قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل التاسع

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل التاسع

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل التاسع

الحُب...
هل هو شعورٌ مُطلق، أم عقدٌ مشروط؟
وما مفهوم الحُب: أنا أحبك ما دمتَ تُسعدني؟
أم أحبك حتى حين ينهكنا الحزن، ولكننا معًا؟
كثيرون ظنّوا أن الحُب هو مفتاح السعادة،
واستنكروا كيف للمرء أن يهوى من يُؤلمه.
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك.
فالحُب هو الشعور الوحيد الذي يولد حرًّا،
لا يساوم، ولا يُقايض، ولا يعترف بلغة الشروط.

إما يُمنَح كاملًا أو لا يُمنَح أبدًا. وحين تتوهّج نيرانه في القلوب، لا يفلح رماد العقل في إخمادها.
ومهما بلغ الألم، لا يفر الحب أبدًا بل على العكس، فهو يتصدى له، و كأنه خُلق لينتصر لا ليخسر.
وحين نقرن الحُب بالسعادة، نكون قد أخطأنا فهم جوهره. فالسعادة قد تكون ثمرته. لكنها أبدًا لا تصلح أن تكون شرطًا له، ولا فرضًا يُقاس به مدى صدقه.
نورهان العشري.

زينة!
هكذا هتف خالد باندهاش وهو ينظر إلى تلك المرأة الثلاثينية التي تضاعف جمالها منذ آخر مرة رآها بها لتبدو بهيئة رائعة مصحوبة بابتسامة لازالت تخطف أنفاس كل من رآها.
حمد لله على السلامة رجعتي من السفر أمتى؟
هكذا تحدث خالد وهو يصافح زينة شقيقة زوجته الراحلة التي ابتسمت بدورها و أجابته بنبرة رقيقة ولكنها تحمل الثقة كما هي عادتها: الله يسلمك. أنا راجعة بقالي تلت أيام.

اخس عليكِ. تلت أيام ولسه فاكرة تيجي تزورينا النهاردة!
هكذا تحدثت نبيلة بود زائف لتنظر إليها زينة بابتسامة هادئة قبل أن تقول بنبرة تحمل السخرية بين طياتها: صدقيني يا بلبلة لو اعرف انك هتستقبليني الاستقبال الحار دا كنت نزلت من الطيارة على هنا على طول.

ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغر خالد الذي يعلم المعنى المبطن خلف كلماتها، ولكن نبيلة تجاهلت ما ترمي إليه وهي تقول بنبرة ودودة: ازاي بقى؟ دا أنتِ حبيبتنا. أنتِ ناسية انك متربية وسطنا ولا أيه؟
لم تُعلق زينة ليلتفت خالد ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقف أسفل الدرج بأعيُن يتماوج بهم الغضب ليقول بنبرة خشنة: حبيبي. تعالي سلمي على زينة.

اقتربت أشجان بخطوات هادئة و عينيها لم تغفل عن نظرات نبيلة الخبيثة لتتفاجيء حين طوق كتفها خالد وهو يقوم بتعريفها إلى هذه الضيفة الجميلة: اعرفك يا زينة. أشجان مراتي. و دي زينة خالة رنا.
تبادل كُلًا من أشجان و زينة النظرات المصدومة حين علمت كلتاهما هوية الآخرى لتستفهم زينة بجمود: معقول اتجوزت!

هذه المرة كانت المفاجأة من نصيب خالد حين وجد أشجان تمد يدها و تصافح زينة وهي تُجيبها بنبرة قوية: أه معقول. نورتينا.
شعر بالغبطة من فعلتها لتبتهج عينيه فمن الرائع أن الأمر حين يصل عنده يتبدل سكونها و تشتعل جذوة النيران بداخلها كما هو واضح في نظراتها لتندفع زينة بلهفة: على فكرة والله انا مقصدش. أنا بس اتفاجئت. ألف مبروك.

شعرت أشجان باحراجها و بعفويتها في التعامل لذا ابتسمت بلُطف وهي تقول باختصار: الله يبارك فيكِ.
يالا ندخل أنتِ واقفة على الباب ليه؟ و فين شنطك عشان الخدم يطلعوها فوق.
تصلب جسد أشجان أسفل ذراعه من حديث نبيلة المسموم ليتحدث خالد بنبرة جافة: نبيلة. أدي فرصة للناس تاخد نفسها، أنا مُقدر طبعًا أن زينة وحشاكي! بس الدور اللي أنتِ قايمة بيه دا دور أشجان بما أن دا بيتها.

قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى، فشعرت نبيلة بالإهانة خاصةً أمام زينة التي شعرت بالحرج، فهتفت الأخيرة بارتباك: سوري يا خالد. أنا اللي جيت من غير ميعاد، و نبيلة اكيد متقصدش.
تدخلت أشجان قائلة بنبرة يغمرها الثقة النابعة من دعمه لها، و تعزيز مكانتها علنًا دون تهاون: مفيش داعي للإعتذار. أنتِ نورتينا حقيقي، وكلنا مبسوطين أننا شفناكِ مش نبيلة بس، و اللي هيفرح أكتر و أكتر بقى لما يشوفك هي رنا.

ابتسم برضا من حديثها ليستمع إلى صوت زينة تقول: ميرسي لذوقك. أنا فعلًا نفسي أشوف رنا دي وحشاني أوي.
أشجان بهدوء: دقيقتين و هتلاقيها نازله. اتفضلوا نقعد في الصالون.

تقدمت نبيلة في المقدمة وكأنها تعلن كونها فردًا أساسيًا في هذا المنزل، و خلفها زينة، لتتبعهم أشجان و بجانبها خالد الذي جذبها مختلسًا قبلة استقرت فوق جبهتها كتعبير غير منطوق لما قامت به منذ دقائق ثم توجهوا إلى الصالون الكبير ليستقر الجميع في مقاعدهم لتبدأ نبيلة في استجوابها قائلة: قوليلي يا زينة يا حبيبتي. هو جوزك اتوفى بقاله قد أيه؟

خالد باستفهام: أيه دا هو سامح اتوفى امتى؟ انا فاكرك جايه زيارة عادية؟
زينة بهدوء: لا للأسف. سامح اتوفى بقاله أربع شهور و نص، و أنا راجعة استقر في مصر. مش ناوية اسافر تاني.
التمع الفرح في أعيُن نبيلة من حديث زينة، على عكس أشجان التي دق ناقوس الخطر في قلبها لا تعلم السبب ولكنها لم تُعلق ليقطع الصمت الدائر دخول رنا التي ما أن سمعت بوجود خالتها حتى هرولت من الأعلى لتحتضنها بشوق و فرحة عارمين.

كان كمال يجلس حول الطاولة في مواجهة سوزان و ملامحه مُكفهرة بشكل يبعث على الرهبة، منذ أن رآى تلك الغبية تقف في شرفة الشقة وهي ترتدي هذه المنامة البيتية التي تكشف عن اكتافها البيضاء و خصلاتها البنية تتماوج حرة طليقة حولها وكأنها قاصدة استفزازه بينما هي كانت تنظر إلى البحر وهي تحمل كوبّا ترتشف منه على مهل غافلة عن الأعيرة النارية التي تندفع من نظراته
نورتني النهاردة يا كمال.

هكذا تحدثت سوزي بلُطف وهي تنظر إلى ملامح كمال التي تُنذر بالسوء و كذلك كانت لهجته الجافة حي أجابها: أي مكان بتكوني فيه بينور بوجودك يا سوزي.
التفتت سوزان ناظره إلى عمر الذي كان يجلس بجوار كمال و قد بدا عليه التحفظ لتقول بنبرة ودودة: و اللي أحلى و أحلى كمان انك جبت معاك الدكتور عمر. سمعت عنه كتير.
كمال بحنق: أنا لا جبته ولا شفته أصلًا. أنا اتكعبلت فيه وأنا داخل.

اغتاظ عمر من كلمات كمال ليُتمتم بحنق: أصيل طول عمرك.
سرعان ما تبدد حنقه ليُجيب على سوزان قائلًا بمرح: الصراحة أنا كنت بتمشى بالعربيه و لفت نظري المكان. فقولت ادخل اقعد شوية واتفاجأت بكمال، و بعدين بحضرتك. مكنتش اعرف ان دا المطعم بتاعك. يعني الموضوع كله صدفة.
كانت ترى الكذب بوضوح في عينيه، ولكنها اكتفت بالقول بابتسامة بشوشة: يا محاسن الصُدف والله.
علق كمال ساخطًا: هي محاسن فعلًا.
سوزي يا سوززززي.

هكذا هتفت آسيا و من خلفها شروق ليتنبه كُلًا من كمال وعمر إلى وجودهم الطاغي، و بالمقابل تفاجئت الاثنتين من وجودهم لتشتعل النظرات لثوان بين الجميع، خاصةً حين شاهد كمال ذلك الفستان الذي ترتديه آسيا و الذي لم يكُن كاشفًا كتلك المنامة التي كانت ترتديها في الشرفة، ولكنه كان يبرز منحنياتها بدقة و يتلائم لونه الزيتي مع لون بشرتها، فبدت صارخة الجمال حتى بدون مساحيق تجميل.

