قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والعشرون

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والعشرون

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والعشرون

أحيانًا تكسرنا الحياة حين تضعنا أمام اختيارات جميعُها تصب في بوتقة الجحيم؛ كأن يُجبر الإنسان على الاختيار بين ألمين كلاهما أقسى من الآخر، ويقف حائرًا أمام مفترق طرق إن سلك الأول فقد كرامته، وإن انتهج الثاني فقد هويته؛ فيجدُ نفسه كالغريق الذي عليه أن يختارَ طريقة موته: إما خنقاً بالماء أو سحقاً بين أحضان الصخور. وفي الحالتين الموت واحد وإن اختلفت طريقته، والنجاة هنا خيار لم يخلق له سبيل.

ولكن. ماذا لو كانت للنجاة طرق مشروعة غفلنا عنها دهراً؟ وأن تلك اللحظات المؤلمة التي سلبتنا أبسط حقوقنا في تسيير حياتنا وفق ما نريد، ما هي في حقيقتها إلا مخاض عسيرٌ لولادة شخصٍ جديد لم نكن نعرفُ بوجوده داخلنا؛ شخصٍ يدرك أن القسوة هي سبيله الوحيد لتجاوز الأزمات، و ربما تخطي الأشخاص الذين أهدوه الخذلان على طبق من حرير. فالقلوبُ التي أحرقها القهر لن يُحييها رمادُ الذكريات.

وأحيانًا لا تكون القسوة طبعاً متأصلاً في النفس، بل صفةً اكتسبتها قلوبنا من تراكم الخيبات؛ فنحنُ لا نقسو لأن قلوبنا من حجر، ولكننا نقسو لأننا منحنا من اللين ما يكفي لترميم شقوق العالم، وفي النهاية لم نجد من يلملمُ كسرنا، أو يجبرُ خاطرنا.
فسلامٌ على ذلك الكسر الذي صنع منا فولاذًا لا ينكسِر، و عزاؤنا الوحيد أننا في ذلك الحين لن نكون مدينين لأحد بترميم شتاتنا.
نورهان العشري.

كانت العبرات تتدافع من مقلتيها بغزارة مما جعل الرؤية ضبابية أمامها فلا ترى سوى صورًا مشوشة فلازالت صورة واحدة تتراقص أمام عينيها وهي صورة حبيب خائن و طفل صغير. و لحسن حظها أو لسوئه فقد نجت بأعجوبة عدة مرات من حوادث مؤكدة، كونها تقود بجنون فقد كانت تطوي المسافات بسرعة لا تحسب لها حساب، فمن يحمل كل هذا الألم في صدره هل يرى في الحياة شيئًا يستحق النظر اليه!

بينما هو كان على النقيض تماماً، فقد كان الذعر يتملك منه وكأنه يُساق إلى المقصلة وهو يراها تقود بهذه الطريقة الرعناء، و سيارتها تنهش الطريق كما ينهش القلق و الخوف بصدره، و كأن القدر يعاقبه أشد العقاب، و بأقسى الطرق، فلو حدث لها شيء الآن فسيتخلص من حياته في الحال.

أخيرًا ترفق بهم القدر و وصلت آسيا إلى المخبز الخاص بسوزان لتترجل من السيارة و ساقيها تلتفان حول بعضهم البعض و صوت بكائها يشق سكون الليل حتى وصل إلى مسامع كُلًا من سوزان و شروق لتهب الأخيرة مذعورة:
أيه دا في ايه؟ مين بيصرخ كدا؟
انتفضت سوزان هي الأخرى مفزوعة لتمسك بعصاها وهي تتوجه خلف شروق قائلة بلهفة:
استر يارب.
آسيا...

هكذا هتفت شروق بصدمة حين رأت حالة آسيا التي كانت على وشك السقوط وهي لازالت تبكي بعُنف، وحين أوشكت أقدامها أن تخونها تلقفتها يد كمال من الخلف لتحول بينها وبين الأرتطام بالأرض و هو يهتف بلهفة:
آسيا.
ما أن شعرت به و كأن صاعقة كهرباء أصابتها، فأخذت تصرخ و هي تتخبط بين يديه كالملدوغة:
سيبني يا حيوان. نزلني. بكرهك. نزلني.

كانت تتخبط بين يديه كالحيوان الجريح، ولكنه لم يبالي لتلك الضربات القوية التي نالها صدره من يديها و توجه إلى الداخل وسط صراخ و استفهامات كُلًا من شروق وسوزان:
في أيه يا كمال؟ آسيا مالها!
في أيه يا ابني؟
صرخت آسيا بحرقة تزامنًا من وضع كمال لها على المقعد:
ابعد عني متقربش مني تاني. انا بكرهك. بكرهك يا كمال. بكرهك...

بح صوتها وهي تصرخ بأنها تكرهه لتتراشق كلماتها بصدره فقد كانت قاسية كقسوة ما يعانيه سابقًا و الآن ليتراجع إلى الخلف تاركًا المجال لسوزان باحتضانها و هي تقول بذعر:
اسم الله عليكِ يا بنتي مالك؟ في ايه يا آسيا؟
أخذت تنتفض بين يدي سوزان وهي تترجاها بحرقة:
ابعديه عني يا سوزي. خليه يبعد عني مش عايزة أشوفه خليه يخرج من حياتي مبقتش عايزة أشوفه انا بكرهه.

كان الوضع مذريًا للجميع مما جعل شروق تلتفت إلى كمال بحدة:
بيتهيقلي انت سمعتها ممكن تخرج عشان نعرف نهديها؟!
كز على أسنانه، فقد كان في موقف سيء ولكن ليس أسوأ مما مر به من قبل لذا التفت يرمق آسيا بنظرات حزينة قبل أن يلتفت مغادرًا المخبز وليس المكان ليقف أمام الزجاج ناظرًا بتحسُر إلى جسدها التي يرتجف كعصفور صغير بين يدي سوزان و شروق التي تجلس أمامها على الأرض و هي تمسك بيدها وتحاول أن تهدئ من روعها:.

اهدي يا آسيا مشي خلاص. قوليلنا عمل فيكِ ايه؟
سوزان من بين عبراتها:
يا بنتي وقعتي قلبي. في ايه؟
رفعت رأسها فكان مظهرها مُريعاً؛ وجهها تلطخه العبرات الغزيرة التي أفسدت زينتها وشوهت جمالها، وأسالت كحل عينيها الجميلتين، وكأن بني آدم لا يهدأ لهم بال إلا حين يتفننون في إطفاء بريق العيون التي تلمع بعشقهم، وتحويل زينة المرأة إلى سوادٍ يسيل على وجنتيها كقصيدة وجع لا تنتهي.

دبحني يا سوزي. خاني. انا كنت هنا بموت عشانه وهو هناك في حضن واحدة تانية غيري. و جاي و جايبلي ابنه.
كانت تتحدث من بين نهنهاتها التي تشق صدرها إلى نصفين لتشهق كلا المرأتين بعُنف و تهتف شروق بذهول:
بتقولي ايه؟
و هتفت سوزان هي الآخرى:
ابن مين! فهميني انا مش فاهمة حاجة.
لم تمهل أنفاسها فرصة للهدوء، فقد كان الألم هو الآخر لا يمهلها الوقت للاستيعاب مما جعلها تهتف بأنفاس متهدجة و لهجة مبحوحة من فرط الوجع:.

جا. جايبلي. طفل. طفل يا سوزي. بيقول. بيقول أنه ابنه. ابنه من واحدة. تانية غيري. خد واحدة غيري في حضنه. و. و خلف منها. وأنا. أنا. هنا. بمو. بموت عشانه.

شعرت شروق بأن حالتها لا تبشر بالخير. لتقوم بجلب كوب من المياة و جعلها ترتشف بضع قطرات منها عل المياة تطفيء حرائق الألم لصدرها ولكن هيهات فقد توقفت المياة بحلقها و أخذت تسعل بقوة وقد كان هذا نذير سوأ بالنسبة لحالتها لتشدد سوزان من احتضانها وهي تهتف بذعر:
اهدي يا بنتي. هتموتي نفسك. بالله عليكِ تهدي.

أمسكت شروق كف يدها وباليد الآخرى أخذت تمسح على ظهرها و خصلات شعرها و رأسها ملقى فوق صدر سوزان لتقول الأولى بانفعال:
آسيا اسمعيني. اهدي شوية. هتموتي نفسك عشان مين؟ محدش يستاهل. خدي نفسك واهدي.
أخذت جملة شروق ترن بأذنيها كالبرق هتموتي نفسك عشان مين؟ محدش يستاهل
أغمضت عينيها وهي تحاول تنظيم أنفاسها الملتهبة لتسمع سوزان وهي تقول:
قولي ورايا يا آسيا ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.

أخذت تهمس خلفها بقلب يتوسل إلى خالقه بالرحمة:
ربي إني مسني الضر و أنت ارحم الراحمين. ربي إني مسني الضُر و أنت ارحم الراحمين.
أخذت تردد دعاء الكرب لمرات و مرات حتى بدأت أنفاسها بالهدوء لتشعر سوزان بأن رأسها زاد ثقله، فهمست لشروق بخفوت:
شكلها نامت.

ولكن شروق كانت عينيها على ذلك الذي يقف خلف النافذة بأعيُن أرهقها الحزن و الألم لتترك يد آسيا بهدوء و تتوجه إلى الخارج عازمة النية على صرفه من حياة صديقتها لتقف أمامه تناظره باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
اطمنت أنك انتقمت منها و دمرتها يا كمال بيه ولا لسه؟
تحولت عينيه إلى الغضب الذي حاول قمعه حين قال بجفاء:
لما تكوني متعرفيش أنتِ بتتكلمي عن ايه يبقى متتكلميش!
شروق بحدة:.

مش محتاجة اعرف! كفاية عليا أشوف صاحبتي منهارة بالشكل دا عشان اعرف اللي هقوله، واللي أنت لسه سامعه منها. امشي.
كظم غيظه بصعوبة وهتف بنبرة عنيدة قاسية:
هطمن عليها و همشي.
شروق بجفاء:
هي كويسة. هتبقى كويسة لما تمشي و تختفي من حياتها. انتوا أصلًا سبب كل حاجة وحشة حصلتلنا، اه و بالمناسبة. لو في حد مفروض تطمن عليه هو نبيلة هانم. بيقولوا انتحرت.
تشدق قناع الجمود الذي كان يرتديه ليهتف بصدمة:.

أيه! نبيلة مين اللي انتحرت!
شروق بسخرية:
في الحقيقة أنا زي زيك اتصدمت بس دا اللي سمعناه.
وضع يديه فوق رأسه يحاول استيعاب ما حدث، فالتفت شروق تنوي الدخول الى المخبز وقد تأكدت من أنها صرفته ليقول بنبرة مُتحشرجة:
خليني اطلعها شقتها و بعدين همشي.
التفتت شروق تناظره بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:
متقلقش. احنا متعودين على كدا. ماهي مش اول مرة يحصلها كدا.

دلفت شروق إلى داخل المخبز وقامت بإغلاق الباب و النوافذ في وجه كمال الذي تهدلت أكتافه من فرط التعب، ليتراجع إلى الخلف وهو يقوم بالإتصال بخالد لمعرفة ما حدث لشقيقته...

كان الجميع في الخارج على صفيح ساخن بدايةً من خالد الذي كان يقف أمام غرفة الطوارئ عاقدًا ذراعيه وهو ينتظر بوجوم خروج الأطباء من الغرفة و كلا الفتاتين ميرهان و هايدي تحتضنان بعضعهم البعض وتبكيان بصمت تتسلله شهقات خفيفة بين الفينة و الأخرى و عز الدين الذي لم يُصدق ماحدث حين أخبرته هايدي ليتذكر الحديث الذي دار بينهم صباحًا
عودة إلى وقتٍ سابق.

كان يجلس حول مكتبه و تركيزه منصب حول صفقة مهمة يحاول انهائها لصالحه حتى ينجح في جعل شركته تقف على أرضٍ صلبة، و إذا به يسمع طرقات على باب الغرفة فسمح إلى الطارق بالدخول ليُصدم حين رأى نبيلة التي تتقدم إلى داخل الغرفة و عينيها تحملان عتابًا صريح لم يخطيء في فهمه، ولكنه كان في مرحلة عصيبة لم يختبرها طوال حياته، فبعد ما سمعه ذلك اليوم من نجله وقد تشوشت جميع أفكاره و تصدع جبل المشاعر الذي يحمله لها بقلبه:.

ازيك يا عز...
هكذا تحدثت نبيلة بنبرة معاتبة حزينة، فأجابها وهو يشيح بنظره عنها:
الحمد لله.
تفاجئت من جفاءه لتحاول استمالته حين قالت:
مش هتسألني عاملة ايه؟
عز بجمود:
أيه اللي جابك يا نبيلة؟
نبيلة بنعومة و عينين ناعستين تعلم جيدًا تأثيرهم عليه:
استنيتك تيجي تشوفني يوم واتنين و تلاته و مجتش. أول مرة تقسى عليا يا عز، وقلبي مش قادر يتخيل أنك تكون فعلًا صدقت اللي قالوه عني!

رفع رأسه يطالعها بصدمة و خيبة أمل شاب لهجته الحادة حين قال:
هما مين اللي قالوا يا نبيلة؟ ابنك و اخواتك. يا ترى كلهم وحشين! و ياترى عمر هيكذب عشان يشوه صورة أمه بالشكل دا قدام الناس! و ياترى هيزيف حقايق بقالها سنين و سنين!
هبت من مكانها تندفع تجاهه وتسقط جالسه أمام مقعده وهي تتقن ذرف عبراته الغزيرة التي عززتها بكلماتها المؤثرة حين قالت:.

ضحكوا عليه يا عز. ممتك و نسمة ضحكوا عليه و كرهوه فيا. هو دا اللي بيعملوه معاك من سنين وانا مصدقتهمش لكن هو عشان صغير. صدقهم. زيفوا الحقايق في عينيه و كرهوه في أمه. ممتك نفذت كلامها لما قالت هكسرك بابنك، و نسمة اللي كانت بتكرهني كره العمى و عايزاك تطلقني. أنت نسيت يا عز؟!
صمت عز لثوان يناظرها بأعيُن تحمل اللوم و الغضب ليُفاجئها حين قال:
لا مش ناسي.
هتفت بلهفة وابتسامة خرقاء تزين ملامحها:.

أهو ادي انت افتكرت...
قاطعها حين قال بجفاء:
أنا دلوقتي بس افتكرت أن نسمة عمرها ما قالتلي عنك كلمة وحشة زمان. افتكرت يوم ما ضربتها لما قولتيلي أنها على علاقة بصابر كل اللي قالته كان حسبي الله ونعم الوكيل.
اهتز بدنها من حديثه و عينيه التي لأول مرة تطالعانها بهذه الطريقة ليُتابع بنبرة غليظة:.

أنا عايز انسى. عشان لو افتكرت هكرهك و هكره نفسي. انا لو فعلًا أتأكدت اني ظلمت أختي السنين اللي فاتت دي كلها بسببك مش عارف ممكن اعمل فيكِ و في نفسي أية؟
كانت القسوة تتبلور في ملامحه و نبرته وكلماته مما جعل حلقها يجف من فرط الزُعر لتحاول اخراج الحروف من بين شفتيها ولكنها عرتها و خرجت مرتبكة حين قالت:.

ع. عز. أنت. أنت مستحيل تكون. تكون بتتكلم جد. دا انت. دا انت شوفت بعنيك. أنت. انت ناسي لما كانوا بيوقعوا بيني وبينك و بيحاولوا يشوهوا صورتي قدامك.
عز باستفهام:
تقصدي زي يوم الساعة مثلًا!
نبيلة بلهفة:
أيوا. يوم الساعة. فاكر. كويس انك فاكر. أهو ربنا ظهر الحق شوفت اني مبكذبش!
عز بسخرية مريرة:.

فعلًا ربنا ظهر الحق. عشان اليوم دا انا مسمعتش حد غيرك أصلًا. أنتِ اللي جيتي تعيطيلي و تقوليلي ساعتي الألماس ضاعت، و انك شوفتي نسمة خارجة من أوضتك، و لما روحت فتشت اوضتها لقيت الساعة في أوضتها. يومها ضربتها و بهدلتها من غير حتى ما اسمعها.

كان الألم يتبلور في عينيه وقلبه حين تذكر ملامحها وذلك القهر الذي كان ينبعث من عينيها و بكائها الذي يتردد صداه الآن بصدره، فقد أدرك الآن أن للحقيقة وجهًا آخر. وجهًا أكثر بشاعة مما ظن، ولهذه الملامح الملائكية الماثلة أمامه أيضًا وجهًا آخر يخفي الكثير والذي يعلم أنه لن يسره رؤيته.
امشي.

هُدِم عالمها رأسًا على عقب و تصدعت قشرة الأمان التي ظنته أبديًا لتجد نفسها في مواجهة شخصًا كان بيوم من الأيام حصتها المنيع و سلاحها الفتاك في مواجهة الجميع، و هاهو يقف أمامها بأعيُن يلتمع بهم كل شيء ماعدا الحب مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهو تقول بشفاة مرتجفة:
عز. أنت. ظالمني.
عز بنبرة اشبة بالصراخ:
قولتلك امشي...
ارتجف جسدها و أرتد إلى الخلف قبل أن تستدير مهرولة إلى خارج الغرفة.

علي الإنسان أن يتعلم بألا يثق بصلابة الجدران التي يستند عليها ولا الاتكاء بكامل ثقله فوق الحصون التي شيدها حول نفسه، فالتاريخُ على مر العصور أثبت لنا أن القلاع المنيعة سقطت حين ظنّ أصحابها أنها لا تُقهر.
عودة إلى الوقت الحالي.

عاد إلى أرض الواقع وهو يشعر بالتخبط جراء كل ما يحدث معه، لا يعرف الصواب من الخطأ، وقد كان هذا الأمر مؤسف كثيرًا لشخصٍ في مثل عمره أن يكون فاقد القدرة على معرفة الخطأ من الصواب و أن يقف أمام عائلته لا يعرف هل يجب عليه احتضانهم ام الفرار منهم؟

في هذه اللحظة وصل كمال إلى المشفى بملامح واجمة حزينة كأرض معركة غطاها رماد الخسارة و ضياع الأحلام، ووجه مغبر و كأنه خرج لتوه من فوهات الجحيم، يحمل في تقاسيمه وعثاء السفر في طرقات الألم التي لا تنتهي، حيث الحزن هناك ليس مجرد شعور، بل غشاء صلب من الإنكسار يغلف ملامحه و يحيط بقلبه، فما أن رأته ميرهان حتى اندفعت إليه لترتمي بين ذراعيه وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:.

الحقنا يا أبيه كمال نبيلة بتضيع مننا.

كانت جملة قاسية بالرغم من كل شيء، ولكنها لم تكون أقسى ما مر به، لذا لم يهتز أو يتصدع ذلك الغشاء الذي يغطي ملامحه، فتلك الفتاة العالقة بين ذراعيه لم تكن شقيقته و مدللته كما في السابق، بل أنها كانت أحد الخناجر التي طعنته في صدره ذات يوم لذا جذب نفسه من بين ذراعيها بطريقة أثارت صدمة الجميع ليتوجه إلى خالد الذي هاله مظهره و خاصةً تلك الدماء التي تحتقن في مقلتيه مما جعله يعاجله الحديث حين اقترب منه:.

في أيه يا كمال!
كمال بجمود:
مفيش. طمني حالتها أيه؟
خالد باختصار:
لسه منعرفش.
علي الرغم من حديث خالد المختصر ولكن عينيه كان بها الكثير من الاستفهامات التي لا يستطِع كمال الإجابة عنها، فكيف يعبر الكلام عن ألم لا يمكن حتى للضلوع إحتوائه!
مرت لحظات عصيبة قبل أن يخرج عمر من الغرفة، فمنذ وصوله وهو مع الأطباء في الداخل ليندفع الجميع نحوه و على رأسهم هايدي التي صرخت قائلة:
ماما عاملة ايه يا عمر. طمني أبوس إيدك.

عمر بتعب:
الحمد لله. الجرح مكنش عميق خيطناه و وقفنا النزيف، و الحمد لله هي بقت أحسن.
صرخت الفتاتين في آنٍ واحد:
عايزين نشوفها.
أومأ عمر برأسه قبل أن يقول:
هينقلوها أوضة عادية، و هطمن عليها و بعدين ادخلكوا.
ضاق ذرعًا من نحيبهم ليقوم خالد بجذب عمر من يده جانبًا وهو يقول باستفهام خشن:
عرفني حالتها عاملة ايه بالظبط.
أجابه عمر قائلًا:.

زي ما قولت. حاولت تقطع شرايين إيدها، و الحمد لله الجرح مكنش عميق. و قدرها توقف النزيف وعلقنالها دم عشان الدم اللي فقدته وأن شاء الله هتكون كويسة.
متأكد يا عمر يا ابني؟
هكذا تحدث عز بلهفة جراء القلق، فقد كان يشعر بالذنب تجاهها و يلوم نفسه أيضًا على ما حدث لها، فلم يحسب حساب لكلمته التي جعلت ملامح عمر تتجعد من الاندهاش للحظات قبل أن تعود لطبيعتها وهو يقول باختصار:
متأكد. اطمنوا.

كان كمال هو أول من تحدث حين قال:
ألف سلامة عليها. لو احتاجت حاجة يا عمر كلمني. انا همشي.
تفاجئ الجميع من جفائه، فهو لم يكُن بحياته قاسياً على شقيقاته ولم يكن يتخلى عن أيًا منهمَ في مثل هذا الوضع مما جعل هايدي تهتف بحنق:
هتمشي و تسيب مامي في الحالة دي يا خالو؟
في طريقه للمغادرة رمقها شذرًا وهو يقول:
كفاية انتوا معاها.
التفتت ناظره إلى الرجال الثلاثة و هي تهتف بانفعال:.

للدرجادي ماما مش فارقة معاه! يمشي و يسيبها وهي في الحالة دي؟
لم يُعطي خالد لحديثها أهمية، فقد كان فكره منشغلًا بكمال، و كذلك صمت عز الدين ليُجيبها عمر بجفاء:
بطلي افورة قولتلك حالتها بقت كويسة، و بعدين كلكوا هتروحوا، مالوش لزوم تستنوا هي كدا ولا كدا هتروح على الصبح.
لم يُعجبها الحديث لتقترب من خالد وهي تقول بنحيب:.

سامع كلامهم يا خالو! سامع يا بابا؟ معقول ماما ملهاش اي غلاوة جواكوا للدرجادي! عشان كدا مامي حاولت تنتحر. عشان كل الناس اللي بتحبهم خذلوها، و باعوها. مامي تستحق ناس أحسن منكوا.
نجحت في تحريك رماد الندم في داخلهم ليقترب منها عز الدين يحتضنها وهو يقول بحنو:
ممتك غالية عندنا كلنا يا هايدي، و كلنا حواليها محدش فينا هيقدر يسيبها.
كانت عينيها تنظران إلى خالد الذي أيد حديث عز الدين قائلًا:.

اسمعي كلام باباكي يا هايدي و مينفعش تقولي الكلام دا. لو مكنتش ممتك غالية علينا. مكنش زمانا موجودين هنا دلوقتي.
هايدي قاصدة كل حرف تتفوه به:
ماما محتاجة تحس بدا يا خالو. محتاجة تحس انها غالية عندك، و تسمع منك دا. مش كل شوية تسمع كلام زي السم، و يتحرم عليها البيت اللي اتولدت فيه، و تنصر عليها ناس...
هايدي...
هكذا قاطعها خالد بنبرة جافة جعلت الحروف تعلق في فمها ليمد يده ويربت على خدها وهو يتابع بتحذير:.

متدخليش في حاجات متخصكيش. مش أنتِ اللي هتعرفيني اتعامل مع أختي ازاي. ادعي لممتك تقوم بالسلامة و بس. دا المطلوب منك.
كان حديث خالد كفيل بإغلاق الأمر عند هذه النقطة ليغادر عمر متوجهًا للغرفة الراقدة بها والدته ليجدها غافية فتوجه ليجلب مقعد و يجلس أمامها وهو يناظرها بحزن تعشعش في ملامحه نازعًا كل الأقنعة التي يرتديها أمام الجميع ليطلق زمام جميع مشاعره في هذه اللحظة حين قال:.

يعز عليا أوي اشوفك كدا. أنا عارف انك زعلانه مني. بس انا كمان زعلان منك أوي. انا بحبك يا ماما. بس زعلان منك. أنتِ خذلتيني. خذلتي الطفل اللي جوايا.
تناثرت عبراته وهو يتابع بألم:
كل طفل ببشوف أمه أعظم أم في الدنيا. بس أنتِ حرمتيني من اني اشوفك كدا. كل مرة كنت بشوفك بتكذبي و بتأذي عمتي كنتِ بتخذليني. كان نفسي أنتِ اللي تعلميني كل حاجة حلوة. بس أنتِ مكنتيش شيفاني. كان كل حاجة عندك أهم مني.

محى عباراته التي اغرقت مقدمة صدره بكفوفه المرتعشة و هو يتابع بنبرة يفوح منها رائحة الألم:
كل طفل بيغير على أمه بيكون عايزها تهتم بيه لوحده. تديله كل حبها. بس أنتِ مكنتيش بتعملي كدا. كنتي مركزة مع بابا و كأن مفيش في الدنيا غيره. مكنتيش حتى بتسمعيني. خلتيني اكتره اشوفه جنبك. كل حاجة في البيت كنت بكرهها. حتى وقت الأكل. عمرك ما شوفتيني كلت ولا لا؟ شربت ولا لا؟ ذاكرت ولا لا!

تعالت نهنهاته وهو يتابع بحرقة:
حتى لما كنت بحاول ألفت انتباهك بأي حاجة حلوة انا عملتها مكنتيش بتكلفي خاطرك تشوفيها ولا تشوفيني. كان نفسي مرة تستنيني وانا جاي من المدرسة، و تطمني عليا زي ما كنتِ بتستني بابا وهو جاي من الشغل. كنت بحتاجك كتير أوي يا ماما. مكنتش بلاقيكي.
حاول قمع كلماته و مكنوناته التي قد تؤذيها لذا قال بنبرة مُلتاعة:.

أنا آسف يا ماما. بس انا كنت محتاجك زيي زي أي طفل. محتاج اتحب منك عشان اعرف أحب. محتاج حنيتك عشان أشبع و اتعلم اني ادي. انا طول الوقت عايز أخد عشان أنا مشبعتش. انا أناني يا ماما أناني. طول الوقت عايز أشبع من كل حاجة و مش عارف. حاسس اني اتحرمت من حاجات كتير أوي، ومش بعرف انسى. انا كل حاجة حصلت زمان فاكرها كأنها النهاردة. غصب عني سامحيني.

انحنى فوق كفها يلثمه بشفتيه وهو يبكي لا يعرف هل يبكي طفولته المشوهة! أم يبكي حاضره الأليم أم يبكي الاثنين معًا؟

جرجرتيني قدام اخوكي و لبستي الوش الحنين قدامه وهو و جوزك. أقدر اعرف بقى عايزة ايه؟ و ياريت تجيلي دوغري.
هكذا تحدثت غنى وهي تناظر هيام باحتقار لتقول الأخيرة بهدوء تُحسد عليه:
عايزين نصفي اللي بيننا.
قلبت غنى عينيها بملل و اجابتها بجفاء:
ما قولنا بقينا لوحدنا مالوش لزوم التمثيل دا.
هيام بلهجة ناعمة تحمل في طياتها التحذير:.

لا اتعدلي و أنتِ بتكلميني و اعرفي اني لا ضعيفة ولا بتذللك. انا بس هرصلك الورق كله وأنتِ اختاري و اتحملي نتيجة اختيارك.
غنى باختصار:
سمعاكي.
هيام بنبرة قوية:.

دلوقتي اللي بره دا ابني اللي متشقتلوش بطني. وحتة مني معنديش اغلى منه هو والتاني. عارفة حمادة ابني! مش في غلاوة ياسر و يزيد. الدنيا فرمتنا و جابتنا و ودتنا و اللي خلانا لسه عايشين أننا كلبشنا في بعض. مفرطناش في بعض أبدًا، و مش هيحصل. دوقنا المر ألوان و مكنش بيحليه غير لمتنا.
صمتت لثوان ترى وقع الحديث على غنى قبل أن تُتابع بصدق:.

في الأول لما ياسر جه وقالي أنه رايدك مكنش عندي مشكلة و قولت أمين. وماله اللي بدأ بقلة الأصل و البهدلة كانوا اهلك. امك دي مخلتش بيت في الحارة غير و قعدت و شتمت علينا و على أخويا، و مع ذلك اكتمت حطيت في بقي جزمة و سكت. لكن توصل أنها تهيني في وشي وتقولي هبلغ عن اخوكي و هوصي عليه ناس تكسرلك عضمه، لا يا حبيبتي. أنا مش عشقاكي في الضلمة يا عنيا. مش أنتِ اللي هتحيينا! حقي أخاف على أخويا ولا لا؟ جاوبيني بحق ربنا.

كانت تعلم في قرارة نفسها أن والدتها أخطأت و تشارك هيام ذنبها، ولكن من دفع ثمن هذا الذنب ليس هذه ولا تلك لا هي و هو لذا أجابتها بألم:
أنتوا اللتنين أسوأ من بعض...
هيام بنفي قاطع:
لا، أنتِ كدا ظالمه. دا مش عدل. أنا كنت موافقة ومرحبة و اخويا اترفض من أهلك مرة واتنين وسكت. لكن لحد الأذى و مش هسكت. أنتِ لو مكاني كنتِ سكتي! كنتِ هترمي ضناكي في النار؟! ردي يا صبية. ساكتة ليه؟

احتارت بماذا تجيبها ولكنها في النهاية قالت بغضب:
ماشي متسكتيش. بس متبعتيش واحدة تتبلى عليه. أنتِ متعرفيش أنا شوفت ايه في جوازتي.
هيام بتوضيح:.

لا عارفة، و قلبي اتمزع لما عرفت. لكن دا ذنب اهلك مش أنا. انا اللي جبتلك العريس؟ أنا اللي قولتله روح خبط على بابهم؟ أنا اللي قولتله يعمل فيكي كدا؟ لا يا حبيبتي. انا بريئة من ذنبك. ذنبك في رقبة أهلك هما اللي رموكي الرمية السودا دي. انك قالتلي في قلب الصالة اللي بره دي. بنتي تروح للي يتاقلها. لا جابت سيرة يصونها ولا يحافظ عليها ولا غيره.

كانت محقة، فمن وضعها بين أنياب اولئك الوحوش هم أهلها، ولأن الأمر مؤلمًا لم تريد التعمق به أكثر لذا قالت بنبرة مُتحشرجة:
اللي حصل حصل يا هيام وربنا هيدي كل واحد اللي يستاهله. أنتِ عايزة ايه دلوقتي؟
هيام بنبرة هادئة و أعيُن تترقب جميع انفعالات غنى:.

عايزة نتصافى زي ما قولتلك، و ياسر ميتلطمش في الشغل عند الناس. انا مش عملت دا كله عشان في الآخر أخويا يتبهدل عند حد. الراجل اللي بره دا لو طلعتي سألتيه هيام اتجوزتك ليه وطلبت مهرها منك أيه؟ هيقولك اتجوزتني عشان اخواتها و مهرها مني كان اني اقف جنب اخواتها، لا ياسر ولا يزيد يعرفوا بالكلام دا. انا بقوله لك عشان تعرفي ان ياسر و يزيد دول حتة من قلبي، و مش هفرط فيهم لحد آخر نفس فيا.

كانت الصدمة تخيم على ملامحها وتولد بداخلها خوفٌ كبير من هذه المرأة، من الواضح أنها بالفعل تحب أشقائها ولكنها تخيفها و كثيرًا و على الرغم من ذلك لم تستطع منع الحديث من التدفق من بين شفاهها حين قالت:
و كان فين كلامك دا الصبح لما جيتي هنتيني وشتمتيني و استغليتي غياب أخوكي.
هيام بلهفة:.

و عايزة مني اعمل ايه؟ لما المحروقة حماتك تجيلي لحد عندي وتقولي أن اخويا اتحبس عشان كان هيموت ابنها لما شافك واقفة معاه! لا و كمان بتقول انكوا متفقين تتقابلوا! مفروض اجي أطبطب عليكِ؟

توقفت الأنفاس بحلقها حين سمعت حديثه هيام عن ما أخبرتها به تلك المرأة اللعينة التي لم تكتفي ما فعلته به سابقاً بل و تشوه صورتها بهذه الطريقة القذرة لتندفع العبرات من مقلتيها من شدة القهر لتستغل هيام الوضع وتقوم بامساك يدها وهي تقول بحدة:.

ما تجمدي كدا اومال. أنتِ هتدوريلنا العياط كل شوية، و بعدين أنا لما هديت وفكرت عرفت أن المدعوقة دي بتقول أي كلام وخلاص. لكن وحق لا إله إلا الله مبقاش هيام لو ما جبتلك حقك منها تالت و متلت، و هخليها تفكر ألف مرة قبل ما تنطق اسمك حتى. ها قولتي أيه؟ صافية لبن و نطلع دلوقتي نبلغ الريس أننا اتصافينا ولا هنفضل منكدين على الراجل كدا؟!

بهتت ملامح غنى و تشوش عقلها من كل ما يحدث وقدرة هذه المرأة على جعل الرأس يدور و العقل يعجز عن التفكير، لتمر ثوان وغنى تنظر إليها فقط لتهتف هيام بلهفة:.

طبعًا أنتِ زمانك عايزة تقولي طب لو أنا سامحتك ياسر هيسامحك؟ هجاوبك. انا اكتر واحدة في الدنيا عارفة الطريق لقلب ياسر، و مفاتيحه كلها معايا، و أن متصالحناش النهاردة هعرف أصالحه بكرة. متقلقيش. يالا بقى فكي عقدة لسانك دا و قولي اتصافينا ولا هنشد في شعور بعض؟

الفصل التالي
بعد 11 ساعة و 21 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة