قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والأربعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والأربعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والأربعون

وقف رعد متسمرًا أمامها دون حراك، صدم من تقلّب حالها للنقيض، من تلك الفتاة الرقيقة الخجولة التي كانت تحمر خجلًا من أقل كلمة منه، إلى الفتاة الشرسة الواقفة أمامه بمنتهى التحدي والقوة، ورغم صدمته ولكنه يعترف أن تحديها له أنار ركنً بعيد بزاويةً ما بداخله...
رمته رضوى بنظرة أخيرة قاسية قبل أن تبتعد عنه، ويبدو أنها اتقنت اللعبة سريعا، فقد اضحت حتى حركتها نابعة عن ثقة عالية بالنفس.

نظرة عينيه تنقلت معها وهي تبتعد، مُسلطة عليها كأنه يرها لأول مرة، وأن أرجع المعادلة لعلم النفس الذي درسه، فسيعرف أن المرأة أن تم جرح قلبها بقسوة فأنها باليوم التالي تحاول النجاح بأي شيء آخر وبمنتهى السرعة، كلافته عالية تريد أن تخبر بها الجميع أنها ليست ضعيفة، ليست فاشلة، وأنها لا زالت قوية ولا يعني هذا الجرح لها شيء، وهي جدًا تئن وجع!

تحرك بخطوات بطيئة اتجاه الشجرة التي كانت تختبأ خلفها واسند عليها بظهره شاردًا...

وعلى رغم كل شيء، ابتسم بسعادة خفية لوجودها بالقرب.

تم إعداد الطعام ورتب على المائدة، وبشيء لم يعتاد الجد رشدي عليه، شاركوا الفتيات في ترتيب الأطباق وامتلأت الأجواء بالبهجة، ابتسم الجد لهن بمحبة وقال: كنتوا فين من زمان؟، أنا من فترة كبيرة مش بقعد على السفرة وأكلي بيطلعلي أوضتي، خصوصًا وجبة العشا.
ابتسم له الفتيات ثم جلسوا بصف واحد على المائدة وتبقى المقاعد المقابلة، نظروا لبعضهن في توتر لإفتراضية مجيء الشباب بأي لحظة...

أتت مدبرة المنزل العجوز وقالت للجد: جايين دلوقتي، والست جيهان مش هتتعشى والست وداد أم البنات لقيتها نايمة، وريميه دكتور وجيه نبه عليا ااكلها لوحدها عشان بتخاف ولسه مخدتش علينا.
رد الجد رشدي بهدوء: خلاص ماشي...

خرج جاسر من صالة الرياضة وأغلق الباب خلفه، شعره يلتمع ويبدو أنه أخذ دوشا وبدل ملابسه بطقم رياضي اسود بالكامل، رمى نظراته على جميلة التي تطلعت به للحظة وابعدت عينيها سريعا، ابتسم بسخرية وأختار المقعد المقابل لها تحديدًا كأنه قصد أستفزازها، وقال لجده بمرح وعينيه الماكرة على جميلة: مساء الخير ياجدي، ياحبيبي.
رد عليه الجد وتجاهل طريقته كأنه لم ينتبه لشيء، وقال: مساء النور...

لوت جميلة شفتيها كأنها ترد عليه بسخرية صامته، فاتسعت ابتسامة جاسر وقال وهو يرجع بظهره للمقعد في ثقة ويرميها بنظرات خبيثة: البيت وحشني أوي أوي يا جدي، بفكر أخد أجازة كام يوم كده أشبع منه الأول...
أجاب الجد بصدق: هو بعد ما سيبتوا القافلة قبل معادها هينفع تاخد إجازة؟، ده أنت هتاخد على دماغك!

ابتسمت جميلة واخفت ضحكتها، وراقبن الفتيات الثلاث نظرات جاسر لجميلة والعكس، حتى أتى آسر وقد بدل ملابسه أيضا، ورمق جاسر المواجه لجميلة، فتسحبت نظرته لسما ووجدها ترمقه بقرف، اغتاظ منها وجلس مواجهًا لحميدة، وقال بعصبية لجده: هقعد هنا
رد الجد بتعجب: طب وأنا مالي؟، أنت في حصة علوم؟

ابتسمت سما وقصدت أن تظهر له ذلك، فأغتاظ منها أكثر وتطلع بها بحدة، ودقيقة وكان يوسف يركض هابطا من غرفته بالطابق الثاني اتجاه المائدة مباشرةً، وابتسم لحميدة وقال لجده: الله بقا، بحب اللمة.
وتفاجأ بآسر الجالس اتجاه حميدة، فهز ظهر مقعده وقال لآسر هامسًا: قوم ده مكاني!

نظر له آسر بحدة وقال: من أمتى وده مكانك؟
ضيق يوسف عينيه له وهمس مرة أخرى: من النهاردة وقوم بقا!

سأل الجد يوسف: في إيه يا يوسف مالك؟
قال آسر بصوتٍ عالِ: بيقولي قوم وعايز يقعد مكاني يا جدي؟

طافت ابتسامة على وجه حميدة ولكي تبقيها سرًا نظرت للأسفل، ابتسم الجد بمرح ليوسف ثم قال له بخبث: اقعد يا يوسف في أي مكان أحنا مش في حضانة!
انتهز آسر الفرصة بذكاء ليحقق ما يريده ونهض من مقعده قائلًا: ولا تزعل، تعالى اقعد.

جلس يوسف بابتسامة مرحة صوبها لحميدة، بينما جلس آسر مقابلًا لسما مباشرةً، ورمقها بنظرة متحدية.
ترقبت رضوى ظهور رعد، وتمنت أن لا يأتي وهي بموجة من الحيرة والكبرياء المتأرجح بين القوة والضعف، ولكنه حضر بعد لحظات من الصمت خيمت على الجميع، وتوجه مباشرةً اتجاه رضوى جالسًا...
كأنه يخبرها شيء بنظراته القوية الحادة هذه...

نظر الجد يمينًا للفتيات ثم انتقل بنظرته يسارًا للشباب، وكانت ستغلبه ضحكة من مظهرهم ونظراتهم القتالية لبعضهم البعض، فقال: انتوا مش بتاكلوا ليه؟، يلا ابدأو.

نظرت حميدة لأخواتها ببعض الارتباك، فهي لا تحبذ الأكل بالشوك والسكين ولم تعتاد عليه، وكذلك الفتيات، لمح يوسف ارتباكها وفهم بذكاء ما يدور برأسها، فألقى الشوك والسكين جانبًا وقال بمرح: تعرف يا جدي، أحلى أكل كلته في البلد عند أهل مرات عمي، واتعودت اكل بإيدي من غير شوكة ولا سكينة، وبصراحة أريح وأطعم.

ابتلع الجد رشدي ما بفمه بابتسامة محبة ليوسف، ثم ذهبت نظرته لحميدة التي كانت عينيها تشع دفء وهي تعلم أنه فعل ذلك لأجل ارتباكها، فقال الجد مُلقيًا الشوكة من يده أيضا: وأنا كمان هعمل زيك.

وفعل ذلك بقية الشباب وتشارك الجميع الطعام بإرياحية، حتى قطع الجد الصمت وقال: في حفلة هنعملها قريب، لمناسبتين، أول مناسبة هسيبك عمكم وجيه هو اللي يقولهالكم، تاني مناسبة عشان أعرّف البنات على بقية العيلة ومعارفنا وصحابنا.

قال رعد بسخرية: أتمنى ماتكونش المناسبة الأولى تدبيسة لينا كالعادة!

توجهت نظرة رضوى عليه مباشرة بعصبية وهي تعرف مغزى حديثه، فبادلها بنظرة متحدية فتأكدت أنه قصد التقليل منها ومن أشقائها أيضا حتى لو بدون قصد.

تنفست بعمق بعدما تركت طعامها، ثم نهضت من مقعدها واستأذنت الأنصراف، فسألها الجد: أنتِ لحقتي كلتي يا رضوى؟

تظاهرت رضوى بابتسامة بسيطة وقالت: الحمد لله، أنا اكلتي ضعيفة أصلًا يا جدي، بعد أذنك.

توجهت مباشرةً إلى غرفتها وهي تتحكم بدموعها قدر الإمكان، ابطأ رعد في طعامه ببعض الشرود والعبوس الذي ظهر على وجهه إثر مغادرتها، كأنه غضب من نفسه على هذا القول الغبي، فأجاب الجد بعصبية: لا مافيش تدبيسة ولا هيكون في من النهاردة ما تقلقش، مش هختار حاجة ليكوا تاني، رغم أني أختياراتي كانت كلها لمصلحتكم، بس بما أن ده مش عاجبكم فهلغي أي حاجة كنت مرتبها ليكم، حتى لو كنتوا عايزينها.

نظر يوسف بصدمة لجده، بينما نهض الفتيات الثلاث وتوجهوا لغرفة رضوى، وتجاهلن تمامًا الجالسين أمامهن، وصوب رعد نظرة غامضة طويلة إلى جده...

ابتلع الجد آخر ما بفمه وقال: أنا هخرج مع البنات نتفسح شوية، لو وجيه رجع وكنت أنا لسه برا قولوله...

نظر جاسر لساعة الحائط بدهشة وقال: الساعة داخلة على 10، تتفسح دي معناها مش أقل من 3ساعات!، هترجعوا أمتى؟

نهض الجد وقال له بثقة: أرجع وقت ما ارجع أنت هتناقشني؟

زفر جاسر بغيظ وقال: ياجدي ما تعودهمش على كده دول في البلد كانوا بيناموا من المغرب!، وبعدين ماينفعش يفضلوا الوقت ده كله برا حتى لو كنت معاهم، برضو هفضل قلقان!

سأل الجد بسخرية: وأنت تقلق ليه وأنت مالك ومالهم؟، دول اللي انتوا اعترضتوا عليهم لو ناسيين؟، يبقى محدش فيكم ليه حق ينطق في أي شيء يخصهم...
كل واحد فيكم يخليه في نفسه واعتبروهم مش موجودين.

نهض رعد بغضب واضح والقى على جده نظرة حادة ثمخرج من المنزل بكامله، ذهب وبدأ يتأكد شكوكه، هز الجد رشدي رأسه بيأس وقال: عنيد وكبريائك أعمى وهيوديك في داهية!

نهض جاسر وحاول أن يسيطر على أعصابه فقال: طب ياجدي، ممكن حد فينا يجي معاك؟، أصل ماينفعش يبقى معاك أربع بنات وتفضل تلف بيهم من مكان للتاني ومايبقاش معاك حتى أي حرس!

صمم الجد على رأيه وأضاف: أنا قولت كل واحد يخليه في حاله!، اكيد مش هتخافوا عليهم اكتر مني يعني!، ولو هختار بين حد من الحرس أو انتوا يبقى من الحرس احسن، أنا بدي الاختيار مرة واحدة ولو اترفض بمنعه خالص، أظن فهمت؟

ضيق جاسر عينيه بنظرة غاضبة بعدما فهم المقصود، ووقف آسر بعصبية قد حاول كبحها منذ وقت وقال: ماتخليش موقفك معانا يجي على حساب سلامتهم، لو سمحت خد حد من الحرس معاك لو رافض حد مننا يجي!..

قد رتب الجد الأمر ولكنه أراد أستفزازهم، فأجاب بهدوء: برضو مالكش دعوة.

سأل يوسف بمقت: طب انتوا رايحين فين؟

أجاب الجد بصدق هذه المرة: لسه مقررتش، بس حتى لو اتمشينا بالعربية كده يعني هكون مبسوط...

وضع يوسف يده على وجهه بضيق شديد...

وقف الثلاث فتيات ينظرن بريبة إلى رضوى التي تقف أمام خزانة الملابس وتنتقي منها بعناية ما يناسبها، قالت جميلة بقلق: خايفة من سكوتك ده، لو عايزة تفضفضي يبقى احسن، ومايهمكيش من الغبي ده بكره يندم عليكِ...

التفتت رضوى لهن بابتسامة ساخرة على عكس المتوقع وقالت: وهيندم وأنا كده؟، أنا عايزاه مش بس يندم، أنا عايزاه يتقلب موجوع الليل من خسارته ليا...

تقدمت لها حميدة وقالت بخوف عليها: اوعي تتغيري يا رضوى، مايستاهلش اللي بتعمليه في نفسك ده؟ أنا حاسة بيكِ والله...

تدخلت سما وقالت بجدية: بقولكم إيه؟، هي مقالتش أنها هتنحرف لخوفكم ده، كل اللي هنعمله احنا الأربعة أننا هنتمتع بورث أبونا، نلبس ونتعلم ونشوف الدنيا ونعيش بقا، إيه الغلط في ده طالما مش هنتعدى حدودنا وهنفضل محافظين على أخلاقنا؟

أجابت جميلة عليها بموافقة: لو كده فمافيش مانع وأنا أولكم...

تنفست حميدة الصعداء وقالت: وأنا معاكم، لو على الجمال والشكل فسهل يتجاب، أنما الطبع فغلاب، أحنا مش أقل منهم، ولازم يعرفوا كده.

بعد مرور بعض الوقت...
كان الجد يجلس بسيارته بالمقعد الأمي وتولى السائق الخاص به مقعد القيادة، وجلسن الفتيات الأربعة بالمقعد الخلفي، قال الجد رشدي لهن: نروح الأول نشتري شوية حاجات وبعدين هعزمكم على أكلة تجنن، انتوا مكالتوش في العشا، مستعدين؟

قال الفتيات بنفس واحد وبحماس: مستعدين يا جدي.

همست حميدة لسما قائلة: أنتِ قولتي لأمي أننا خارجين؟

أجابت سما بالإيجاب: آه روحت استأذنتها وهي وافقت على طول لما عرفت أن جدي معانا...
ارتاحت حميدة لمعرفة أمها ثم بدأت تراقب تواتر الطريق من نافذة السيارة التي للتو تحركت...

وأمام المنزل كان رعد بداخل سيارته يراقب خروج سيارة جده من بعيد، وحرك السيارة بغضب من عناد جده معه تحديدًا، حتى وجد يوسف يقفز داخل السيارة قائلا: خدني معاك...

وبعدها وجد جاسر وآسر خلفه يدخلان السيارة، فقال جاسر بغيظ: مش هنروح كل واحد في عربية، نروح مع بعض، يلا الحقهم.

هتف بهم رعد بعصبية وقال كاذبا: أنا مش رايح ورا حد!

صاح جاسر بانفعال وقال: ياعم اتكتم بقا واسكت ما أنت اللي عكيت الدنيا، وأنت هتموت عليها أصلا، وانا مش عايز أفضحك قدامهم أكتر من كده،! خلينا ساكت احسنلك.

شجّع يوسف جاسر وقال: ايوة يا جاسر اديله كلمتين كمان.

قال آسر وهو يضرب المقعد بضيق: بطلوا غباء واسكتوا وخلينا نلحقهم، يعني أغبيا ورغايين؟

انطلق رعد بسيارته فور جملة آسر وبدأ يبحث عن سيارة جده بالطريق...

وعقب وصول وجيه للمنزل ومعرفته بذهاب إبيه مع الفتيات، توجه مباشرةً لغرفة الصغيرة ليطمئن عليها...

فتح الباب فوجد الصغيرة نائمة على الفراش ومدبرة المنزل ليست بجانبها، ضاق من أهمال المرأة العجوز في رعاية الطفلة، وبينما كاد يخرج حتى انتبه لتمتمة خافته، كأنه صوت عصفور يئن!

استدار لفراش الصغيرة ثم اقترب منه فوجدها تتمتم وهي نائمة، والأغرب من ذلك أن الدموع تنزلق من عينيها، ادرك أنها تحلم بكابوس مزعج، وضع يده على رأسها بربته رقيقة وهمس لها كي يوقظها...

اهتز جسد الصغيرة برجفة شديدة وهي تفتح عينيها وتبك، رددت بذعر مرتسم على وجهها: بابا. صالح، بابا. صالح.

ضيق وجيه عينيه عليها بتعجب ثم همس لها لكي تطمئن: حبيبتي أنا بابا وجيه، جيت اطمن عليكِ.

اعتدلت الصغيرة وهي متمسكة بيده الممدودة، ثم قفزت على صدره باكية وهي تقول: بابا صالح، كان بيصرخ وبيناديلي أنا وماما.

نهض وجيه وهو يحمل الصغيرة بين ذراعيه بحنان وقال برقة: حلم، مش حقيقي، متخافيش.

لا يبدو على الصغيرة أنها اقتنعت فظلت تبك، فسألها وجيه كي يبعد فكرها عن هذا الحلم المزعج: أكلتي؟

لم تجيله الصغيرة مباشرةً، حتى هزت راسها نفيًا، فقال لها بحنان: طب أنا ما أكلتش مخصوص عشان ارجع اكل معاكِ، كلهم قالولي كل وأنا قولت لأ هاكل مع ريمو بنتي حبيبتي...

طافت ابتسامة رقيقة وبسيطة على وجه الصغيرة وفركت غينيها لتمسح دموعها، فابتسم لها وجيه بمحبة شديدة وقال: يلا بينا بقا نحضر الأكل سوا، وكمان عايزك تحكيلي أنتِ حدوته، هتعرفي ولا أقول للناس أن ريمو مش بتعرف تحكي حواديت؟

عبست الصغيرة وظنت أنه يقول ذلك حقا، فقالت بتأكيد: لأ هحكي هحكي...

ضحك على تصميمها وقبّل رأسها بمحبة، ثم هبط للطابق الأرضي وهو يتحدث معها بمرح.

الفصل التالي
بعد 08 ساعات و 28 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة