رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الحادي والثلاثون
هتوافقي،؟
كلمة واحدة استطاعت أن تجعلها تتجمد، ريثما أنها تعرف من هو صاحب الصوت، كانت على بُعد خطوات من السور القصير الفاصل، تواليه ظهرها، وتخبط فكرها بموج من الحيرة، كيف علم الأمر؟، ربما أخبره الصبي بعدما ترك المنزل منذ وقت وهو غاضب، ليس هناك تفسير آخر أكثر منطقية...
هل تتجاهله و تمضي بسيرها؟، أتذهب مبتعدة وتهبط للأسفل دون إجابة؟، أم تستدير وترد عليه؟، كانت ستذهب مبتعدة حيث غرفتها بالطابق الأسفل، حتى كرر سؤاله مرةً أخرى وبأكثر حدة: بقولك هتوافقي.؟، ما تردي عليا!
انعقد صوتها لبعض الوقت بدقات قلب تركض كالخيل، حتى قررت أن تجيب باختصار ولكن إجابة گ سؤال تطرحه: ليه؟
زمّ شفتيه بغيظ منها، تلعب معه لعبة القط والفأر، الفتيات يتقنون هذه اللعبة كثيرًا، هذا أكثر شيء يعرفه عنهنّ...
قرر أن يتحدث بمظهر أكثر ثبات، لكي لا تكتشف ما لا يبوح به حتى لنفسه، تنفس جيدًا قبل أن يقول بشيء من الثبات الظاهري فقط: لما عرفت الموضوع أضايقتلك، بقى في واحدة ترجع لواحد كان بيهنها بالشكل ده؟..
ضيقت سما عينيها بعصبية من تعابير وجهه المستفزة وهو يتحدث فقالت: رغم أني معرفش عرفت أزاي بس مش هدخل مع واحد غريب في كلام خصوصا لو ميخصهوش، أنما يعني السؤال المهم دلوقتي، أنت مالك؟، وبتسألني بصفتك إيه؟
صرّ آسر على أسنانه رغم أنه توقع تلك الإجابة، أخفى عصبيته بأعجوبة وأجاب: يمكن لأني جربت الموضوع ده بس بشكل مختلف، أنسانة متختلفش كتير عن خطيبك السابق، وعارف كويس ده بيأثر أزاي على النفسية، تأثيره ممكن يقعد سنين ويعقد من تكرار التجربة...
كان يحاول أن يتحدث بأي شيء، يبرر سؤاله ولهفته عليها، وربما غيرته أيضا رغم أنه كافح ليُخفيها، ولكن زمام الأمر انفلت منه واوقعه بشرك المفاهيم الخاطئة والظنون...
مؤلم أننا لا نستطيع صياغة ما نود قوله في كلمات، فنكبت فوهة الحديث بداخلنا، وأن تمت النجاة واستطعنا القول، تسير الكلمات بعكس معانيها، ولا ننجو من العواقب، ونضع أنفسنا بأكثر المواقف صعوبة.!
التهب شيء بقلبها، كانت تريد أن تخرس صوته كي لا يزيد النار أجيج!، وبعض الأحاديث گ الحطب، يقذف بكومة من ثورتنا وتشتتنا، فتستعر النيران بداخلنا...
وحديثه كأنه يحمل الحطب لنيران قلبها!، فهتفت كأنها تود أن تصرخ ولا تستطيع: شيء يخصني بتدخل فيه ليه؟، ومين اللي قالك أن اللي حصلي هو اللي حصلك؟، أما أمرك غريب يا غريب!..
قصدت بكلمتها الأخيرة غريب وتكرارها أن تضعه في حدوده الطبيعية گ غريب عنها فعليًا، وإلى هنا لم يستطع أن يخفي غضبه فصدر صوته كصوت بالبداية گ زفير وهتف: ما تقوليش أنك كنتِ بتحبيه؟، أو هو بعد اللي عرفته ده...
قاطعته سما وبرقت عينيها من أنين الدموع وصاحت به ليصمت: ده أنت أنسان قليل الذوق وحشري بصحيح!، لما أجي اتكلم معاك واسألك أبقى ادخل وقول رأيك اللي مالوش لازمة ده، أنما من هنا ورايح لو اتعديت حدودك معايا ولو بالنظرة حتى مش هيعجبك رد فعلي...
من تصاعد الغضب بداخله صوب سخريته الغير لائقة معها وقال: نظرة!، ليه هو أنا ببصلك اصلًا!، أنتِ زي ما اتقال فعلًا، غلبانة، وللأسف صعبتي عليا لبعض الوقت، أنما دلوقتي اتأكدت أنك تستاهلي واحد زي ده...
صوبها بنظرة نارية بعد ذلك، وضعت الغموض والحيرة بها، بجانب المرارة التي تحصدها عند كل سخرية منها، وبالأخص منه. وبهذا الوقت...
تركها واقفة وذهب من أمامها، ترقرقت الدموع من عينيها واستدارت ببطء إلى الأريكة القديمة، جلست بجسد ثقيل كأن الحزن يزيد العمر سنوات شيب، نظرت للسماء بدموع متألمة،
وقالت بمناجاة وكم ودت لو تصرخ عاليًا: يارب...
ذرع المندرة ذهابًا وإيابًا ببعض التيهة والغضب الذي يحتد مع كل لحظة، كيف قال ذلك؟ كيف أعماه غضبه وجره لهذه الكلمات العنيفة على نفسيتها المتألمة الضعيفة؟
يكفيها ما تمر به، ويكفيها مرضها أيضاً...
كانت إجابتها طبيعية ومتوقعة، لم يكن بها بالشيء الصادم ليجعله يرد هكذا!، كيف يصحح الخطأ بعدما قيل؟
دون أن ينهزم كبريائه؟، قلبه گ الذي غرز فيه الأشواك بعد هذا اللقاء الحاد...
تنفس بقوة، ليته يطرد هذا الضيق من أنفاسه، طرحت أفكاره شيء، فأمسك هاتفه وأجرى أتصال على شقيقه رعد، أجاب رعد بعد قليل وصوته به كثير من القلق: معاك يا آسر، طمني عليك؟
ابتلع آسر ريقه وقال بضيق شديد: عايز اتكلم معاك شوية، لو تقدر تيجي دلوقتي تعالى، بس ما تقولش لحد أنك جاي...
تعجب رعد من الأمر، ريثما أن صوت آسر لا ينذر أنه مريض، بل به شيء يعكر صفو ذهنه وهدوئه، قال: خلاص أنا جاي، أنا اصلًا ماليش لازمة في القافلة دي، دقايق وهتلاقيني عندك...
أنتهى الاتصال سريعا، والقى آسر الهاتف على الأريكة بالقرب، وعاد إلى تيهته وبنظرات عينيه الشاردة الضائعة...
ظلت وداد تنظر لشقيقها في عتاب صامت، نظر أخيها للطعام المرتب أمامها في أطباق لامعة من الأستانلس، وقال لها: بقالي ربع ساعة بتحايل عليكِ تاكلي، هنفضل كده للصبح ولا إيه؟
قالت وداد بعصبية: نفسي اتسدت لما شوفتهم، واتسدت أكتر بترحيبك بيهم!
ما هي مش بنتك عشان تزعل عشانها!
ضاق وجه أخيها وقال بعتاب شديد: بقا كده يا وداد؟، أخص عليكِ ياختي، ده الأربعة غلاوتهم من غلاوتك، أنا قولتلك هفهمك، هتسمعيني من غير مقاطعة ولا بلاها كلام ووجع قلب على الفاضي؟
قالت وداد وشعرت أنها جرحت شقيقها بقولها المنفعل: هسمعك، قول اللي أنت عايزه...
رضى الرجل بأول خطوات التفاهم بينهما ثم بدأ التوضيح بهدوء: دي بنت يا وداد، وأنا مسؤول عنها، أنا عارف أن الناس دي ما يستاهلوش، وكنا هنلبس في الحيط لو كانت الجوازة دي تمت، بالك أنتِ أنا لو زعقت فيهم هيروحوا يقولوا إيه؟
ده بيوقف حال البنات، والكلام هيكتر عن بناتك ومش هقدر امسك لسنتهم، واللي هيتقال كتير وأنتِ عارفة الناس مالهاش غير الظاهر، لما نهيت الخطوبة دي زمان عرفتهم مقامهم في ساعتها، أنما دلوقتي بعد ما فات أكتر من سنة ماينفعش يكون ده نفس رد فعلي حتى لو قراري ثابت!..
بدأت تقتنع وداد بحديث أخيها حتى تابع بتوضيح آخر: ماتنسيش كمان موضوع جميلة واللي كل يوم بيزن عليا عشان يجي ويقرأ فاتحة، المشكلة أن نبيل اللي عايز يتقدم لجميلة وخطيب سما الأولاني أوحش من بعض ولازم أحذر منهم لحد ما أبعدهم من غير قال وقولنا...
وأضاف بلمحة حزن بعينيه: أنتِ شايفة حالي، أنا وحداني وماليش غير ولد واحد جبته بعد عذاب مع الدكاترة وصرفنا تقله فلوس، آخر السنة دي هتخلص مدتي في العمدية، يعني اكتر شيء كان بيخلي اللي زي نبيل ده يعملي حساب خلاص بينتهي، أنا ليا حسابات كتير محدش يعلم عنها حاجة...
فاجأته وداد بقولها: تقصد شباب عيلة الزيان، الدكاترة اللي مقعدهم في المندرة!
صدم الرجل وحدج عينيه بها في ذهول، فقالت وداد بابتسامة ونظرة عين شاردة: الدكتور آسر فيه حاجة من المرحوم، يمكن ده اللي خلى قلبي يتفتحله من لما شوفته، لما اتكلمت معاه عرفت أنه من عيلة الزيان، مرضيتش ابينله شيء ولا قولتله حاجة، لأن واضح أنه هو نفسه مايعرفش أني مرات عمه مصطفى الله يرحمه، بس ليه خبيت عليا؟، وما تقولش أنك مكنتش تعرف!
علي رغم دهشته وصدمته في كشفها للحقيقة بهذه البساطة، ولكنه ارتاح إنها لم تغضب، فقال بصدق: كنت عارف أن اليوم ده هيجي، بس كنت فاكر أني أنا اللي هقولك!، أنا حذرت جاسر مايقولش اسم عيلته بس أظاهر مقالش لبقية الشباب!..
أخذ نفسا عميق واستطر قائلًا: بصراحة بقا، جد البنات كلمني من فترة، واتفق معايا على موضوع القافلة ده، وأنا اللي رتبت الصدفة بتاعت السكن عشان أجيبهم هنا ويشوفوا البنات، ده كله هو اللي خطط ليه مش أنا...
تساءلت وداد وتمنت لو ما جال بخاطرها يكن صحيحا: ليه؟
رد عليها شقيقها موضحا: عايز يجوزهم لبعض ويلم شمل العيلة، ما تنسيش أن هو ليه فيهم أكتر ما ليا أنا فيهم، وأكتر واحد هيخاف على مصلحتهم...
صمتت وداد للحظات ثم ابتسمت بسعادة، دهش أخيها من فرحتها الواضحة هذه ثم قال باستغراب: فكرتك هتزعلي مني وتتعصبي!، عشان كده خبيت عليكِ...
قالت وداد بتفس ابتسامتها: يمكن كان زمان بزعل منه بسبب قسوته على مصطفى، بس مصطفى الله يرحمه قبل ما يموت بأيام بسيطة لقيته بيقولي أنه مسامح أبوه ونفسه يرضى عنه، زي ما يكون قلبه كان حاسس أنه هيموت، قولت للبنات كده بس صدمة موت أبوهم خليتهم يكرهوا جدهم أكتر...
ثم تابعت براحة ظهرت بعينيها الصافية: أنا راضية بقراره ده، أنا مش هعيشلهم ونفسي أطمن عليهم قبل ما أموت، الزعل على اللي فات نقصان من العقل، وهما لحمه ومن حقه يدور على مصلحتهم، أنا شوفت واحد فيهم وأتمنيت ده في سري أنه يكون جوز بنتي، وأهو ربنا حققلي منايا، أهو دول العرسان اللي يملوا العين بصحيح...
ابتسم العمدة لشقيقته وقال براحة من سعادتها هذه: الحمد لله بالي راق من ناحيتك، فاضل سما وجميلة، وبرضو هخيرهم ويختاروا، عشان أكون عملت اللي عليا للآخر...
قالت وداد بأسف واعتذار نابعاً بصدق من قلبها: حقك عليا يا خويا، أنا غلطانة أني ظنيت فيك، أنا محقوقالك...
نهض الرجل وقبّل رأس شقيقته وقال برفق: ده أنا ماليش غيرك يا وداد، بقى تتحقيلي!، أنتِ تقولي اللي عايزاه وأنا هسمعك...
ابتسمت له وهي تدعو ربها سرًا وعلانية، ثم صمم أن تأكل وأطاعت أمره بترحاب...
بحثت جميلة عن سما بغرفتهم ولم تجدها، فعلمت أنها كانت من الغضب الذي جعلها تصعد للسطوح مثل عادتها، صعدت هي الأخرى وتركت رضوى وحميدة بالمطبخ...
وبالمطبخ...
أنهى الفتاتان صينية من الطعام مرةً أخرى وقالت حميدة بإرهاق: بقولك إيه بقى أنا تعبت، حضرنا الغدا أهو للدكاترة، شوفي نعناعة فين يوديه المندرة أنا رايحة استحمى وأنام شوية، محدش يصحيني، حذرت أهو...
ذهبت حميدة متوجهة خارج المطبخ، حتى خرجت خلفها رضوى تبحث عن الصبي فلم تجده بالمنزل، قررت أن تبحث عنه بالحظيرة في الخارج...
خرجت وهي تحكم حجابها خشية أن يكون ظاهرًا ولو شيء بسيط من شعرها الأسود الكثيف، جالت نظرتها حتى الطريق ولم تجده، نفخت بضيق واحتارت فيما تفعل، قررت أن تخبر خالها العمدة بالأمر ويذهب به...
كادت أن تمضي عائدة للمنزل حتى انتبهت لصوت يُلقي السلام: مساء الخير يا آنسة رضوى...
ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تواليه ظهرها، يوم ونصف تقريبًا لم تره، ولكنها شعرت أن هذا الوقت البسيط كان أطول من المعتاد!
افتقدته حقا رغم أنها لا يلتقيا إلا بلحظاتٍ بسيطة، أجابت وهي تستدير ببطء: مساء النور يا دكتور...
ابتسم رعد ابتسامة دافئة، تعجبه بشدة هذه الفتاة بلمعتا عينيها الخجولة هذه، واحمرار وجنتيها خصيصا عندما تراه، يروقه أنه يؤثر عليها لهذا الحد!، قال: واقفة برا ليه؟
تعجبت من سؤاله، ولكنها أحبت رنة المسؤولية بنبرته وعينيه، أخفت ابتسامتها وهي تنظر باتجاه آخر بعيدًا عن عينيه الثاقبة النظرات: كنت بدور على نعناعة، عشان يوصلكم الغدا، مايصحش يعني أدق على باب عزاب كده...
هز رأسه بتفهم حتى قالت بحياء: طالما أنت جيت يبقى تتغدا، استناني اجيب الصينية، الأكل محضراه وجاهز...
قال بابتسامة شاكرة: مش هكسفك، وطالما أنتِ اللي محضراه يبقى هاكل منه لحد ما أشبع كمان...
استدارت وابتعدت عنه بخطوات راكضة، ولم تمهله أن يتابع، ولكنها كانت تبتسم بفرحة، كل مرة تصدق هذا الشعور بداخلها أكثر، أنهما ألتقيا گ غريبان حتى يصبحا واحدًا...
دخلت المنزل وخرجت بعد لحظات وبيديها صينية الطعام، وضعتها بين يديه في لحظة خاطفة، وظل هو واقفا يحمل الصينية دون مبرر لوقوفه هذا، تخضب وجهها بحياء وقالت: بعد أذنك...
وهذه المرة أيضا لم تمهله أن يعترض حتى أو يضيف كلمة واحدة، ابتسم بغرابة من أمره وتسمره أمامها هكذا، ثم دخل المندرة وبين يديه الطعام...
كان آسر يُعد كوب من القهوة على موقد تقليدي صغير بالمندرة، يقف أمام القهوة شاردًا، بعيدًا عن مراقبة فورانها، وضع رعد الطعام على منضدة خشبية بالقرب، ونظر لآسر وللقهوة التي تفور على الموقد!
أقترب منه وأغلق النار سريعا، التفت له آسر بتفاجئ وقال: أنت جيت أمتى؟
قال رعد بسخرية: بعد القهوة ما فارت، شكلك بيقول حصل حاجة جامدة، بس تعالى نتغدا الأول أنا جوعت فجأة، شوف باعتيلنا أكل ايه؟، دي وليمة مش غدا!
رفض آسر قائلًا وهو ينظر للقهوة المتسربة من آنيتها: مش جعان، كان نفسي في فنجان قهوة وباظ، وماليش مزاج أعمل غيره!
ترك رعد أمر الطعام ولاحظ عبوس آسر بهذا الضيق الواضح بعينيه، قال باهتمام وجدية: طب بلاش أكل دلوقتي، تعالى احكيلي حصل إيه خلاك كده!
جلس آسر على الأريكة بجانب منضدة الطعام، وقال بضيق وزفرات حانقة من أنفاسه: مش عارف عملت كده ليه!
قلق رعد وقال بشك: أنت عملت إيه؟
روى له آسر ما حدث منذ البداية، أغتاظ رعد منه وهتف به: ده أنا قولت عملت مصيبة!..
قال له آسر بعصبية من نبرة السخرية بحديث رعد: تصدق أنا غلطان أني اخترتك انت بالذات احكيلك وأفضفضلك!، أنا كنت مع نفسي بفكر وبقرر ومش بتكلم مع حد، مش عارف إيه اللي خلاني أتجنن واتكلم معاك!
ضحك رعد وقال باعتذار به بعض المرح: طب خلاص ما تزعلش، ما هو برضو اي حد مكاني كان هيقلق، بس خلينا في المهم، والمهم أنك عكيت عك معتبر، وأنا لو منها مش هبص في وشك تاني...
عبس وجه آسر بضيق فتابع رعد: بقا في واحد المفروض معجب بواحدة ولما الظروف تساعده ويكلمها يبقى غشيم كده ويتكلم عن حبيبته الاولانية!، طب كنت لمحلها من بعيد حتى أنك معجب بيها بلاش تتقدم!
صدم آسر منه ونهض قائلا برفض: أنت مجنون! أتقدم؟، ده أنا لحد دلوقتي محتار أن كنت معجب بيها ولا لأ وأنت تقولي أتقدم!
نهض رعد هو الآخر وقال بنظرة جدية حاسمة للأمر: بص يا آسر، عايز بس أعرفك حاجة مهمة أنت مش واخد بالك منها، البنات دول مش بتوع تعارف وكتر كلام، دي تخطبها وتتعرف عليها وبحدود كمان، يعني من الآخر كده لو حاسس بشيء من ناحيتها ومحتار يبقى الأفضل تخطبها...
لأنها عمرها ما هترحب بأي ارتباط غير كده، اسمع كلامي قبل ما مدة القافلة تنتهي ونرجع، وأنت لسه في حيرتك ومش عارف تاخد قرار...
هز آسر رأسه بعدم تصديق وبرفض تام للفكرة رغم ميل قلبه إليها: مش معقول أكررالتجربة دي تانية، مش معقول أدخل في ارتباط تاني ويكون فيه طرف تالت لأنسان كان في حياتها ولسه فكراه، مستحيل!
رد عليه رعد بتنهيدة: أنا جيبتلك الخلاصة، فكر كويس، أنا نفسي رغم انجذابي لرضوى بس مدي لنفسي وقت كفاية للتفكير، وأقرر أن كان فعلًا أعجاب مؤقت أو فعلا ده اللي بدور عليه...
بس بصراحة لما بشوفها ببقا على يقين أني معجب بيها، ولما بقعد مع نفسي برجع أفكر من تاني، مش فيها هي شخصيا لأنها بصراحة عجباني، بس في حاجات ممكن تأثر على علاقتنا بعدين، أنا مش ناسي كلامك...
نظر له آسر وقال بتعجب: أنت كمان محتار، يمكن أكتر مني...
رد رعد بابتسامة ساخرة: هو أنا عشان دكتور نفسي أبقى مش بتردد أو بخاف أو بحتار!، مش بسهر من الخنقة وبتوه وبتألم وأقول يارب في ضيقتي!
أنا أكتر واحد بيعرف يحل مشاكل غيره أكتر ما يعرف يحل مشاكله، اللي بعيد عن الصورة شايف كل تفاصيلها أكتر من أصحاب الصورة نفسهم...
اقتنع آسر بما قاله شقيقه حتى قال بطلب: اللي اتكلمنا فيه ياريت محدش يعرفه نهائي، خليه سر ما بينا...
أكدّ رعد على ذلك ثم جذبه ليتناولا الطعام...
في المشفى...
دخلت الممرضة منى لمكتب وجيه وقالت: في واحدة برا عايزة تدخل لحضرتك يا دكتور، بتقول موضوع مهم...
ترك وجيه بعض التقارير التي كانت بيده ويقرأها بتمعن ثم قال: دخليها...
خرجت الممرضة وبعد قليل دلفت فتاة أنيقة المظهر، كانت نظرات عينيها بها عدة تسؤولات غامضة، أشار لها وجيه أم تجلس، جلست الطبيبة النفسية مروة ثم بدأت الحديث وقالت مباشرةً: أنا جاية لحضرتك بخصوص ورد ، مريضة نفسية كانت عندي واختفت...
تعجب وجيه من الأمر وقال بصدق: أنا مش فاهم بتتكلمي عن إيه؟، مين ورد؟
اوضحت مروة أكثر: أنا بقالي أكتر من شهر بدور عليها، كانت تقريبًا في مرحلة الشفاء بعد وقت كبير جدًا قضيته معاها في المركز، فجأة اختفت، لحد ما عرفت أن والدها هنا بسبب حادثة وفي غيبوبة، اسمه عبد العزيز صادق...
اتسعت عين وجيه بصدمة!