قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والثمانون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والثمانون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والثمانون

مرر جاسر يده على شعره واستطاع بمجهود يُحسد عليه أن يمنع نفسه من الضحك مجددًا، ولكنها شعرت بالسخرية في عينيه فقالت بغيظ:
مش رايحة الشغل النهاردة، ريح نفسك بقا واتكل على الله.
ابتسم مانعا نوبة ضحك جديدة وقال بنظرة خبيثة:
ومين اللي هتتسندي عليه لحد ما تخفي من الشدة اللي انتي فيها دي؟، مش المفروض أنا سندك وقرة عينك؟
لوت شفتيها بسخرية وقالت:.

قرة عيني قال!، وبعدين أنا لسه ما اتشلتش!، النهاردة بس وبكرة بأذن الله هبقى حلوة.
اقترب لها بنظرة وابتسامة الماكرة تلك، ثم مرر أصابعه برقة على وجهها وهمس:
لأ أنتي بالفعل حلوة، حلوة حلاوة بلدي من اللي تدوخ دي...
ابتسمت لنفسها سرا بزهو ولكن تحكمت بنفسها تحت نظراته القريبة، وعندما اقترب بشكل خطر عضت أصبعه فتأوه وأبتعد بنظرات غيظ منها، فقهقهت جميلة بالضحك وتحدث هو من بين أسنانه بعصبية:.

سنان دي ولا منشار؟، كل قوتك في لسانك وسنانك!
قالت بثقة:
ما أنا حذرتك!، عمومًا، أنا عايزة أفطر. ومش هعرف أنزل كده.
وضع يده بجيوب بنطاله وقال:
هبعتلك حميدة بالفطار. تمام كده؟
اومأت جميلة بالرفض ويبدو أن هذا ليس صوب هدفها، فأوضحت:
جيبلي أنت الفطار، هو أنا مش مراتك؟
رفع جاسر حاجبيه ونظر لها بعمق وادرك أنها تخطط للسيطرة عليه، فقال بمكر:
هو أنتي مش بتفتكري أنك مراتي غير لما تعوزي حاجة!

مطت جميلة شفتيها بعبوس وقالت بعتاب برزته بصوتٍ ناعم مدلل ومقصود:
خلاص يا جاسر مش عايزة أفطر، أنا يعني كنت عايزة أفطر معاك واستغل الفرصة نقعد لوحدنا ونتكلم شوية قبل ما تروح الشغل، بس طالما...
قاطعها بنظرة ماكرة وهو يقترب:
بس إيه يا شيخة!، مابسش خالص، عشر دقايق واجيبلك الفطار ونفطر مع بعض يا بيوتيفولي...
اسبلت عينيها وقالت بنعومة وبداخلها موجات ضحك عاصفة قد حجبتها عن ناظريه:
كتر بقا من المخلل.

كشر جاسر وقال باستفهام:
إيه،؟
صححت جميلة سريعا وقالت بنعومة مرةً أخرى:
ما تتأخرش بقا، ماشي؟
غمز لها بابتسامة خبيثة وقال:
أنا حاسس أن بينضحك عليا، بس أنا مبسوط جدًا.
غادر الغرفة بخطوات بطيئة وظل ينظر لها بنظراته الخبيثة حتى خرج، فكتمت جميلة عاصفة من الضحك. وخرجت أمها وكانت تبتسم بمرح، وقالت لها بنظرة ماكرة:
مين اللي علمك الخبث ده كله يابت؟، بس ما تزوديهاش هو مجنون لوحده!
أجابت جميلة بعدما تحكمت بضحكاتها:.

كلها كام يوم وهبدأ حياتي معاه، وبصراحة يمه أنا حباه أوي، وبما أن كتبنا الكتاب فقولت الين شوية في الكلام.
جلست الام بجانبها على الفراش وقالت بتحذير:
بس ما توزديش عن الكلام يا حبيبة أمك، أنا هنزل تحت اقعد مع جدك شوية وهسيبك، بس هسيبك وأنا حاطة في بطني بطيخة صيفي، ولا ايه؟
قالت جميلة بثقة:
عيب يمه تقوليلي كده، أنا عارفة حدودي، بس هو يعني انتي مكنتيش بتتكلمي مع أبويا بعد كتب كتابكم كلام حلو؟

ابتسامة وداد ابتسامة ملؤها الحنين وقالت:
هو في زي مصطفى الله يرحمه، كان أخلاق ورجولة وشهامة، وكل ده كان معاه حنية الدنيا كلها. تعرفي يا جميلة أنا اتكتب كتابي قبل الفرح بيومين، قعد معايا مرتين في اليومين دول، مقربش مني صحيح، بس كلامه لسه بيرن في وداني لحد دلوقتي، يابنتي القرب مش بس باللمسة، دي ممكن كلمة واحدة تتقال تحضن قلبك العمر كله.!
ابتسمت جميلة بمحبة وقالت:.

هو مين من الشباب اللي طالع لأبويا يمّه؟، أنتي نظرتك اصدق مني.
أجابت وداد بصدق:
ولا واحد فيهم، يمكن في الشكل كل واحد واخد من عمه شوية، أنما في الطبع محدش منهم واخد من ابوكي حاجة، يمكن عمك وجيه فيه كتير منه.
تقبلت جميلة القول وسألت مجددا:
اللي بعمله مع جاسر غلط ولا صح من رأيك؟، أو يعني اللي بدأت اعمله.
أجابت الأم قائلة:.

لو هتكتفي بالكلام الحلو فأنتي صح، لو هتزودي يبقى هتغلطي في حق نفسك، الفاكهة اللي بتتقطف قبل آوانها محدش بيحس بطعمها وهي قطمة وبتترمي.
وبعدها غادرت وداد الغرفة بخطواتها البطيئة، ورفضت أن تمد ابنتها لها يد المساعدة، ريثما وهي بهذه الحالة البائسة إثر تمارين الأمس.!

وعاد جاسر بعد دقائق بعدما تلقى من السخرية ما جعله يكظم غيظه والا يدفع حذائه بوجه يوسف الذي غرق سخرية عليه وضحكات عالية، وضع الطعام أمام جميلة وجلس، ثم بدأ يطعمها بحذر وكأنه يجري عملية جراحية!
فكتمت جميلة ضحكتها وقالت:
لساني مافيهوش شد عضل متخافش!..
قال ساخرا:
متأكد من الموضوع ده، ما هو لولا لسانك ده كان زمان معانا منه وحسام!، عيالي وحشوني من قبل ما أشوفهم!

قالت جميلة بسخرية ثم ضحكت رغما عنها:
يا مسكين!

وتشاركا المزاح والمرح بعد ذلك، ورأى جاسر أنهما بدأ يسيران في الاتجاه الصحيح، ولأول مرة يشعر برضا تام بوجوده مع أنثى. مكتفيًا بها عن الكثيرات من بنات جنسها.

كأنها تتململ على صفحة المياه وأصوات الموج المتلاطم، أشرقت عينيها على هالة بيضاء عالية، وكان هذا سقف الغرفة المطلة على النيل!

حركت ليلى رأسها بكسل واطرفت عينيها عدة مرات لتستجمع ذاكرتها، حتى رأت وجيه ممدد بجانبها وناظرًا لها بابتسامة صباحية مشرقة، اعتدلت وابتسمت وهي تنظر له. فقال بهمس مرح:
أنتي نسيتي أننا حجزنا جناح هنا امبارح لليلة واحدة؟..

وضعت ليلى يدها على رأسها واتسعت ابتسامتها وقالت:
لأ افتكرت، امبارح كنت حاسة أنه حلم، أحلى أحلامي معاك مكنتش بالجمال ده!

رفع أصابعها لفمه وقبلها ثم قال بلمعة دافئة بعينيه:
هنفطر في نفس المكان بتاع امبارح، أحلى حاجة في المكان ده أنه مش بس مطعم، فندق صغير كمان.

ابتسمت ليلى بمحبة حتى وقعت عينيها على ساعة الحائط فوجدتها الثامنة صباحا!، اعتدلت بسرعة وقالت:
الساعة 8، كده هتتأخر على الشغل!

نهض وجيه من الفراش ولم يبدو عليه أدنى اكتراث للتأخير وقال بابتسامة هادئة:
مضبط مواعيدي، نجهز نفسنا بقا عشان هنفطر ونمشي على طول.

وقبل أن يتوجه لحمام الغرفة أوقفته بلهفة طلت من عينيها:
هنيجي هنا تاني مش كده؟

استدار لها بابتسامة وقال:
عجبك المكان؟

نظرت ليلى للغرفة باعجاب شديد رغم بساطتها وقالت بتأكيد:
فوق ما تتخيل، كان نفسي أكون معاك في مكان زي ده من زمان، بس مكنتش فاكرة أنه موجود بجد!

عقد ذراعيه أمامه وأردف:
كل اسبوعين نقضي يوم كامل هنا، إيه رأيك؟

نظرت له بمحبة شديدة وقالت:
رأيي أني أخيرًا رجعلي الأمان، أنا هخف يا وجيه وهرجع ليلى بتاعت زمان، أنا متأكدة.

اقترب وجيه من الفراش وجذبها من يدها لتنهض وترتمي بين ذراعيه في ضمة يملؤها العاطفة، وهمس بحنان وهو يربت على رأسها:
وأنا كمان متأكد، بس متأكد أنك بس هتخفي، أنما أنتي ليلى بتاعت زمان ما اتغيرتيش يا ليلى، غير بس احلويتي زيادة!

شاكسها بكلماته فابتسمت وهي تضمه بكل قوتها، كأنها تضم السعادة بعد فراق طويل!

وعلى قدر بساطة الكلمات. ولكنها تفعل بقلب الأنثى المعجزات!

وبالمشفى...

جلست الطبيبة مروة بكامل هدوئها لهذا اليوم، بعدما قررت قرار نهائي أن تبتعد عن قريبها أحمد وتنساه، ولا يبقى من قرابتهما سوى الصلة فقط...

وما أن جلست بدقائق وبدأت ترتشف فنجان قهوتها الصباحية بمكتبها الخاص، حتى اقتحم المكتب شخص، وكان هذا الشخص من قررت الانفصال عنه...

دلف الضابط أحمد بوجه متجهم غاضب لأقصى حد، واغلق الباب خلفه حتى لا يتسنى لأحد التطفل، وقال بغضب:
بتصل بيكي ما بترديش وعملالي بلوك رسايل ومكالمات، وقافلة فيس وواتساب عشان ما تشوفيش رسايلي!، فهميني عايزة توصليني لحد فين يا مروة؟

تنفست مروة بعمق قبل أن تجيبه، ثم رفعت نظرتها له وقالت بثبات:
لو سمحت يا أحمد، سبق وقولتلك كل شيء بينا أنتهى، وأنت...

قاطعها بنظرات شرسة:
أنا لسه بحبك وهفضل أحبك!، غلطة واحدة غلطتها واعتذرت مليون مرة اعمل إيه تاني؟

زفرت مروة بقوة ثم قالت:
غلطة واحدة كسرت ثقتي فيك للأبد، قراري ده لمصلحتنا صدقني، أنا مش هقدر أنسى أنك خنتني ومع اعز صحابي وروحت خطبتها كمان، كسرتني وأنت عارف وقاصد أنك تكسرني، مش هعرف أنسى مهما اعتذرت...

اطرق أحمد على مكتبها بكل قوته وصاح بوجهها:
مش هسيبك تنفذي اللي في دماغك يا مروة!

قالت مروة بثقة عالية:
محدش هيقدر يمنعني، لا أحنا كنا مخطوبين قبل كده، ولا اللي أنت عملته يخلي حد يشفعلك عندي!، مشاعري من ناحيتك أنا بتخلص منها، لأني لو كملت معاك يبقى بحكم على نفسي وعليك بتجربة فاشلة!

إلا الخيانة، الخيانة بتحط مشاعر أي واحدة في تلاجة، والمشاعر لما بتتجمد بتموت، سيبني لأنسان يحفظ كرامتي وابدأ معاه من غير ذكريات توجعني وتنغص عليا حياتي، أنا مابعرفش أنسى حاجة وجعتني للدرجة دي وسهرتني كتير ودموعي على خدي، كل شيء قسمة ونصيب وأنت مش قسمتي ولا نصيبي.

هز أحمد رأسه بصدمة، لأول مرة يراها اكيدة لهذه الدرجة وبهذا القرار المصيري، فقال بذهول لم يستطع تجاوزه:
أنا مش مصدق ومش متخيل أنك في يوم تكوني لراجل تاني غيري!، يعني ممكن في يوم الاقي نفسي بحضر فرحك زيي زي الغريب!، اسلمك بإيدي لواحد تاني عادي كده؟، أنا من مجرد التخيل حسيت أني انتهيت!..

تنفست مروة بغصة مريرة عالقة بحلقها وقالت:
انساني لأني بنساك، وده قراري النهائي بعد تفكير كتير وحيرة، ما تفتكرش أني خرجت قلبي برا حساباتي بالعكس، قلبي هو اللي اتوجع، وقلبي هو اللي قرر البعد...

بدأ احمد غير واعيًا لما يفعله من درجة الغضب الذي دفعه بها حديثها وبات يرمي كل شيء على الأرض بمكتبها، فصاحت به ليهدأ وهتفت برجاء:
ارجوك اهدى...

أصبح المكتب في فوضى عارمة حتى التقط هاتفها ووضعه أمام عينيها وهتف عاليًا، وما المها وازعجها أن دموعه بدأت تتساقط من عينيه والذي لأول مرة تراها:
شوفي رسايلي ليكي، شوفي اتحايلت عليكي اد ايه عشان تفتحي واطمن عليكي ولو بكلمة تردي بيها!، شوفي كلامي كلمة كلمة وفكري كويس، حد ممكن يحبك للدرجة دي غيري ولا لأ!، ما تحولنيش لمجنون ومجرم يا مروة!

أنا لو اتجننت هدمر أي بني آدم ممكن يقربلك!، مش بس يفكر يرتبط بيكي، أنتي كبرتي قدامي يوم بعد يوم، أنتي كبرتي جوايا أنا. أنتي حبيبتي أنا ولا يمكن تكوني لحد تاني، لا مش هسمحلك معلش، وطالما المحايلة مش نافعة معاكي يبقى نجرب طريقة تانية...

ضيقت مروة عينيها بدهشة ثم هتفت غير مصدقة ما يقوله:
تقصد ايه؟، هتتجوزني بالعافية يعني؟ أنت فعلا اتجننت وماتنساش أن وظيفتك حساسة وأي مشكلة هتضرك.

انتفخت عروق عنقه وهو يُجيب بقوة:
أنتي عمرك ما هتضريني أنا متأكد، بس مش هسيب غلطة غبية عملتها في ساعة غضب تفرقنا، اسيبك تفكري وتتقلي عليا ماشي، أنما تبعدي وتبقي لحد تاني فأنا أسف، مش هسمحلك لو على جثتي.

هتفت مروة بعنف:
دي حياتي وأنا حرة فيها، كل واحد يتحكم في حياته براحته!

امتلأت عينيها الدامعة بالعاطفة الجياشة وقال:
أنا بتحكم في حياتك، لأن أنتي وحياتك هما كل حياتي، أنا هكلم خالتي ونحدد ميعاد الخطوبة...

شهقت مروة بذهول ثم قالت بعصبية شديدة:
ماتوصلنيش أني اكرهك!، أنت اتخطيت حدودك!

نظر لها بعمق للحظات، ثم قال بنظرات اضعفت مقاومتها:
يا مروة أنا حياتي ممكن تنتهي في أي مهمة من اللي بستلمها، ممكن اروح شغلي في مرة ما ارجعش!، احساسك هيكون ايه وانتي بتودعيني غصب عنك وقتها؟ خليني أفرح مرة واحدة قبل العمر ما ينتهي وكفاية بقا أنا محتاجلك جانبي أكتر من أي وقت عدى!

زمت شفتيها بمرارة وامتلأت عينيها بالدموع وهي تنظر له بحدة وغضب شديد، وقد انشق قلبها لهذا الاحتمال بعدما كانت بالفعل قررت نسيانه دون أمل في الرجوع.!

ابتسم وقال لها بحنان:
جوازنا هيكون في أقرب وقت، وعمرك ما هتندمي أنك سامحتيني أبدًا، أوعدك.

وغادر المكتب وكأنه تمسّك بصمتها قبل أن تقابله بالرفض مجددا، ولكنها لم تكن فاعلة، رغم قوة قرارها بالنسيان، ولكن خوفها من الفراق الابدي ارعبها أكثر!، والحقيقة أنها لن تستطيع تحب رجلا آخر سواه!

وعادت لمكتبها في صمتٍ مهيب وبدأت ترتب الأوراق مجددا، وتذكرت قوله بأمر الرسائل فقررت أن تفتح بيانات الهاتف لشبكة الانترنت، وبدأ الهاتف يستقبل الكثير من الرسائل المحفوظة بسرعة عالية، وفتحت تطبيق (الواتساب)، وبغمر فكرها به لاحظت رسالة مرسلة من رقم ليلى!

ولكن ما استوقفها تاريخ الرسالة!

فهذا تقريبًا كان اليوم الذي مرضت فيه ليلى قبل مجيئها للمشفى!، أخذها الفضول لتفتح الرسالة فدهشت أكثر عندما وجدتها رسالة صوتية!

فتحتها، ومع أول كلمات بصوت ليلى المنتحب اتسعت عين مروة بذهول وانتفضت واقفة بصدمة وهي تستمع، وبدت عينيها تتحركان يمنة ويسرة وهي تستقبل الصدمة بما تقوله ليلى، واتممت حديثها بصمت وأنين، وادركت مروة أن النوبة الصرعية المت بها وقتذاك!..

وهذه المرة كانت الطرقة الغاضبة على المكتب بيد مروة الذي أطاح بها الغضب وهتفت:
جيهان الحقيرة!، هي حصلت تهددها؟..

وذرعت مروة المكتب جيئة وذهابا والغضب يتملّكها، حتى قررت البحث عن رقم هاتف جيهان، وليس من الصعوبة أن تصل اليه، لابد أن تواجهها أولًا، ريثما أن الدليل معها...

وخرجت مروة من مكتبها وعادت بعد دقائق ورقم هاتف جيهان كان مدون على هاتفها، فقد استطاعت أخذه من أحدى الاطباء، ثم أجرت اتصال على هاتفها، وأجابت جيهان دون أن تعرف من المتصل:
الو، مين معايا؟

هتفت مروة وقالت بعصبية:
مدام جيهان معايا؟

ارتابت جيهان من عصبية المتصلة وردت:
ايوة أنا، مين بيكلمني؟

عرّفت مروة عن نفسها:
أنا الدكتورة مروة، المشرفة على حالة ليلى، عايزة أقابلك لو سمحتي؟

جف ريق جيهان تقريبًا وشحب وجهها من القلق، ثم قالت وهي تنعطف بسيارتها متوجهة الى المشفى:
طب أنا جاية على المستشفى، أنا في الطريق، نص ساعة واكون عندك.

قالت مروة وهي تتحكم بأعصابها:
هستناكي.

وأنتهى الاتصال. ووضعت مروة الهاتف وهي تفكر بشكل أكثر هدوء وتريث، وقالت لنفسها:
أنا اتسرعت ولا ايه؟، لأول مرة مابقاش عارفة أفكر!، بس برضو قبل ما أقول لدكتور وجيه كل حاجة لازم أعرف منها هي الاول، لو قولتله الأول ممكن توصل أنه يطلقها وأبقى أنا السبب!، لأ. بما أن معايا دليل قاطع لازم اتكلم معاها هي الاول وأعرف منها كل حاجة.

دخلت فرحة مكتب السكرتارية المؤدي لمكتب زايد، وتعجبت لعدم مجيء ديمة والساعة قد تخطت الثامنة صباحا!

أتى عامل البوفية وسألها لو كانت تريد أي مشروب!، فطلبت فنجان قهوة. ونظرت لمكتب زايد بارتباك، فهي لم تعرف أن كان أتى أم لم يأتي بعد، وشعرت بالحرج أن تسأل العامل ومن المفترض هو من يستفسر منها!

فغادر الرجل ملبيًا طلبها، ثم نهضت فرحة وتوجهت للمكتبة تسلي وقتها حتى تأتي ديمة...

وأخذت الكتاب التي كانت تقرأ فيه بالأمس حتى أتت اليها قهوتها وبدأت ترتشفها بهدوء، صدح صوت هاتف المكتب واحتارت أن تجيب عليه أم تتجاهله؟

ودق عدة مرات حتى قررت أن تجيب أخيرًا نظرا لتأخر ديمة لهذا الوقت، وصاح صوت زايد من مكتبه يقول:
بقالي نص ساعة مستني حضرتك تجبيلي مواعيد النهاردة والشغل!

المتها معدتها من العصبية التي كتمتها بالقوة، وقالت بصوتٍ يشوبه الرجفة:
ديمة اتأخرت بس هدور على دفتر المواعيد، أنا أسفة.

ولم تُعطِ له المساحة لأن يصحح لها سوء الفهم، فقد كان يظنها ديمة!، ابتلعت فرحة ريقها وبدا أن قرارها بالعمل هنا أكبر خطأ ارتكبته بعمرها، ها هو يبدأ العصبية والله وحده يعلم ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك!

بحثت عن دفتر المواعيد الذي كانت تفره ديمة بالأمس مرارا وتكرارا، ولكنها لم تجده!، تنهدت بضيق شديد وخنقتها دمعة وقفت بعينيها من فرط الضيق التي تشعر به، حتى فُتح باب مكتب زايد، وطلّ منه بطلة أبهى من الأمس!

حيث كان يرتدي حلّة مكونة من قميص أزرق وسترة كحلية أنيقة جدًا، وتهربت من نظرته حتى وقفت وهتفت بصوت مرتجف:
مش لاقية الدفتر ومعرفش لسه الشغل عشان اضبطه واجيبهولك، أنا همشي.

وفرت دموع عينيها وهي تأخذ حقيبتها وتستدير متوجهة للخروج، حتى وجدته يقف جهتها مقاطعا الطريق!

ينظر لها بهدوء ونظرة لو صح ظنها فهي نظرة أسف واعتذار!، وقال:
رايحة فين،؟

نظرت فرحة للأسفل وهي تبتلع ريقها بصعوبة ودموعها وكأنها وجدت سبيل الحرية لتهرب من عينيها، وأجابت بصوت ينبأ بالبكاء:
همشي، أنا قولتلك مش هنفع!، مش مضطر تستحملني لحد ما اتعلم!

وعلى رغم جميع توقعاتها وجدته يبتسم!

نظرت له بدهشة أولا، ثم بغيظ وقالت:
بتضحك عليا!

بدت عينيه ملتمعة بقوة وهو يجيبها، وقال بنفس الابتسامة التي اعترفت لنفسها بحياء أنها ابتسامة سرقت تركيزها كليًا:
مش بضحك عليكي، بس حسيت أن اللي واقف قدامي مش آنسة عدت العشرين!، حسيتك طفلة مش عارفة تخلص واجبها فقامت مقطعة الكشاكيل!..

وانفرجت شفتيه بابتسامة مرحة لأول مرة ترها هكذا!، وظهرت أسنانه اللامعة البيضاء بغمازتي خديه!..

وانتزعت عينيها لجهة بعيدة عنه كي لا يساوره شك أنها تأثرت به، فعاد قائلا بأعتذار واضح وأن لم يكن مباشر:
أنا كنت فاكر أن ديمة اللي بتكلمني مش أنتي خالص!، اكيد مش هزعقلك على شغل أنتي لسه بتتعلميه!، ارجعي مكانك يا آنسة فرحة. صدقيني مكنتش قاصدك أنتي.

شعرت بصدقه، وظهرت الحيرة بعينيها ثم قالت:
ديمة ممكن تتأخر عن كده، واحتمال ماتجيش النهاردة كمان، وللأسف مش معايا رقم تليفونها اسألها، هقعد اعمل إيه؟

قال بجدية:
تعالي ورايا المكتب.

دخل مكتبه وبدت قدميه أخف حركة من ذي قبل، ثم تبعته وتركت الباب مفتوح، ولم يغفل عنه تلك الاشارة ولكنه ترك الحرية لها في كل شيء، ثم جلس على مقعده مجددا وبدا مهيمنا بشكل كامل على الموقف، وأجرى اتصال على رقم ديمة وهو يشير لفرحة للجلوس، وبعدما انهى الاتصال بصوتٍ بدا حادًا مع ديمة، وضع الهاتف وقال بلطف وقد تحولت لهجته من جديد:.

ديمة حصلها ظروف ومعرفتش تحضر، هتبعتلي المواعيد على الميل، بالنسبة للشغل الباقي أنا هقولك تعملي ايه، وكده كده أنا قررت أأجل نص المواعيد دي لبكرة...

تعجبت فرحة وسألته:
هتأجل؟

رجع بظهره للمقعد في استرخاء وقال بثبات ونظرة واثقة:
إيه المشكلة!، هاخد بس المواعيد الضرورية النهاردة...

وبتلك اللحظة ارسلت ديمة رسالة بكشف المواعيد على الايميل الإلكتروني، فنظر زايد للحاسوب بدقة وقال:
فاضل ساعة ونص على أول ميعاد، تمام كده...

أخذ زايد أحد الملفات على مكتبه وبدأ يشرح لفرحة دورها في توظيف عدة ملفات بملف واحد نهائي بتقارير مفصلة عن كل شيء، وبعد نصف ساعة تقريبًا توقف قائلًا:
كام دقيقة استراحة، تشربي إيه؟

تذكرت فرحة قهوتها التي تركتها، وهزت رأسها بالرفض وقالت:
لا مش عايزة أشرب حاجة. شكرا.

رفع زايد الهاتف الارضي وطلب رقم البوفية، ولم يكتفي بطلب مشروبات لها وله فقط!، بل طلب عدد متنوع من السندويتشات السريعة، فدهشت فرحة منه فابتسم وهو يغلق الاتصال:
مش هفطر لوحدي!

الفصل التالي
بعد 21 ساعة و 10 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة