رواية فوق جبال الهوان للكاتبة منال سالم الفصل الرابع عشر
منذ أن أصبحت مهمشة في بيتها، وأحوالها قد تبدلت، فارتدت الثياب السوداء، ومسحت الزينة عن وجهها، وجلست على الأريكة تنوح وتندب حظها وهي تعقد حول رأسها عُصابة من اللون الأسود، وكأنها فقدت عزيزًا تبكي فراقه.
تحسرت خضرة على حال ربة عملها، فقد نهش الحزن والقهر في معالم وجهها، وجعلها تبدو أكبر عمرًا بعدما كانت تفيض بالحيوية والدلال. حاولت جاهدة تخفيف وطأة الأمر عليها بمواساتها، إلا أنها ظلت أسيرة همومها، فليس من السهل عليها تهميشها بعدما كانت الآمر الناهي، والأسوأ من ذلك الإتيان بأخرى وضيعة تستحقرها لتشاركها في زوجها.
أعدت تابعتها المخلصة كوبًا من عصير الليمون الطازج، أسندته على الطاولة أمام توحيدة، وجلست عند قدميها تسألها في اهتمامٍ مشوبٍ بالضيق:
- هتفضلي لابسة أسود كتير كده يا أبلتي؟
لم تجب عليها، فاستمرت تقول في امتعاضٍ:
- ده حتى وحش عليكي.
حررت توحيدة زفيرًا ثقيلًا من صدرها، وأخبرتها بوجومٍ تعيس:
- ومين يجيله نفس لحاجة بعد اللي حصل؟
هنا انتصبت بكتفيها، وأخبرتها في نبرة ماكرة لتستحثها على الخروج من قوقعتها المهلكة:
- ما تشمتيش فيكي الأعادي، ده إنتي سِت الكل، ومهما حصل مافيش ولا واحدة تقدر على الست توحيدة.
آنئذ تطلعت إليها بغرابة، فتيقنت أن كلامها المحفز قد بدأ يؤثر فيها، لهذا واصلت على نفس المنوال:
- وبعدين وِزة مين وبطة مين اللي هتيجي تركب وتدلدل هنا؟
قطبت جبينها، وضيقت ما بين حاجبيها بشيءٍ من الاهتمام، لتضيف خضرة بنفس الوتيرة المحفزة:
- ده هي ماتجيش مداس في رجلك.
تبدلت تعبيراتها من التعاسة إلى الجدية، خاصة وتابعتها تخبرها في لؤمٍ:
- وفرصتك جتلك لحد عندك تربيها بطريقتك...
تعمدت خفض نبرتها عندما أتمت باقي جملتها الخطيرة:
- أو حتى تخلصي منها!
لحظتها فقط اعتدلت توحيدة في جلستها على الأريكة، ونزعت منديل الرأس الكئيب عن شعرها لتقول بتحمسٍ:.
- إنتي بتتكلمي صح يا خضرة.
ابتهجت أساريرها لأنها نجحت في إخراجها من دوامة الحزن التي حبست نفسها داخلها، واستطردت تقول المزيد وقد هبت واقفة:
- ده أنا لحم كتافي من خيرك يا أبلتي.
نهضت توحيدة بدورها، وقالت بعزمٍ، ونظرتها الغامضة راحت تشرد في الفراغ أمامها:
- أنا لازمًا أفرسها وأكيدها، وبعد كده أزحها من طريقي.
فركت خضرة كفيها معًا في حماسٍ، وأخذت تردد بتحفيزٍ:
- هو ده الكلام.
حلت توحيدة أزرار عباءتها الداكنة، تلك التي تلفحت بها على مدار الأيام السابقة، وهتفت تأمر تابعتها:
- روحي عندي الأوضة، وطلعيلي من الدولاب الحتة المدندشة.
انتفضت بنشاطٍ مهرولة تجاه الغرفة وهي تهتف:
- عينيا يا ست الناس كلها.
أزاحت الأخيرة العباءة عن جسدها وأسقطتها أرضًا، لتخاطب نفسها في عزمٍ، وقد باتت ملامحها أكثر إصرارًا على استعادة ما تملك بكل قوةٍ وتصميم:
- مش توحيدة اللي تطاطي لحد أبدًا!
علي غير العادة، حينما خرجت مروة من الحمام الملحق بغرفتها، وهي تجفف شعرها المبتل بالمنشفة، تفاجأت بوجود أكثر من تبغض مستلقيًا بأريحية على السرير، بثيابه التحتية فقط، وكلتا يديه تتوسدان خلف رأسه، فانفلتت منها شهقة عفوية، فقد عزف عنها منذ اللحظة التي أخبرته فيها بقدوم ضيفتها الشهرية، لتنصدم بظهوره اليوم هنا، وكأنه يذكرها بأنه لا مناص لها أو مهرب منه.
تطلع إليها كرم بعينين جائعتين، طامعتين في تعويض ما فاته، فجسدها البض الذي ما زال رطبًا من أثر الاستحمام، بجانب شعرها المبتل المنسدل على جانب كتفها، استثاراه بشكلٍ كبير، ظل على وضعيته الساكنة، وسألها في تهكمٍ، مستخفًا بهذا التعبير الذاهل المرسوم على كامل وجهها:
- إيه شوفتي بعبع؟
انخفضت يدها بالمنشفة، وسألته في صوتٍ مرتعش:
- إنت. بتعمل إيه هنا؟
جاء رده متهكمًا، وكذلك نظرته:
- هو إنتي ناسية إن دي أوضتي؟
يبدو أنها تناست حقيقة الأمر، وظنت أن عزلتها وبقائها بعيدًا عن أنظاره سيجعله يغض الطرف عنها، إلا أنها كانت مخطئة! حلت بها رعشة أقوى عندما استطرد بغلظة:
- ولا تكوني مفكرة إنك خلاص عرفتي تضحكي عليا بحجتك إياها، وإنها دخلت عليا.
ارتاعت منه، وتراجعت للخلف بعدما ألقت بالمنشفة من يدها، خاصة حينما وجدته ينهض من رقدته، ويتجه إليها بخطاه البطيئة وهو يكلمها:.
- ده أنا سايبك يا قطة بمزاجي، وما يفرقش معايا الحلال من الحرام، طالما عايزك هاخدك على أي وضع.
حُوصرت عند الزاوية، وأصبحت أبعد ما يكون عن الخلاص من الهلاك الحتمي، خرجت من بين شفتيها شهقة صارخة حينما انقض على خصرها ليجذبها منه تجاهه، لم تستطع الإفلات من قبضتيه، ولكزته في صدره بقبضتيها، فاستلذ برفضها له. أبعدت وجهها عن أنفاسه التي تبغضها؛ لكنه مال عليها برأسه، فشعرت بحرارتها تلفح بشرتها وهو يخبرها:.
- وأنا النهاردة نفسي هفتني عليكي.
استخدمت كامل قواها لإزاحته؛ لكنه كان كالجبل الراسخ، لا يتحرك من موضعه، ارتجفت بقوةٍ وهو ينحني على شفتيها ليقبلهما بضراوة وتملك، انحبست أنفاسها وعجزت عن المقاومة، حرر شفتيها بصعوبة ليخبرها بما جعل جسدها يرتج:
- ومش هحلك من إيدي.
شعرت بتورم شفاهها، وتوسلته في استجداء يائس، مبدية نفورها التام منه:
- ابعد عني.
ضحك مستهزئًا بها، وقال وهو يضيق الخناق عليها:.
- أموت أنا في شغل المقاومة ده.
نظرت إليها ببغضٍ أشد، قبل أن تنعته:
- بكرهك، إنت مش بني آدم.
صرخت في فزعٍ، عندما انحنى ليحملها بين ذراعيه، وصوته المشبع بأنفاسه الحارقة يرن في أذنها:
- عارف، وتعالي بقى أما أفكرك أنا مين بالظبط يا مدام!
امتعضت ملامح حمص بشكلٍ ملحوظ وهو يتذوق طعم التبغ الزهيد في جوفه، فأطفأ ما تبقى منها تحت قدمه، ونظر إلى رفيقه بتأففٍ قبل أن يوبخه:
- ما تغير أم السجاير التعبانة دي!
سخر شيكاغو منه قائلًا:
- المرة الجاية هجيبلك مستورد.
حك حمص طرف ذقنه، وأشار له بيده هاتفًا:
- طب اطلبنا اتنين شاي في الخمسينة نظبط دماغنا بيهم.
جاء تعقيبه فيما يشبه أحلام اليقظة:
- مافيش حاجة تظبط دماغنا غير حجرين معسل متلغمين.
سرعان ما تحولت أنظارهما معًا تجاه عربة الربع نقل التي تباطأت سرعتها بالقرب منهما، ما أثار ريبتهما هو وجود عدة رجال على ظهرها المعدني، يستعدون للترجل منها، ومن خلفهم جاءت سيارة أخرى هبط منها أحدهم، ومعه رجل كبير في السن. وقتئذ تأهب الاثنان في جلستهما، وبادر حمص بالتعليق:
- الظاهر في عوأ هيحصل!
ثبت شيكاغو ناظريه على أحدهم، وتكلم وهو يتعمد التواري عن الأنظار:
- مش الواد ده تبع العِترة؟
تساءل حمص باسترابةٍ:
- هو باعت ناضورجي ولا إيه؟
رد عليه مؤكدًا ظنونه:
- الظاهر كده.
في التو انتقل لسؤاله التالي بتحفز:
- طب إيه الكلام؟
جاء رده مباشرًا:
- بلغ الريس عباس أوام!
- وجب.
ردد هذه الكلمة الموجزة قبل أن يختفي عن الأنظار وهاتفه قد وضع على أذنه، فيما بقى شيكاغو في موضعه، يرتكن بظهره على الحائط، ومراقبًا عن كثب لما يدور.
أوشكت شمس العصاري على المغيب، فولج فهيم إلى داخل غرفته ليأخذ قيلولته بعدما تناول طعام الغداء، في حين جلست دليلة على الأريكة تتطلع حينًا إلى ما يبثه التلفاز، وفي أحيانٍ أخرى إلى شاشة هاتفها المحمول.
تنهدت عيشة في أسى، وخاطبت ابنتها وهي تطوي الثياب الجافة وترصها فوق بعضها البعض:
- أختك صوتها مكانش عاجبني...
رفعت عينيها عن شاشة هاتفها المحمول، وحدقت فيها وهي تكمل كلامها إليها:.
- عايزين نتفق معاها نزورها في يوم، ده بعد ما تقول لجوزها، علشان ما يحصلش زي المرة اللي فاتت.
ردت بنبرة عادية:
- تمام يا ماما.
ما لبث أن انتفضت في جزعٍ عندما سمعت الدقات العنيفة على باب المنزل، بينما هبت عيشة واقفة لتهتف في استنكارٍ:
- مين بيخبط على الباب بالشكل ده؟
قبل أن تتقدم خطوة واحدة لتتفقد الطارق، تفاجأت بالباب يُفتح على مصراعيه، فارتدت عائدة للخلف، وصرخت بذعرٍ وهي تلطم على صدرها:.
- يا نصيبتي! إنتو مين؟
التصقت دليلة بظهر أمها، وحملقت في هؤلاء الغرباء الذين تسربوا للداخل تباعًا بوجلٍ شديد، فكل شيء في هذه اللحظات الحرجة بدا على الحد الفاصل بين الحلم واليقظة، استدركت حقيقة ما يحدث، هم جماعة غوغاء اقتحمت المنزل بشكلٍ سافر، لتجعلهم محاصرين بداخله. عفويًا صرخت عاليًا مستنجدة بأبيها:
- بابا، الحقنا يا بابا!
علي إثر ذلك الصوت المدوي، خرج فهيم من الداخل مرتديًا منامته، حدق بذهولٍ في هؤلاء الوقحين الذي تجرأوا على اقتحام بيته دون سابق إنذارٍ، وهدر فيهم:
- هو إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتو مين؟
سرعان ما اختفت دهشته وحلت تعابير الاستنكار على كامل ملامحه عندما ظهر أحدهم من المؤخرة متقدمًا تجاهه، نطق باسمه مصدومًا:
- درويش!
وقف الأخير قبالته، ووجه إليه موجة من اللوم والاتهامٍ:.
- بتتفق مع جماعة الهجام ضدي يا فهيم؟ أل يعني بكده بتتحامى فيهم؟
استهجن بشدة ما يقوم به، وصاح فيه بغيظٍ:
- اللي إنت بتعمله ده ما يصحش يا درويش.
من الوراء هتفت دليلة، وكأنها تبحث دومًا عن وسيلة لإقحام نفسها في المشاكل:
- أنا هطلب البوليس.
قبل أن تضغط على زر الاتصال، حذرها درويش بغلظةٍ:
- سيبي اللعبة اللي في إيدك دي يا بت بدل ما أكسره على دماغك.
اشتعل وجهها غضبًا منه، وقبل أن ترد عليه هتف والدها عاليًا:.
- ملكش دعوة ببنتي ولا مراتي، كلمني أنا!
ثم خاطبها بلهجته الآمرة وهو يشير بيده إليها:
- خدي أمك وخشي جوا، واقفلوا عليكوا الباب.
اعترضت على تركه بمفرده وسط هذه العصبة من الأشقياء:
- بس آ...
أسكتها بإصراره:
- من غير بسبسة، خشوا جوا!
جرجرتها عيشة معها وهي تهمس بصوتٍ مرتعش:
- تعالي يا بنتي، استرها علينا يا رب!
علي مضضٍ تركهما درويش يختبئان بالداخل ليصبح في مواجهة غريمه الذي كان يرمقه بنظراتٍ نارية مستنكرة، وانفجر صارخًا فيه:
- طب خليك راجل وواجهني بدل ما تبعت عيل سيس يفرد عضلاته عليا، حتى علشان تكبر في نظر حريمك.
رد عليه مبررًا تصرفاته:
- ما أنا كلمتك بالذوق وطلبت حقي وإنت مارضتش تدهوني.
نظر لها باستحقارٍ قبل أن يخبره بعنادٍ:
- ولا هتاخده مني عافية كمان!
قبل أن يتفاقم الوضع أكثر من ذلك، انضم إليهم خصومهم الأشداء، واقتحموا المنزل بكل عدتهم وعتادهم، وكان على رأسهم زهير فتقدم الصفوف هادرًا بصوته المجلجل:
- طب مش تقولوا إن في حفلة هنا؟ حتى على الأقل نقوم بالواجب!