أما عن عمر، فقد افلتت نظراته المُشتاقة تحتوي شروق التي كانت ترتدي ملابس بسيطة، مكونه من تيشيرت أبيض اللون بنصف أكمام، و بنطلون أسود يعانق ساقيها بأغواء. تاركة العنان لخصلاتها الرائعة لتتماوج خلفها بحرية و خاصةً وقد ازداد طولها عن السابق، فهاجمته ذكرى بعيدة وهو يقوم بتصفيف هذه الخصلات المتمردة و يستنشق عبيرها و يغرز أصابعه بين طيات نعومتها.
أهلًا بالحلوين. تعالوا يا بنات.

كانت شروق كعادتها سرعان ما تحسن ارتداء قناع الجمود قبل أن يظهر عليها أي شيء على عكس آسيا التي كانت تعرف مُسبقًا بأنه قادم، ولكن بدا عليها التأثر حين تذكرت تلك الصفعة التي نالت من كرامتها لتغيم عينيها بحزن تبدد حالما لمحت نظرات سوزان المُحذرة لتتدراك الأمر حين رأت شروق التي أرادت النيل من عمر هذه المرة أيضًا حين تقدمت من كمال قائلة بنبرة ودودة: ازيك يا كمال عامل ايه؟

صافحها كمال وهو يجيبها بنبرة ودودة: الحمد لله ازيك يا شروق.

كان يتفرسها رغمًا عنه، فقد اشتعلت جذوة الشوق بصدره و ود لو يعانقها حتى تتكسر عظامها، فلن يكفيه مجرد مصافحة، والحقيقة أن لشروق رأيًا آخر أفزع كبريائه بقوة حين ضنت عليه بالمصافحة التي لم تكن ترضيه واكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها كتحية له، وقد تبدلت نيران شوقه إلى غضبًا حين رآها تلتفت ناظرة إلى سوزان وهي تقول بمرح: شوفتيني وأنا منضبطة و جاية آخد الشيفت بتاعي في معاده!

سوزان بحب: لا شوفتك وأنتِ زي القمر. يالا على المطبخ.
شروق بمُزاح: عنيا يا فندم.
أنهت جملتها ثم التفتت إلى كمال قائلة بنفس نبرتها المرحة: كان نفسي أوجب معاك والله. بس المديرة بتاعتنا شديدة شوية.
ابتسم كمال الذي كان يتقن لعبة التجاهل هو الآخر ليقول بنبرة خشنة: كفاية أن أنا شوفتك. دا أحلى واجب.
اقتربت آسيا مُزعنة لتقوم بالترحيب بعمر الذي كان الغضب بادٍ على محياه: أهلًا يا دكتور عمر. نورتنا.

صافحها عمر وهو يحاول التغلب على غضبه من تجاهلها له قائلاً بنبرة جامدة: ازيك يا آسيا عاملة أي؟
آسيا باختصار و هي تحاول تجاهل هذا الذي لم يعير وجودها حتى التفاتة: الحمد لله.
ثم التفتت إلى سوزان قائلة بجمود: وأنا هجهز الشواية عشان ابتدي الشوي على ما خالد و أشجان يوصلوا.
ناظرتها سوزان بلوم يتناقض مع نبرتها المُعتزة حين قالت: حظكوا من السما هتاكلوا احلى مشويات من إيد آسيا النهاردة.

كان باردًا إلى الحد الذي يظن المرأ بأن براكين الغيرة لم تطأ أرضه يومًا، ولم يحترق مناخه بنيران العشق أبدًا، لينهض من مكانه وهو يضع نظراته الشمسية لتكتمل صورة نموذجية لرجل وسامته و الهلاك وجهان لعملة واحدة، ليقول بنبرة خشنة
أنا همشي عشان ورايا حاجات مهمة، و بعدين أنا ماليش في المشاوي، تقيلة على معدتي. مابحبهاش.

غادرت بهدوء وكأن داخلها لم يتحطم منذ لحظات لتحدجه سوزان بنظر لأئمة قبل أن تقول بنبرة مُعاتبة: على فكرة أن قايله لخالد يقولك انك هتتغدى معانا النهاردة.
كمال موضحًا: قالي والله، و مردتش أقوله يعتذرلك جيت بنفسي عشان متزعليش.
مد يده يصافحها فربتت على كفه بيدها الأخرى وهي تقول بنبرة ذات مغزى: هيفوتك كتير.
كمال بجمود: محدش بياخد أكتر من نصيبه.

لم تُطيل في الأمر لتوميء برأسها، فتدخل عمر قائلًا بنبرة جافة: أنا كمان همشي، مبسوط اني شوفت حضرتك و اتعرفت عليكِ.
سوزان بنبرة ودودة: أنا اكتر، و اتمنى اشوفك كتير هنا. المكان مكانك.
عمر بجمود: أن شاء الله.
ما أن غادر الرجلان حتى هتفت سوزان بنبرة ساخطة: أنتِ يا مقصوفة الرقبة ياللي اسمك آسيا.
جاءت آسيا بخطوات غاضبة و نبرة تشبة الصراخ: أنا مقصوفة الرقبة ليه أن شاء الله؟!

سوزان بتقريع: بقى يا بت أنتِ دا اللي اتفقنا عليه؟ الراجل داخل عليا هيطق من جنابه!
آسيا بحنق: يستاهل.
تدخلت شروق محاولة تخفيف الأمر: اهدي شوية يا آسيا و اسمعي سوزي.
سوزان بحنق: ليه تسمع الشر بره و بعيد! هي لازم تجود من عندها.
آسيا بحدة: مش هو عاملي فيها مجروح و مد إيده عليه يستاهل بقى.
هتفت سوزان موبخة: عشانك غبية. مفروض شوفتيه متعصب متقفيش قدامه.
آسيا باستنكار: دا ليه أن شاء الله! حد قالك إن أنا جبانه!

سوزان بتقريع: لا مش جبانه بس غبية. لما الواحدة تلاقي اللي قدامها متعصب مفروض تنسحب حتى لو عندها الف حق. عشان ميحصلش اللي حصلك. وعلى رأي أدهم الحسيني الله يمسيه بالخير دا الجري نص الجدعنة.
شروق و آسيا في آنٍ واحد: مين أدهم الحسيني دا؟
سوزان بشجن: دا واحد حكيم كدا. كان في رواية اسمها للعشق وجوه كثيرة أنا بحبها اوي.

عقبت شروق قائلة باعتراض: ما علينا. بس على فكرة يا سوزي اللي عيزاها تعمله دا يبقى اسمه هروب.
سوزان بتوضيح: اسمه هروب تكتيكي يا هبلة. هو لما يتهور مين اللي هيتعور!
شروق بإقرار: هي.
تدخلت آسيا بغضب: بصي بقى أنا السبب هو السبب. المهم أنه جه عليا و قوي، و مفكر أني هجري وراه اترجاه! دا بعينه! أنا أموت ولا اني اتذلل لحد.

سوزان بحدة: يابت تتذللي أيه؟ أنتِ هتجننيني! عارفة؟ انا مش تاعب قلبي غيرك! شايفة البت اللي عاملة فيها رضوى الشربيني دي ميتخافش عليها. حتى الهبلة أشجان انا متطمنة عليها. انما أنتِ دماغك مسوحاكي و شيطانك عفي.
تجمعت سحب الغضب بعينيها لتمطر ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت: أنتِ اللي بتقولي كدا!

رق قلب سوزان لعبراتها لتهتف بحنو: يا بنتي الله يهديكِ. بلاش تصبي الزيت على النار. قولنا أن دا ابننا و غلط، و مجروح، قلبه واجعه. كمال لسه باديء يفوق من الصدمة. منضغطش عليه. نتجنب غضبه. دا الحزن معشش جوا عنيه.

اقتربت آسيا تجلس بجانبها واضعه رأسها فوق صدر سوزان لتهتف من بين عبراتها: عارفة أن القلم اللي ضربهولي موجعنيش قد كلامه! لما سمعته بيتكلم مع خالد و قد أيه هو مجروح حسيت اني كرهت نفسي. اتمنيت لو كنت موت ولا كنت وجعته كدا.

سوزان بحنو وهي تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت: يا حبيبتي اللي حصل حصل، واحنا بنحاول نصحح الغلط دا. بلاش تستفزيه احنا عايزين نقرب بطريقة متبينش اننا قاصدين. بنحاول نخلق صدف عشان نقرب المسافات بينكوا.

آسيا بنبرة تئن وجعًا: بروده و تجاهله ليا دول بيجننوني. شوفتي شكله كان عامل ازاي لما دخلت؟ اللي يشوفه و ميعرفش اللي كان بيننا يقول إني شفافة بالنسباله. غصب عني الموضوع مؤلم و مُهين أنتِ متعرفيش كمال دا كان بيتعامل معايا ازاي!
سوزان بتوضيح: على قد حبه على قد وجعه. اصبري و اهمدي و اسمعي الكلام. عايزينه يرجع زي الأول و أكتر بس بعقل.

اومأت برأسها بإذعان لترفع سوزان رأسها و تنظر إلى شروق التي كانت في وادٍ آخر لتهتف قائلة: والله ما مريحني إلا العاقلة الراسية دي. جابته على ملا بوزه قال أيه كان معدي من هنا بالصدفة و لفت انتباهه المطعم!

انتفضت دقات قلبها إثر حديث سوزان لترتسم ابتسامة ساخرة فوق شفتيها قبل أن تقول بمرارة: والله لو بيموت يا سوزي وروحه معايا هيستكبر ياخدها، وانا هستكبر أردهاله. أنا غير آسيا. أنا عارفة و متأكدة أن قضيتي خسرانه معاه.
مدت سوزان يدها إلى شروق التي كانت في أمس الحاجة لعناقها لتحتل الجانب الآخر من صدرها في مقابلة آسيا لتقول سوزان بحنو: مفيش خسارة يا حبيبتي. هو بس محتاج يتقرص عشان يفوق.

شروق بتهكم: عُمر عمره ما هيفوق أبدًا.
سوزان برزانة: بكره تشوفي. اللي بيتكبر على الحب. زي بالظبط اللي بيقف يرتجف في البرد عشان خايف لا النار تلسعه. ولما يحس أنه قرب يموت من البرد هيجري على اللي كان خايف منه. الإنسان لما بيلاقي نفسه بيقع بيدور على أي حبل يتمسك بيه حتى لو كان الحبل دا شوك. مش قلب زي قلبك.
خرج استفهام مؤلم من بين طيات قلبها الموجوع: وهل يفلح مع من ارتكب جُرمه الغفران؟!

سوزان بحنو: بكرة كل حاجة هتتصلح بإذن الله و هتقولوا سوزان قالت.
أنهت جملتها و قامت بتوجيه ضربة خفيفة لجبهة آسيا وهي تقول بتقريع: دا لو الهانم طبعًا سمعت الكلام، و متسببتش في كارثة بعنادها.
رفعت رأسها تناظره سوزي بتأثر وهي تقول بتعب: تفتكري في أمل كمال يرجعلي تاني؟!
سوزان بحنو: في بدل الأمل ألف. بس احنا نتصرف بعقل و نبطل نبني في السور اللي بيبعدك عنه بدل ما نهده.

آسيا بلهفة: حاضر هسمع كلامك في كل اللي تقوليه.
تدخلت شروق التي قالت بتخابُث: و الخطوة الجاية من عندي. يالا يا سيسو أن شالله ما حد حوش.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال.

زينة بنبرة رقيقة: خالد ممكن اتكلم معاك في موضوع؟
نظر خالد إلى ساعته قبل أن يقول بنبرة خشنة: معلش يا زينة خلينا نأجل كلامنا النهاردة لأننا للأسف عندنا معاد مهم و اتأخرنا عليه و مضطرين نمشي. البيت بيتك طبعًا.
لا تعلم لما شعرت بأنه يتهرب من الحديث معها لتوميء برأسها قبل أن تقول بخفوت: لا طبعًا ولا يهمك اتفضل. أنا بس هستأذنك اخد رنا تبات معايا النهاردة عشان هي وحشاني أوي.

هذه المرة تدخلت أشجان عن عمد حين قالت: وليه تاخديها وتمشي؟! خليكِ معاها هنا. و باتي كمان معاها.
هتفت رنا بحبور: ياريت يا خالتو. أنا نفسي بجد اقعد معاكِ. أنتِ وحشاني أوي.
اندهشت زينة حين تولت أشجان الإجابة بدلًا عن خالد، وكأنها تخبرها بأن ابنة أختها تحت تصرفها هي ولكنها لم تُفصِح عما يجول بخاطرها بل تحدثت بهدوء: خلاص تمام. أنا بس محتاجة اروح الفندق عشان اجيب هدومي و حاجات ليا.

مفيش مشكلة وأنا هبعت السواق معاكِ يوديكي و يجيبك.
هكذا تحدث خالد لتبتسم زينة بامتنان لتلتفت أشجان ناظرة إلى رنا بحُب قبل أن ان تقول بهدوء: متنسيش تكلمي سُهيلة تقوليلها انك مش هتخرجي معانا.
رنا بأدب: حاضر يا مامي. و بوسيلي نانا سوزي وقوليلها سوري عشان مش هعرف اجي معاكوا.
قبلتها أشجان فوق جبهتها قبل أن تقول بحنو: حاضر ياروحي. اتبسطي مع خالتو و نبقى نروح لنانا سوزي في وقت تاني.

أخيرًا توجه كُلًا من خالد برفقة أشجان و أطفالها إلى الخارج وما إن كاد يستقل السيارة حتى تفاجيء من هذا الصوت خلفهم: خالد.
التفت خالد فصُدِم حين وجد هيام التي كانت تقف على مقربة منهم، ولكن كانت الدهشة من نصيب اشجان التي هتفت قائلة: هيام!
أهلًا يا هيام. واقفة بعيد ليه؟ تعالي.

هكذا تحدث خالد لتتوجه هيام تجاه سيارة خالد لتمد يدها و تصافح أشجان ثم التفتت لتصافح خالد وهي تقول بحرج: حقك عليا جيت من غير معاد. بس الموضوع اللي جايه فيه مهم أوي.
شعرت أشجان بأنها لا تريد الحديث أمامها لذا التفتت إلى خالد قائلة: خالد أنا نسيت حاجة هطلع اجبها و اجي.
اومأ خالد برأسه قبل أن يلتفت إلى هيام قائلاً: تعالي احنا نقعد نتكلم هنا.

توجهت معه إلى أحد الطاولات بالحديقة لتجلس وهي تحاول ترتيب حديثها، وإذا بها تفاجئه حين قالت: أنا جيالك يا ابن عمي لما الدنيا ضاقت بيا وملقتش حد أروحله.
كانت تتحدث و العبرات تتحدث عنها أيضًا ليتفاجيء خالد الذي هتف بقلق: حصل ايه يا هيام؟ و ليه بتعيطي كدا؟
هيام بنبرة حزينة: مخنوقة شوية، و كنت عايزة اطلب منك تكلم رحيم عشان استلم ورثي من أبويا الله يرحمه.

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ.

كان يجلس في القاعة الكبيرة التي تحتل جزءً كبيرًا من مقدمة البيت يفض أحد النزاعات بين الفلاحين، والتي انتهت أخيرًا بالتراضي ليتفاجيء بصوتٍ صراخ أحد الفتيات داخل البيت، فهب من مكانه يندفع إلى الداخل ليرى ماذا حدث، فإذا بأحد الخادمات تصرخ بذِعر: الست نچاة غميت.

و كأن قلبه انشق إلى نصفين حالما رآها تتوسط الأرض وهي ساكنة كجثة هامدة ليندفع كالممسوس تجاهها يتفحص نبضها بيدين ترتعش من فرط القلق، فإذا به يشعر بالراحة حين أدرك بأنها على قيد الحياة ولكنها فاقدة للوعي ليقوم بوضع ذراعه أسفل ركبتها و الآخر خلف ظهرها وهو يصرخ في الخدم بصوته الجهوري: شيعوا للحكيمة بسرعة.

هرول بها إلى الأعلى وهو يدعو الله أن تفتح عينيها الجميلة و ترفرف برموشها الطويل التي تلقي بشباكها حول قلبه، فيقع بعشقها بكل مرة يقف أمامها، ولكن آخر مرة تحدث معها كان الحديث شوكًا بينهم، ولكن كيف يحنو وهو المذبوح بسكينة الهجر!

وضعها فوق مخدعه وهو ينتظر مجيء الطبيبة لتطمئنه على حالها، والتي لم تتأخر بل جاءت على الفور لتقوم بالكشف عليها لتخبره بأنها أُصيبت بهبوط في الدورة الدموية نتيجة الضعف و عدم التغذية، ليلعن تحت أنفاسه، فهي منذ ثلاثة أيام لا تجلس على مائدة الطعام معه، و تحديدًا منذ تلك المواجهة المروعة بينهم.
عودة إلى وقتٍ سابق
أنت اللي جتلك مَرتك!
ناظرها رحيم بصدمة تجلت في نبرته حين قال: بتجولي اي؟

نجاة بنبرة حاولت جعلها قوية: بجولك انت اللي جتلت مَرتك؟! و ياريت تچاوبني بصراحة من غير لف ولا دوران.
كان حديثها أهانة بالنسبة إليه، فهل تتهمه بالجُبن و الخوف من قول الحقيقة أمامها! أسدل الغضب ستائره على ملامح رحيم و تبدلت نظراته من الصدمة إلى الغضب الذي احتل نبرته حين قال بجهامة: أنتِ بتتحدتي أكده ويا مين! مچنونة أنتِ ولا اي؟ رحيم الوتيدي عيخاف من مرا!

الخوف احتل تقاسيمها و نظراتها للحد الذي جعلها تتراجع خطوة للخلف، وهي تهتف بنبرة مُرتجفة: مجصديش. أني بس عايزة اعرِف الحجيجة.
رحيم بفظاظة: وهي الحجيجة دي أني هخاف أجولها جدامك!
كان يقترب منها بخطوات وئيده كفيلة ببث الذُعر في أوصالها، ولكنها عاندته وهي تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة: يبقى تجولها.
توقف أمامها وعينيه رغم القسوة كان بها عتاب كبير، ولكنه لم يُفصِح عنه إذ قال بجفاء: مجتلتش حد.

رغمًا عنها خرج استفهامها مندفعًا كالإعصار: ازاي الحديت دا!
زي الناس. لما أجول مجتلتهاش يوبجى مجتلتهاش.
هكذا هتف رحيم بنبرة غاضبة ألجمت الكلمات فوق شفتيها ولكنه تابع بنبرة خطرة: بس جتلت غيرها!
شهقت بصدمة ليُتابع رحيم بمرارة لم تُخطيء في فهمها: عارفة جتلته ليه؟ عشان غلط غلطة كبيرة جوي، و بسبب غلطته دي اني ارتكبت أكبر ذنب في حياتي.
غافلتها الكلمات و خرجت مندفعة حين قالت: ذنب ايه؟

تنهيدة قوية خرجت من جوفه قبل أن يقول بنبرة يفوح منها الوجع: أذيتك!
كانت عينيه تخاطب عينيها بعتب و اعتذار ولكن ألمها كان أكبر من كليهما لتهتف بلوم: أذيتني بس! أنت دبحتني! يمكن لو كنت موتني كنت هرتاح لكن اني بسببك كنت بعيش نفس الخوف و الوچع كل يوم.
اقترب ممسكًا ذراعيها يهزها بقوة جاءت من عمق الوجع الكامن بداخله وهو يقول بنبرة مُلتاعة: فكرِك أني متوچعتش! فكرك اني مكنتش مدبوح جبلك!

همست بنبرة مذبوحة من فرط الوجع: أني ذنبي أيه في وچعك ده!
غامت عينيه بالقسوة قبل أن يقول بنبرة قاسية: اللي وچعني دمه بيچري في عروقك، بس اني مش ظالم، و مخدتكيش بذنب حد. مشيلتكيش شيلة مش شيلتك.
نزعت نفسها منه وهي تهتف باستنكار: كل حديتك عن ابوي أني مش مصدجاه. استحالة يكون بالقسوة دي! و بعدين ما يمكن انت عملت فيا أكده عشان تنتقم منيه!

برقت عينيه من حديثها ليهتف مُستنكرًا: انتقم منيه فيكِ! و لما دي نيتي مكملتش في انتقامي للآخر ليه؟ و ليه اتچوزتك بعد أكده! و ليه لما بقيتي في داري عِملتك هانم عالكل، ومحدش يقدر يتنيلك كلمة!
لا تعلم كيف خرجت الكلمات من فمها كالرصاص حين قالت: ما دا انتقام بردك. لما تكون مبتچيبش عيال و تتچوزني يوبقى عشان عايز تنتقم مني!

سددت سهم كلماتها في منتصف صدره ببراعة ليجتاحه نوبة ألم قاسية أفقدته النطق للحظات، شعر بها بأن العالم يدور من حوله، فقد تعرى أمام محبوبته، ولم يقتصر الأمر على هذا فقط. بل وقد استغلت هي الأمر لتطعنه بقوة في أضعف نقطة بقلبه، ولكنه لم يعتد على الانحناء يومًا، فقد كان يتلقى الرصاص كرذاذ المطر، هل يقع الآن من مجرد طعنة حتى و إن كانت نافذة!

شعرت بغباء ما تفوهت به، و انتفض قلبها يُعنفها على ما اقترفته بحقه، ولكنه لم يُمهلها الفرصة لكي تتراجع أو تصلح الأمر بل وجدته يتراجع شامخًا برأسه وهو يشبك يده خلف ظهره و قد خيمت القسوة على نظراته و نبرته حين قال: صوح. حديتك صوح. اتجوزتك عشان انتقم عشان اني مبخلفش. و لو كنت بخلف. عمري ماكنت هتچوز من بنت رماح الهلالي! الدم النچس ده مينفعش واصل أنه يختلط بدم الوتايدة.

شعرت بالألم يقطر من بين كلماته التي آلمتها هي الآخرى، ولكن الأعظم من الألم هو أن تضطر للتماسك بينما داخلك ينهار وقد كان هذا حاله عندما غادر الغرفة ليتركها فريسة للندم و الوجع والقهر.
عودة إلى الوقت الحالي.

كانت عينيه تمر على ملامحها بشوق، فمنذ ذلك اليوم حُرِمت عليه رؤيتها، فقد انقطعت عن مشاركته الطعام، وقد كان هو يختار البقاء طوال اليوم في الخارج ليبتر نوبات الحنين التي تجره إليها خاصةً وأن كلماتها كانت كالسرطان الذي يأكل روحه بصمت مروع، فقد نالت من كرامته و كبريائه و رجولته حين ذكرته بنقصه. ولكنه لا يقدر على أيذائها، فقط تجاهل مؤلم من جانبه كان الشيء الوحيد الذي استطاع فعله.

عبرة متمردة غادرت جفنيه يبدو أن الألم قد فاق حدود احتمالها لتمحوها أنامله بقوة حين شاهدها ترفرف برموشها و تبدأ في الاستيقاظ ليهب من مكانه ويتوجه إلى المقعد المقابل لمخدعها، فما أن فتحت جفونها بتثاقُل حتى وجدته يجلس أمامها بهدوء و عينين لا تفصحان عن شيء وملامح جامدة لتعود رويدًا رويدًا إلى الواقع و يبدأ قلبها بالأنين فقد تغزى الندم على روحها الايام الماضية و سلبها طاقتها حتى لم تعد تحتمل أكثر من ذلك فسقطت، ولكنها قررت الحديث، فلم تعُد تطيق هذا الثُقل بداخلها.

حاولت الاعتدال تبغي الجلوس ولكن الدوار داهمها مرة أخرى ليسقط رأسها على الوسادة مما جعله يندفع لا إراديًا ليساعدها معدلًا من وضع الوسادة خلف رأسها قبل أن يجعل رأسها يستند عليها برفق لامس قلبها، فبالرغم من كل شيء ولكنه يهُب لمساعدتها وكأنها ليست من قتلته منذ أيام!
حين أراد النهوض من جانبها أوقفته حين قالت بخفوت: رحيم.
اخترقت حروف اسمه قلبه حين نطقتها بتلك الطريقة ولكنه حاول الثبات قائلاً بجفاء: نعم.

شعرت بجفاءه ولكنها لم تستسلم بل قالت بخفوت: عايزة اتحدت وياك.
رحيم بجفاء ولازال عازفًا عن النظر إليها: جولي اللي عندك.
جفائه مؤلم، أو أنها غير معتادة عليه لذا أرادت تبديده حين قالت بجرأة: ينفع تمسك يدي عشان اجعد!
رغمًا عنه التفت يناظرها بصدمة طالت للحد الذي جعلها تتمتم بحزن: خلاص هجعد أني...

حين حاولت الحركة تفاجئت حين اقترب يُحيط خصرها بذراعه القوي لتصطدم بصدره و تتعانق نظراتها مع خاصته في قربٍ مُهلِك لكليهما جعلتهم يتشاركا الهواء سويّا لتمر لحظات من الصمت المشحون بضجيج لا يسمع صوته ولكن صداه كان شيئا لا يمكن نكرانه!

قطع رحيم تواصلهم البصري حين تركها فجأة بعد أن اسندها على ظهر السرير ليتراجع ينوي تركها ولكنها لم تتركه بل مدت يدها لتمسك خاصته حتى توقفه عن المغادرة، فخيم الاندهاش على ملامحه والذي تضاعف حين قالت بخفوت: أني آسفة.
ارفقت اعتذارها بعبرات غزيرة تلاها كلمات مؤثرة خرجت من شفتيها المُرتعشة حين قالت: أني معرُفش قولت اللي قولته دا ازاي! بس الوچع اللي في جلبي معدتش جادرة اتحمله.

لم يحتمل التطرق إلى هذا الحديث ليجذب يده من يدها و ينهض من جوارها وهو يقول بقسوة: متبرريش حاچة. الحديث اللي جولناه مفيهوش حاچة غلط. كل واحد قال اللي في جلبه، و انتهينا.
عاندته حين قالت باندفاع وهي تحاول الوقوف على قدميها: لا منتهيناش يا عمدة. ولازمن تعرِف أني عارفة غلطي، و ندمانه عليه كمان.
ممنوش فايدة الحديت ده. خدي دواكي و ريحي، و أنا هخليهم يطلعولك الوكل اهنه.

هكذا تحدث رحيم بجفاء وهو يحاول الهرب من أمامها، فالأمر كان موجعًا بالنسبة إليه، لتهتف نجاة بنبرة حادة: أني عارفة موضوع الخلف ده من اول يوم سبوع ليا اهنية. قبل ما يحصول بيننا أي حاچة.
خيمت الصدمة على ملامحه من كلماتها ليلتفت ناظرًا إليها بعدم فهم لتُتابع بنبرة مُتحشرجة: ولو أنت مكنتش عايز من بنت رماح الهلالي ولاد، فبنت رماح الهلالي مكنش يفرج معاها لو قعدت العمر كله چنبك من غير ولاد.

الفصل التالي
بعد 02 ساعات و 54 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة