنا مش زيي زي الغريب، ومش هيكون وجود لأي حد غريب هنا!، أظن مفهوم؟

غلى الدم بعروقها من عجرفته وغروره، ابعد ما فعله يجرؤ على التحدث هكذا؟، ردت بغضب: افهم إيه من كلامك ده؟

صمت للحظات وهو يخبرها بصمته وبنظراته الحادة الكثير، حيث أنه ظن أنها ستستخدم ربما أول رجل ستقابله في تحديه والوقوف أمامه، فأجابها بثبات وثقة: افهمي زي ما أنتِ عايزة، وآه نسيت أقولك حاجة، على فكرة أنا مبسوط أنك هنا، ومتسألنيش ليه.

رمته بنظراتها الساخرة فابتسم جاسر بمكر، ابتعدت عنه وتابعت سيرها للخارج والعودة لغرفتها، فقال بنبرة فيها ضحكة خفية: لو محتاجة مساعدة في التمرين قوليلي، أنا ضليع في تقوية عضلات القلب.

أرفق جملته بضحكة فاسرعت جميلة راكضة أكثر لغرفتها، حتى دخلتها واغلقت باب الشرفة وهي تبكِ، كشف ما تخفيه، وكشف تحديها له، أصبحت دون مجهود كالكتاب المفتوح أمامه، لا تنكر أنها تحبه، ولكن لن تغفر له فعلته بتلك البساطة، تنهدت بقوة وبكآبة، حتى أنها ندمت على موافقتها للمجيء لهنا...

في مكتب وجيه...
وقف وجيه بعد حديث طويل مع ابيه وأخبره والده ما حدث بالبلدة الريفية، ثم أخبره وجيه عن ما حدث لليلى بتلك الساعات الماضية، فقال وهو يأخذ مفاتيح سيارته: أنا لازم أروح المستشفى دلوقتي، هرجع الصبح بدري عشان عندي شغل النهاردة كتير في المستشفى...

هز والده رأسه بتفهم ثم سأل: هو جد ليلى فين؟، عايز اتكلم معاه شوية.
أجاب وجيه: راح يستلم جثة صالح عشان الدفن، هيستلمها وهيسافر بلده ويدفنه هناك، بصراحة صعبان عليا الله يكون في عونه، هو متماسك قدامنا عشان ما نستغربش أنه مقهور على موت صالح، مهما كان اللي عمله بس أكيد مش فرحان بموت حفيده!..

قال الجد رشدي ببعض الألم: ومين بيفرح بموت حد من دمه يابني؟، ربنا يقويه، المهم دلوقتي ليلى وبنتها، هي البنت فين صحيح نفسي أشوفها...
ابتسم وجيه لوالده بمحبة وقال: مع الدادة فوق، متأكد أنك هتحبها أوي، مضطر أسيبها هنا على ما ارجع...

خرج وجيه من المكتب وصعد للطابق الثاني، وتزجه لغرفة الصغيرة حتى تلقته بالتفاته مهتمة وهي جالسة على الفراش ومدبرة المنزل تمشط لها شعرها بهدوء، ابتسم وهو يقترب لها ثم وضع يده على وجهها بربته حنونة وقال بهمس: خارج شوية وهجيبلك حاجات حلوة كتير أوي، عايزة حاجة مخصوص اجيبهالك؟

مطت الصغيرة شفتيها وهي تنظر بعبوس للأسفل ويبدو عليها الضيق من قوله، فربت على رأسها برفق وتابع بابتسامة: فين ابتسامة ريمو الجميلة؟

ظلت الصغيرة على حالها لم تبدي أي إجابة، تنهد وجيه ببعض اليأس من حالتها وقال: هتصل بيكِ كل شوية، والدادة جانبك ما تقلقيش.
مرر وجيه يده بمشاكسة على شعرها، ثم خرج من الغرفة فبدأت الصغيرة تبكِ بصمت، كيف تخبر الجميع أنها خائفة؟
مرعوبة من كل شيء؟
الاصوات، والهمسات، حتى الخطوات الغريبة ترجف قلبها؟

لم تجد ملجأ آمن سوى ذراع بطل الحكايات!، التي تراه ببراءتها وخيالها الوليد مثل الوحوش الطيبة، يستطع حمايتها من كل شيء، دون أن يؤذيها.
كيف تفسر وتوضح. ومعجم كلماتها صفحاته بيضاء خالية من التعبير؟
الطفل يتألم ويشعر بالرعب أكثر من الكبار، يصله أصواتهم العادية هتاف، والهتاف صراخ، والنظرة الحادة تهديد يرعبه.

ابتلاع الدموع عند الضعف والكسرة. كأبتلاع الشوك.

شيء أخفته وداد في أساس موافقتها للمجيء لبيت العائلة الكبير، حيث نشأ رجل قلبها الوحيد، حيث أتى وجاء وغادر وعاد ومر من هنا!، الحوائط تبدو شاهد صامت على ذكرياته، كم ودت لو تتحدث وتخبرها قليلًا عنه، عل شوقها إليه يخمد ولو قليلًا...
تذكرت أول مرة شاهدته في بلدتها الريفية، كانت ذاهبة لزيارة صديقةً لها، حيث كان هو ترجل من القطار وينظر يمينا ويسارًا مستوضحا الطريق وهو واقفا بقرب المحطة...

كان بهي الطلة بملامح مُلفته خاطفة للعين، كأنه خرج من أجمل الحكايات العاطفية.
خطف قلبها من أول نظرة وتعجبت من تحديقه بها لفترة تعدت الخمس دقائق...

مرت من طريق المحطة أخيرًا بعد زحام من العائدين سفرا، وابتعدت عنه على استحياء، كان يتبعها بنظراته باهتمام شديد، وكيف دخل بقلبها تلك الموجة العاصفة من المشاعر حتى بدون كلمة واحدة أو موقف طويل يبرر مشاعرها هذه!..

ظلت طوال الطريق عابسة، كأن أحدًا سرق من قلبها بعض النبض والحياة، أو كأنها فارقت حبيب أحبته لسنواتٍ...
ودخلت بيت صديقتها وبدا عليها بعض الحزن، فسألتها صديقتها قائلة وهي جالسة بأحدى الغرف: مالك يابت وشك مقلوب كده ليه؟

ابتلعت وداد ريقها وتظاهرت بضحكة لم تصل لعينيها وقالت: ما لازم ازعل، أنتِ مش قولتي لما تولدي وتجيبي بت هتسميها على اسمي؟، اومال سمتيها بهية ليه؟

ضحكت صديقتها بصوتٍ مرتفع وهي تحمل صغيرتها التي وضعتها منذ أيام وقالت: توفيق ياستي صمم يسميها على اسم حماتي، تتعوض في اللي جاي بقى...

ثم انتبها لصوتِ يصدر من صالة المنزل الصغير، فقالت: توفيق شكله معاه حد، أستني أما أقوم وأشوف مين، سمي بقا وخلي بهية معاكِ على ما أرجع.

حملت وداد الصغيرة على ذراعيها وتبسمت بوجهها في حنان، بينما صديقتها كانت تبحث عن رداء محتشم فضفاض بالخزانة ترقبا لوجود أي غريب، هتف توفيق من الخارج وهو يطلب من نساء المنزل بإحضار طعام الغداء، فقالت صديقة وداد بغيظ: معلش يا وداد اديله البت وقوليله هنحضر الغدا، هتعبك معايا معلش...

خرجت وداد من الغرفة ووقفت عند مدخل الصالة حتى تسمرت مكانها وهي ترى ذاك الغريب يحدق فيها بذهول، دق قلبها بعنف وتلعثمت وهي تقول لزوج صديقتها: هنحضر الغدا، خد بهية عشان ما تفضلش لوحدها.

أتى توفيق إليها مبتسما وحمل طفلته وهو يضحك، بينما صديقه مصطفى قد شحب وجه من الصدمة، تلك الفتاة الريفية التي خطفت قلبه منذ أول نظرة كانت زوجة صديقه!، لم يرها جيدًا أثناء الزفاف!
حمد لله أنه لم يتسرع ويسأله عنها حتى يجدها...

أسرعت وداد للداخل وهي تبتسم بسعادة، فلاحظت صديقتها ذلك وتعجبت، ثم قالت: في إيه؟

لم تخفي وداد عن صديقتها شيء، ريثما أن من الممكن فهم ابتسامتها خطأ وتؤول ذلك إلى توفيق، فابتسمت صديقتها بمكر وقالت: استني هطلع اسلم عليهم كده وأشوف اللي وقعك كده!

عارضتها وداد ولكن الأخرى صممت، وتقدمت بإلقاء السلام وقالت لزوجها مبررة: خلي البت معاك لحد ما اخلص ولو عيطت قولي...

تعجب مصطفى من الأمر، حتى أنقذه توفيق وقال بضحكة: يا أخي الواحد كان مرتاح وباله رايق، ادي الجواز اللي كنت هموت عليه!..

رمى مصطفى مزحة ولكنه قصدها: أنت اتجوزت اتنين من ورايا ولا إيه؟، اومال عزمتني في فرح واحد ليه؟

تفاجأ توفيق من قوله وقال: أتنين إيه يا جدع هو أنا قادر على واحدة؟..

وتابع بضحكة عندما تذكر صديقة زوجته: تقصد اللي طلعت الأول؟، دي صاحبة مراتي، أنما اللي بتشخط التانية دي تبقى مراتي، واضحة يعني...

وارفق قوله الاخير بضحكة وشاركه فيها مصطفى بسعادة حقيقية، وقال فجأة: هي مخطوبة؟

رمقه توفيق بمكر وأجاب: لأ، وبنت أصول ومحترمة، ولو نويت هروح اخطبهالك بنفسي.

ابتسم مصطفى بفرحة وقال: يبقى حضر نفسك.

دهش توفيق من استعجاله بالأمر وقال: القرار في ثانية كده اتاخد؟، ده انا كنت بتحايل عليك عشان تكمل نص دينك ونفرح فيك وكنت رافض!..

قال مصطفى بابتسامة دافئة: شوفتها أول لما نزلت من المحطة، معرفتش أنزل عيني من عليها، ولما بعدت عن عيني ومشيت حسيت أني كنت أعرفها من سنين ووحشاني، ما هو في احساس كده مش بتقابله مرتين!

اتسعت عين زوجة توفيق وهي تسمع حديثهم من الداخل، وركضت لصديقتها وداد التي بدأت في إعداد الطعام بالمطبخ، وقالت وهي تغمز لها بمكر: ده طلب إيدك؟..
حملقت وداد فيها بصدمة...

وعادت وداد بذكرياتها وهي بغرفة مصطفى زوجها الراحل، عادت من تلك الأيام الأجمل بعمرها باكية بلوعة وقهر على فراقه، تعثر زواجهما ببادئ الأمر بسبب رفض والد زوجها، ولكن بالنهاية تزوجته وقضت معه أجمل سنوات عمرها...

كان عطوفا متفهما محبًا لها لأقصى حد، لم تتذكر له أنه ابكاها يوما ظلما أو قسوة، رغم أن حكم على زواجهما بالفشل بسبب فارق الطبقات والفوارق الاجتماعية، ولكن على عكس جميع التوقعات كان نموذج ناجح اجتمعا على الألفة والمحبة والرحمة.
ضمت وداد صورته لقلبها وظلت تبك بحسرة وافتقاد ووحشة من رحيله...
ومنذ ذلك اليوم وهي فقدت النهوض على قدميها، ورددت اسمه بإشتياق، ولكنه لم يطرق صوته إلا بقلبها، فهو حي هناك فقط.

ارجوحة بالحديقة، تهتز بين الأشجار، وضوء النهار قرر المغادرة ببطء.

جلست عليها سما وشاركتها رضوى في صمتٍ مطبق بينهما، حتى قالت سما بألم واضح بنبرتها: خايفة يفتكروا أننا جينا عشانهم!

ابتسمت رضوى بمرارة وعذاب يلتمع بعينيها: طب ما هي دي الحقيقة!

التفتت لها سما بدهشة، ثم اعترضت: يمكن جزء منها، بس مش كلها، أنا مجيتش هنا عشان حد، أنا جيت عشان حاجة أهم منه ومن أي حد، جيت اكمل تعليمي، هدخل جامعة مفتوحة وأذاكر وانجح، هخليه يعرف أني مش غبية ولا جاهلة، واستاهل الأحسن منه كمان.

نظرت لها رضوى ببعض السخرية وبداخلها ألم، وقالت: برضو النتيجة بتروحله، اثبات أو تحدي مش فارقة، أحنا حبيناهم يا سما، وهي دي الكارثة.

وقفت سما بعصبية وهتفت بها: لا مش كارثة، مش نهاية العالم لما حكاية تفشل، بس هتكون نهايتك لما توقفي عندها وماتتحركيش، حتى لو جيت هنا عشانه. فجيت أقفل صفحته وأنا قوية، عشان لما اقفلها ما افتحهاش تاني...

قالت رضوى بتفس صيغة اليأس بصوتها: اللي يشوفنا يقول أنهم عشمونا ووعدونا!، أحنا اللي وهمنا نفسنا، وبنكمل الوهم للأسف بمجيتنا هنا...

قالت سما بحدة: اللي أعرفه أنهم مشيوا عشان محدش فيهم موافق يتجوز واحد فينا، شايفنا أقل منهم ودي حاجة كفاية تخليني أثبت العكس، مش ليه. لنفسي، لو فضلتي بالحالة اللي أنتي فيها دي يبقى مجيتك هنا خسارة كبيرة ليكِ، أنا عن نفسي جاية وناوية أبقى واحدة تانية، أقوى وانجح.

صمتت رضوى بحزن يفيض بعينيها حتى يأست منها سما وابتعدت لتدخل المنزل، حتى وجدت آسر يقف بسيارته قبالتها من مدخل البواية بجانب الحديقة، تجمدت للحظات وكأنها غفلت عن ما قالته منذ قليل، ونظرت له بنظرات عاتبة، حتى ترجل آسر من السيارة وأغلق باب سيارته، وكاد أن بتقدم خطوة حتى توقف مدهوشا، خلع نظارته الشمسية السوداء وحدق فيها بذهول وهو يتفوه باسمها...

ابتلعت سما ريقها بنظرة عميقة له، ودخلت المنزل في خطوات سريعة أشبه بالركض...

ولكنه ركض خلفها كي يصدق أنها هنا بالفعل، صعدت سما أول الخطوات للطابق الثاني وقد نست تمامًا أين توجد غرفتها، فهتف آسر بقوة وهو يسرع خلفها: سما،؟

توقفت وقلبها يدق بقوة، ولكنها تذكرت تصميمها وتوعدها لنفسها، فاستدارت بملامح جامدة كأنها أصبحت تمثال لا روح فيه، اقترب منها آسر برفة ابتسامة تطوف على ملامحه: أنتِ هنا بجد؟، أزاي؟

تنهدت بقوة قبل أن تجيبه ثم قالت بجفاء: اللي حصل!، في اعتراض؟

لاحظ جفاء إجابتها فقال مجيبًا بابتسامة: لا مافيش اعتراض...

ابتسامته حيرتها، كيف يكون الشيء ونقيضه هكذا!، أم أنه يتلاعب؟، فتابع بتلك الابتسامة: أظن مالهاش لزوم التكشيرة دي، أحنا دلوقتي في بيت واحد.

ضيقت عينيها عليه وكانت جملتها نابعة من مكر نظراته وابتسامته الخبيثة، فقال مصححا بضحكة: اقصد يعني أحنا عيلة واحدة، مش معقول هنتكلم كده وكل يوم هشوفك تقريبًا، مش إقامة برضو؟

استفزها استسهال ما فعله بطريقة حديثه، فأجابت بعصبية: جدي اللي صمم يجبنا أحنا مكناش عايزين نيجي، ولو كنت هقعد هنا فده مش معناه أننا هنتكلم عادي كده، كل واحد يلزم حدوده، أنت غريب وهتفضل غريب.

ضيق عينيه عليها بغيظ وقال بحدة: اوك، كده احسن...

رمته بنظرة نارية من الانفعال واستدارت لتصعد، فسألها بتعجب: هو جدي خلى أوضتك فوق؟..

تذكرت سما الأمر وصرّت على أسنانها بعصبية من نفسها، فهبطت مرة أخرى واسرعت لغرفتها بالطابق الأرضي، راقبها آسر بابتسامة تتسع، وصعد الخطوات إلى غرفته والابتسامة تشرق على ثغره أكثر، وقد تبدل حاله بين لحظة برؤيتها هنا،!

بينما التزمت سما بغرفتها بدموع من خفق قلبها له بعدما فعل...

كانت حميدة تعد حلوى قليلة السكر للجد، مثلما وعدته منذ قليل وانتظرها منها، قالت حميدة لأحدى الخادمات بالمطبخ: قربت اخلص الحمد لله...

قالت الخادمة وهي تنظر للفرن الكهربائي التي وضعت به حميدة الحلوى منذ وقت: ريحة الكيكة مالية المطبخ، تسلم ايدك.

ابتسمت حميدة لها ابتسامة خفيفة، حتى قالت الخادمة: طب هروح أنا بقى اخلص شغلي. محتاجة حاجة مني؟

قالت حميدة: لأ، روحي.

غادرت الخادمة المطبخ، ثم نظرت حميدة للفرن بشرود وتذكرت يوسف التي لم تره حتى الآن، فكيف ستكون أمامه من ثبات وهي بتلك اللهفة؟

دخل يوسف من باب المنزل وكاد أن يصعد لغرفته وقد أشتد على وجهه العبوس والضيق، ولم ينتبه لرضوى وهو يدخل ؤيثما أن رضوى تختبأ بداخل الحديقة...

اشتم رائحة حلوى شهية جدًا فابتلع ريقه بلهفة تذوقها، وقال لنفسه بسخط: زعلان بتاكل فرحان بتاكل؟، أنا زهقت مني!

ورغمًا عنه توجه اتجاه المطبخ وهو يشتم مصدر الرائحة الشهية بأنفاس مسموعة، حتى دخل المطبخ ووجد فتاة تواليه ظهرها وتخرج شيء من الفرن الكهربائي...

فتساءل بعفوية: بتعملوا كيكة؟، عايز حته.

اتسعت عين حميدة على أخرهما ووقعت صينية الحلوى من يدها على الأرض من رعشة يدها، تقدم لها باعتذار وقال: أس...
لم يكد يكمل كلمته حتى استدارت حميدة بوجه شاحب من الارتباك وللتوتر، فحملق يوسف فاغرا فاه وهو ينظر لها بصدمة، ثم قال بذهول: حميدة!

نظرت له بدموع كتمتها بالكاد وهتفت: آه هي...

نظر لها لثوان ثم ابتسم، واتسعت ابتسامته ببلاهة، ثم عبس وقال بدهشة: أنا مش بتخيل وأنتِ بحق وحقيق صح؟..

مظهره مضحك لدرجة جعلتها تخفي ابتسامة، وقالت بحدة: إيه صعب أوي أنك تصدق؟، جدي جابنا هنا أنا وأخواتي، وهنقعد هنا...

اتسعت عين يوسف بسعادة كأنه وجد كنز نادر حتى هتف: احلفي.؟ لحظة كده، جدى...

وركض من المطبخ وهو يصيح ويصعد الدرج في جنون اتجاه غرفة جده، كتمت حميدة ابتسامة أخرى وقالت: اتجنن من الصدمة!

هجم يوسف على غرفة جده الذي يرتشف مشروبه على الفراش، فتفاجأ الجد بريبة منه وقلل: خضتني ياأبن الهبلة!، جالك صرع ولا إيه؟ سلامتك يا كتكوت.

ابتسم يوسف بمكر وهو يتوجه له ببطء وقال: أنت هتخلي بنات عمي هنا على طول صح؟، اقسم بالله لجوزك، حبيبي يا ابو الرشد يا لئيم.

الفصل التالي
بعد 07 ساعات و 51 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة