قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والستون

رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والستون

رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والستون

مضت تلك اللحظات الحرجة على جميع الحاضرين كسرعة البرق، فأصبح المشهد فوضويًا مفعمًا بالإثارة والترقب. اتسعت عينا دليلة على آخرهما عندما رأت وجه غيث مصطبغًا باللون الأحمر القاني، صرخت تناديه، وكلتا يديها قد امتدتا تلقائيًا نحو ذراعيه:
- غيث!
وضع الأخير يده على موضع الألم الصارخ محاولًا كتم نز الدماء، وصوته المطعم بالوجع يسألها في خوفٍ صادق وكأنه لا يعبأ قيد أنملة بنفسه وبما حلَّ به:.

-إنتي بخير؟ جرالك حاجة؟
هزت رأسها نافية، دون أن تبارح عيناها المذعورتان ملامحه الغارقة في الدماء، لتجد نفسها تمسك بطرف حجابها، وتحاول مساعدته في إيقاف النزيف. لن ينكر أن تصرفها العفوي جعل قلبه يخفق، بل وأكد له بطريقة لا تقبل الشك أنها لا تزال تهتم لشأنه وتكن له المشاعر العميقة. لم يمانع محاولتها مساعدته، ووضع قبضته فوق يدها ليضغط على الجرح النازف.

ما تلا ذلك كان سريعًا وخاطفًا للأنفاس، حيث تصاعد الدخان فجأة من مقدمة السيارة، ليتبع ذلك اندلاع النيران في مُحركها، فارتفعت الصيحات الوجلة، والتحذيرات المفزوعة، ليتحامل غيث على نفسه، ويقوم بإبعاد محبوبة قلبه عن مكمن الخطر، فيما ركض أحدهم ممن يعملون بداخل التكية وهو يحمل في يده مطفأة حريق، كان متروكة للاستخدام عند الطوارئ، راح يحل مفتاح الأمان، ويوجه خرطومها نحو الألسنة المتوهجة ساعيًا لإخمادها، بينما قام آخر بمحاولة إخراج ذاك الذي فقد وعيه وتسبب في حدوث تلك الكارثة، ليعاونه أخرون من أجل حمله بعدما بات وزنه ثقيلًا.

هرع وهبة نحو رفيقه صائحًا في لهفةٍ وهو يضع يده على ذراعه ملقيًا نظرة شاملة على رأسه:
-بينا يا كبيرنا على المشتشفى نلحجوك بدل ما دمك يتصفى إكده.
اضطرت دليلة أن تسحب يدها من أسفل قبضة غيث، وقد بات حجابها مصبوغًا باللون الأحمر لتتساءل في جدية:
-في مستشفى هنا قريبة؟
أجابها على الفور وهو يومئ بالإيجاب:
-إيوه.
ليصدر بعدها أمره لأحد أتباعه مطوحًا بذراعه في الهواء:.

-هات يا واد العربية، وبلغوا الحكومة تيجي تشوف اللي حاصل ده.
علق في انصياعٍ وهو يركض نحوه:
-ماتقلقش يا ريس وهبة.
لتمد دليلة ذراعها لتحيط بظهر غيث قائلة بنفس النبرة الجامعة بين الاهتمام والخوف، وشيء آخر كان واثقًا كليًا منه:
-اسند عليا يا غيث.
نظر ناحيتها بفيض حنانه الذي تنطق به عينيه مرددًا:
-ماعوزش أتعبك.
قالت في استعتابٍ رقيق وهي تجبره على الاستناد على كتفها:
-ماتقولش كده.

تحرك الثلاثة تجاه السيارة التي كانت تبعد مسافة عدة أمتار، ليقوم وهبة بفتح الباب الأمامي ومساعدة رفيقه على الاستقرار بالداخل وهو يخاطبه:
-ارتاح يا كبيرنا.
فيما أمسك دليلة بمقبض الباب وفتحته قائلة بعزمٍ:
-أنا جاية معاكو.
اعترض عليها وهبة مقوسًا حاجبيه:
-مالوش لازمة تتعبي حالك.
إلا أنها أصرت على مرافقته صائحة بعنادٍ:
-لأ مش هينفع أسيبه خالص، لازم أطمن بنفسي إنه بخير.

من داخله كان غيث منتشيًا على الأخير لأنه يحظى بكل تلك الرعاية، فمن كان يظن أنه بات شاغلها الأول بعدما كان خصيمها قبل لحظات.
أوقف الجدال الدائر بين الاثنين بصوته الأجش والآمر:
-بكفياك رغي عاد يا وهبة، واطلع على المشتشفى.
توقف عن مجادلتها مرددًا على مضضٍ:
-أوامرك يا واد عمي.

ليتحرك بعدها متجهًا نحو مقعده خلف عجلة القيادة، فيما بقت نظرات غيث مرتكزة على غاليته الجالسة خلفه عبر المرآة الجانبية، وهو بالكاد يمنع نفسه من الابتسام كتعبيرٍ عن مدى سعادته.

(صالح الناجي) ذلك الاسم الذي كُتب في بطاقة الهوية، وبات وسيلته الرسمية لإجراء أي تعامل مدني أو قانوني فيما بعد. التفت زهير ناظرًا إلى سَلمان الذي قدم إليه كامل العون لاستخراج تلك الأوراق الموثقة ماحيًا بذلك أي أثر لماضيه المشين، وبالتالي يستطيع التنقل لأي مكان دون أدنى شعورٍ بالتهديد.
رسم ابتسامة باهتة على محياه قائلًا بما يشبه السخرية وهو يلف الهوية البلاستيكية بين أصابعه بعدما فرغ من فحصها:.

-أنا صدقت إني صالح فعلًا.
ضحك سلمان في سرورٍ، وعقب بتفاخرٍ:
-قولتلك يا ريس زهير كل حاجتنا في السليم.
رمقه بهذه النظرة المفهومة وهو يصحح له:
-مابقتش زهير، ناديني صالح.
عاود الضحك مجددًا، ليقول من بين ضحكاته المتسلية.
-ماشي يا ريس صالح.
ترك زهير الهوية جانبًا، واستطرد بنبرة جادة، وقد باتت نظرته غير مريحة بالمرة:
-عايزك تشوفلي مطرح ومحل في الحتة اللي قولتلك عليها.
أومأ برأسه موضحًا:.

-بعت الرجالة يدوروا نواحي المنطقة، وكلها كام يوم وكل حاجة هتكون جاهزة زي ما أمرت.
هتف في استحسانٍ:
-تعيش يا حاج سلمان.
ليبدو زهير أكثر استرخاءً وهو يخاطب نفسه:
-كده الشغل يبقى على نضافة.
لم يعرف سلمان ما الذي يدور في رأسه، ولم يكترث بالمرة، فيكفي أنه يعيد رد الجميل الذي صنعه شقيقه الراحل معه ومن قبله أبيه لجعله يترأس زعامة قبيلته في وقتٍ كان الصراع فيه على أشده.

لم يكن جسدها قد اكتمل تعافيه بعد لتنهض عن الفراش، وتفتش بتدقيقٍ عن شيء بعينه في المطبخ، فقد أرادت الحصول عليه للشروع في مخطط الخلاص من تلك اللعينة التي أذاقتها الويلات منذ أن وطأت دارها. لم تترك وجدان درجًا، ولا دولابًا إلا وبحثت فيه، لتندهش تفيدة من تصرفاتها المريبة التي أصبحت ملازمة لها مؤخرًا بعدما تزوج زوجهما للمرة الثالثة. راقبتها لبرهةٍ، واستغربت للغاية من عدم انتباهها لها، فخمنت أنها تفكر في شيءٍ لئيم، لذا صاحت من ورائها تسألها في تعجبٍ:.

-بتعملي إيه يا مخَبَّلة؟
جزعت الأخيرة لرؤيتها خلفها، فقد كانت في أوج تركيزها للدرجة التي جعلتها لا تشعر بوجودها في محيطها، أمسكت بطرف عباءتها المستفيضة، وبصقت بداخل عِبها كتعبيرٍ عن طردها لتلك النوبة الفزعة التي نالت منها، وهتفت بتذمرٍ:
-ملكيش صالح يا تفيدة باللي بعمله عاد.
ثم أكملت مهمتها الغامضة وضرتها تردد في توجسٍ:
-باه، لتكوني ناوية على مصيبة جديدة!

أخيرًا، وبعد مشقة، تمكنت من إيجاد ضالتها المنشودة، الزجاجة البلاستيكية الموضوع بداخلها سم الفئران، والتي كانت مخبأة في كيسٍ أسود خلف ماسورة تصريف مياه حوض المطبخ. تركتها في موضعها لئلا تلفت انتباه تفيدة لما تنتوي فعله، واستدارت ناحيتها لتخاطبها في تحفزٍ:
-هو أني ورايا غيرها بت الأبالسة دي!
عاودت تفيدة تحذيرها بغير تساهلٍ، لعلها تكف عن السعي وراء الكوارث.

-شيليها من راسك وحابي على بيتك وبناتك يا وجدان، محدش عينفع لو اتخرب.
لكنها تشبثت أكثر برأيها، وعاندتها في كراهيةٍ وبغض:
-جولتلك جبل سابج الخراب ليها وحدها، وهي اللي جنت على نفسها لما داست على طرفي، وأني مش عفوت جلبتها لجوزي عليا إكده من غير ما أخد بتاري منيها.
كررت عليها تحذيرها الجاد موجهة إصبعها إليها:
-بلاش يا وجدان، أني بنصحك لوجه الله، إنتي خيتي، وأني خايفة عليكي.

ومع ذلك تجاهلت ما تنذرها به، لتقول في وعيدٍ:
-ماتجلجيش، الداهية هتاخد عدوينا إجريب يا ضُرتي.

استعانت بالممرضين المتواجدين في طوارئ ذاك المشفى الخاص لمساعدته على الاستلقاء على الناقلة الطبية، قبل أن يتم أخذه بمرافقة الطبيب إلى الداخل لفحص حالته، وتقديم ما يحتاج إليه من رعاية لازمة.
بلا كللٍ أو ملل استكملت دليلة الإجراءات المطلوبة لتسجيل بياناته، وبمساعدة وهبة الذي تولى الجانب المادي، ليتحرك الاثنان إلى الطابق العلوي فور أن تم نقل غيث إلى غرفة منفردة هناك.

وجد كلاهما الطبيب واقفًا إلى جواره يعاينه بعدما قام بخياطة الجرح القطعي في رأسه، ليستمعا إليه وهو ينصحه بجديةٍ وهو يدون في ورقة مثبتة على لوحٍ معدني بعض الملحوظات:
-مافيش داعي لأي مجهود الفترة الجاية، وطبيعي تحس إن في دوخة وإنك مش مركز، بس التزم بالعلاج وإن شاء الله هتبقى كويس.
تقدمت دليلة نحوه، وسألته في اهتمامٍ واضح:
-إيه الأخبار يا دكتور؟
التفت ناحيتها ليخاطبها بلهجةٍ رسمية:.

-أنا كنت لسه بشرح للمريض حالته.
وأعاد سرد طبيعة وضعه الصحي بعبارات موجزة تخللها توصيات جادة بضرورة متابعة ما قد يظهر عليه من تطورات غير اعتيادية جراء تأثير تلك الصدمة القوية بمقدمة رأسه.
استمر في إخبارها بنفس الوتيرة المشددة:
-أهم حاجة يكون في راحة تامة، ومتابعة لوضعه الكام يوم الجايين، لأن الخبطة مكانتش سهلة، والحمدلله إنها معملتش كسر في الجمجمة.
علق غيث بزفيرٍ متعب وهو يلوح بيده:.

-ربك بيسترها مع عبيده.
فيما أضاف وهبة بوجهٍ شبه متجهم:
-جَدر ولطف...
ليتوجه بكلامه إلى غيث مؤكدًا:
-متجلجش يا كبيرنا، أني هحطك في عينيا.
عادت دليلة تسأل الطبيب بملامحٍ تسودها الجدية:
-يقدر يخرج امتى يا دكتور؟
نظر أولًا إلى الساعة الذكية التي يرتديها في معصمه، ثم أخبرها:
-كمان كام ساعة...
وحدق في وجه غيث مخاطبًا إياه:.

-يعني لحد ما نطمن إنك قادر تقف على رجلك، بس لازم متابعة بعد يومين بحيث نطمن على الجرح، ما تستهونش بيه.
تولت دليلة الرد من تلقاء نفسها، فقالت وهي تومئ برأسها:
-تمام يا دكتور، أنا موجودة معاه.
كلماتها وإن كانت بسيطة ونابعة من طبيعة الموقف، إلا أنها لامست روحه بشدة، فكان قلبه يرقص طربًا لسماع ذلك الاعتراف الضمني منها، فقد تحرَّق شوقًا لإعادة أمواج الشوق إلى حياته الجافة.

استفاق من شروده اللحظي على صوت الطبيب وهو يكلمه:
-وحمدلله على سلامتك.
رد بشكلٍ آلي:
-الله يسلمك يا ضاكتور.
انتظرت دليلة ذهاب الطبيب لتقف في موضعه، فأصبحت أقرب إلى غيث، فكان في قمة ابتهاجه وغبطته، سألته وهي تميل ناحيته، لتشرف عليه بوجهها:
-حاسس بإيه دلوقت؟
وكأن شمسًا سطعت في سمائه القاتمة، فبددت الظلام الحالك، وأضاءت ما حوله. التمعت عيناه بهذا البريق المتشوق، وأجابها:
-دايخ شوي.

مدت يدها لتربت على كتفه في رقةٍ وهي تخبره قبل أن تعتدل في وقفتها:
-إن شاء الله تبقى كويس.
لاح شبح ابتسامة راضية على ثغره وهو يرد:
-يا رب.
استشعر تلك الاهتزازة القوية بداخل حقيبتها قبل أن تتبعها النغمة المميزة لهاتفها، فأسرعت بإخراجه لتنظر إلى اسم المتصل، ثم استطردت على عجالةٍ وهي تستدير متجهة نحو الباب:
-أنا هطلع أكلم ماما لأحسن بتتصل بيا.
رد عليها غيث في تفهمٍ:
-خدي راحتك يا ست البنات.

ما إن غادرت الغرفة حتى تحدث وهبة في عزمٍ:
-أول ما نطلعوا من إهنه هاخدك عندي يا كبيرنا، ما تجلجش المطرح حدايا شِرح وبِرح، ويساع من الحبايب ألف.
سرعان ما مد غيث ذراعه تجاهه ليمسك به من تلابيب جلبابه جاذبًا إياه نحوه، ليكز بعدها على أسنانه وهو يزجره:
-وحد جالك إني عاوز أطلع بخلجِتك؟
أظهر احتجاجه على ردة فعله المبالغ فيها متمتمًا:
-باه.
ليحرره غيث قائلًا بلهجة من يقرر:
-أني هجعد عند مَرَتي.

حلت دهشة كبيرة على كامل تقاسيم وجه وهبة مبديًا استنكاره التام:
-واه، مش كنت طلجتها يا واد عمي؟ كيف هتبيت عندها؟!
لينفي الأمر جملة وتفصيلًا بجملته الحاسمة:
-محصلش، ده طج حنك.
تطلع إليه رفيقه مليًا ورمقه بهذه النظرة الغريبة قبل أن يغمغم:
-أها، طج حنك.
تجاهل غيث سمة السخرية المتوارية في عبارته الأخيرة، وأمره:
-عاوزك تسايرني لما تعاود، علشان هي اللي تطلب إني أجعد حداها.
ابتسم في مكرٍ، وقال:
-عينيا يا كبيرنا.

وقفت في نهاية الرواق، حيث كانت تلك البقعة هادئة نسبيًا، لتسرد بإيجاز على والدتها ما حدث في التكية، وما تبع ذلك من اضطرارها للذهاب مع غيث لإسعافه قبل أن تتفاقم حالته. أتاها سؤال عيشة مستفهمًا بتعاطفٍ:
-طب وهو عامل إيه دلوقت؟
أجابتها بعد زفرة مرهقة تنم عن مدى الإجهاد الذهني والبدني الذي غرقت فيه:
-الدكتور قال إنه لازم يرتاح الفترة الجاية، ومحذره من المجهود الزيادة أو الحركة.
علقت في رجاءٍ:.

-ربنا يشفي عنه.
لتقترح دليلة في شيءٍ من التردد وهي تعض على شفتها السفلى:
-ماما بفكر أخليه يقعد معانا، يعني نردله اللي عمله معانا.
لم تجد أدنى معارضة من والدتها التي أبدت ترحيبها بالأمر، وزادت عليه أيضًا:
-وماله يا بنتي، ما هو لسه جوزك.
لتهتف دليلة موضحة، وواضعة النقاط فوق الأحرف، لئلا يساء تفسير موقفها النبيل والشهم معه:
-هو هيقعد في أوضة لواحده، أنا مش مجبورة أكون مراته.

لكن والدتها بحكم خبرتها الحياتية الممتدة استشفت أن ابنتها لا تزال لديها بعض المشاعر تجاهه، وهو بحقٍ جديرٌ بها، فدعت لهما بصدقٍ:
-ربنا يهدي سركم، بتيجي على أهون سبب.
تحرجت من التطرق لشأنه بتلك الطريقة التي تربكها وتفضح ما تحاول إنكاره من مشاعر لا تزال تنبض بداخلها، فأنهت المكالمة قائلة:
-ماشي يا ماما، لو في جديد هكلمك.
لتطلب منها الأخيرة:
-عرفيني بس وإنتو جايين.
-حاضر.

قالتها دليلة قبل أن تضغط على زر إنهاء الاتصال، وتسير عائدة إلى الغرفة.
توقفت أمام الباب للحظاتٍ لتسيطر على دفقة الأحاسيس المتلبكة التي استحوذت على وجدانها، لتبدو أكثر تحكمًا وانضباطًا، تنفست بعمقٍ، وطرقت عليه قبل أن تفتحه متسائلة بهذا التعبير الجاد الذي رسمته على قسماتها:
-الدكتور قال حاجة تانية؟
رد عليها وهبة نافيًا:
-لع.
دنت من فراش غيث متابعة بنفس التعبير الجاد:.

-أنا قولت لماما على اللي حصلك وزعلت جدًا، وبتدعيلك ربنا يشفيك.
علق عليها ببسمةٍ مقتضبة:
-كتر خيرها، ست كُمل...
ثم استدار برأسه نحو وهبة ليخاطبه:
-شوفلي كده أكاندة ولا بنسيون أجريب أبات فيه.
اندفع الأخير يخبره بعتابٍ، متناسيًا ما دار بينهما من اتفاقٍ مسبق:
-تبات برا وبيت أخوك موجود؟
حدجه غيث بنظرة نارية وقد قست ملامحه، ليتدارك وهبة الأمر ويقول في ارتباكٍ:
-جصدي يعني عنتصرفوا يا كبيرنا.

وقتئذ حمحمت دليلة قائلة بوجومٍ، محاولة الاختباء وراء ذلك القناع الزائف الذي تضعه على وجهها، وأيضًا التغلب على تلك الربكة التي عصفت بها، واستشعرت تأثيرها من اندفاع الدماء إلى وجنتيها لتغزوهما سخونة محسوسة:
-على فكرة ماما مصممة إنك لما تخرج من هنا تيجي عندنا، يعني علشان ناخد بالنا منك الكام يوم دول.
أتاه ما تمنى على طبقٍ من ذهب، فنظر ناحيتها قائلًا:
-مالوش لازمة تتعبوا حالكم.
ردت عليه بشيءٍ من الرسمية:.

-متقولش كده، إنت عملت معانا جمايل كتير.
ليقول معاتبًا، وهذه النظرة اللائمة تبرز في حدقتيه:
-جمايل! بجى إكده؟
تلاشى الجمود الذي كانت عليه بعدما رأت نظرته تلك، وهتفت تعلل بشيءٍ من الربكة:
-مقصدش، بس وإنت ويانا هنكون مطمنين أكتر عليك، وإنت سامع الدكتور قايل إيه.
لم يقف عند ذلك الأمر كثيرًا، وقبل عرضها بهدوءٍ مدروس:
-وماله، اللي تشوفيه يا ست الناس!

ليتابع وهبة ما يجري بينهما بتسليةٍ، فمن كان يظن أن وسط تلك المحنة غير المتوقعة، تتقارب الأرواح، ويُعاد لم الشمل من جديد، ف تعود المياه إلى مجاريها.

ساعدته على وضع قَفطانه المصنوع من ذلك القماش الغالي على كتفيه، وأمسكت بالفرشاة لتمسح عليه وتزيل أي عوالق به، فيبدو أكثر هندامًا وفخامة. استحسن محروس كل ذلك الدلال المصحوب بالغنج والذي يتلقاه برفقة زوجته، فأعادت إليه شبابه، وجددت الدماء في عروقه.
أمسك بكفها الناعم، وتحسسه بأصابعه الخشنة، ليقول بعينين تشتهيان قربها:
-من يوم ما ربنا كرمني بيكي وأني الدنيا مزهزهة إمعاي.

تدللت عليه قائلة وهي تلكز كتفه بكتفها في خفةٍ:
-علشان تعرف جدمي عليك حلو إزاي يا سي محروس.
طوق خاصرتها بذراعه، واعتصر جانبها بقبضته، قبل أن يميل على صدغها لينال قبلة منه وهو يمتدحها:
-ده إنتي وش الخير والسعد.
زادت من غنجها المغري عليه متسائلة بحرارةٍ لتزيد من وهج الرغبة في بدنه:
-طب مش عتدلعني إكده عاد؟
وكأنه على شفا حفرة من الاستجابة لتأثيرها الطاغي، فهتف بأنفاسٍ ثقيلة:
-أؤمري وأنا أنفذ.

تعلقت بيديها حول عنقه، وقالت بنعومةٍ:
-ما يؤمرش عليك عدو يا رب.
أحاطها بذراعه الآخر، فباتت أسيرة أحضانه، وسألها في تحفزٍ:
-ها يا مهجة حياتي، عايزه إيه وأني بعون الله عجيبهولك لو كان في بطن الجبل؟!
مطت شفتيها مرددة في صوتٍ خفيض، وكأنها تتحرج من مطلبها، إلا أنها كانت وسيلتها اللئيمة لاستدراجه نحو حبائل طاعتها العمياء:
-نطلعوا نتفسحوا شوي، نفسي أغير جو وأعمل زي بنات البندر اللي عيسافروا ويروحوا وياجوا.

وقع في الفخ كالأخرق، وهتف مواقفًا على الفور:
-بس إكده، إنتي جيتي في جمل؟ أتحصل على عربون المحصول الجديد وعنطلعوا على بحري نجضي يومين أدلعك فيهم براحتي.
تمايلت في أحضانه وهي تشكره:
-يخليك ليا يا سي محروس.

وأتبعت ذلك بقبلة دافئة، جعلت جمرات الشوق تزداد اتقادًا بداخله، ليتمكن بأعجوبةٍ من ضبط حاله قبل أن يخرج عن السيطرة، ويضطر إلى تأجيل ما لديه من أعمالٍ عالقة، حيث قام بتغيير حوارهما الحسي إلى آخر جاد بسؤالها:
-صُح الحديت الداير عن واد عمك ده؟
خفقة قوية نالت من قلبها، فجعلت الدماء تهرب من وجهها، لتجيب عليه متسائلةٍ بشيءٍ من التوجس وهي تستل من أحضانه:
-حديت إيه؟
قال بتأففٍ:.

-بيجولوا طلج مَرَته ولايف على واحدة جديدة.
هبطت عليها تلك الأخبار المفاجئة كالصاعقة، فصاحت في استهجانٍ غاضب تعجب منه:
-باه، وده حصل مِيتى؟
رمقها بهذه النظرة المتشككة، وأجابها:
-مخابرش، بس حديت عسمعه على الجهوة.
تداركت نفسها، وعادت إلى هدوئها المملوء بالغنج، لتتعلق من جديد حول عنقه بذراعيه قائلة بلهفةٍ مصطنعة:
-مالناش صالح بيه، كفاية على إني متجوزة سيد الرجالة.

وأغرته على طريقتها الخاصة لإيقاظ الجذوة التي انطفأت بداخله، فجف حلقه، وقال في لوعةٍ ورغبة:
-عروح أخلص المصلحة اللي وراي وراجعلك طوالي يا مهجتي.
داعبت طرف ذقنه بأطراف أصابعها قائلة:
-ما تعوجش، عستناك على نار.
هتف في اشتياق متصاعد وهو ينفض طرف قفطانه:
-يا بُوي، وأني هفضل جايد إكده لحد ما تطفي ناري.
رافقته إلى الخارج داعية له:
-يحميك يا رب من شر الطريج.

وترقبت بأعصابٍ شبه متلفة انصرافه لتصيح في خادمتها بعصبيةٍ يشوبها الغضب:
-بت يا نعمة!
علي إثر صوتها الصارخ جاءت خادمتها هاتفة في انصياع:
-إيوه يا ستي.
سألتها مباشرة دون تمهيدٍ:
-عندك خبر بإن سيدك غيث طلج مَرَته؟
تلجلجت وهي تجيبها:
-إ، إيوه؟
لتنقض عليها خانقة إياها من رقبتها قبل أن تهينها في غيظٍ:
-وماجولتليش ليه يا جالوس الطين؟ مش أني موكدة عليكي تجبيني أي خبر عنيه؟

بالكاد حاولت نعمة التقاط أنفاسها، وردت فيما يشبه النصيحة:
-ما عينفعش يا ستي، ما يصحش، دلوجيت إنتي متجوزة من راجل تاني، وآ...
قاطعتها أحلام في غضبٍ جم، وزادت من ضغطها على عنقها وهي تُعنفها لفظيًا:
-وإنتي مين إنتي لأجل ما تعرفيني اللي يصح واللي ما يصحش.
ثم دفعتها بغيظٍ للخلف، لتتمكن الأخيرة من استعادة أنفاسها المفقودة، وصوت سيدتها ينهرها في حنقٍ:
-غوري جاتك شوطة تاخد يا بَعيدة!

ابتعدت على الفور من محيطها لئلا تصب عليها المزيد من غضبها، فيما كتفت أحلام ساعديها حول صدرها مرددة في حرقةٍ:
-مش كنت طلجتها جَبل ما تجع الفاس في الراس!
أحست بالدماء تثور وتفور في كامل بدنها، فدمدمت في حقدٍ:
-لميتى جلبي عيفضل محروج إكده وناره ما عتبردش واصل؟!
أرخت ساعديها إلا أن جسدها ظل مشدودًا، فأكملت حديث نفسها بغضب لا يخلو من الوعيد:.

-مسيري عوجعك زي ما وجعتني يا واد عمي، ما تجلجش، طول ما فيا النفس، وأني عكون زي جضاك المستعجل،!

الفصل التالي
لم يكتب بعد...
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة