قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الخامس والعشرون

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الخامس والعشرون

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الخامس والعشرون

رماح الهلالي في قصر الوتايدة. يا مرحب يا مرحب.

هكذا تحدث خالد بنبرة جهورية و ملامح يغلفها القسوة، يتوجها عينين حادتين تنظران بقوة و تحدي إلى داخل عيني هذا الحقير الذي كان ينهج كالثور صدره يعلو و يهبط بعُنف وهو لا يتخيل أن هناك سدًا منيعًا بينه وبين إمرأة حياته التي حارب لأجلها أعوام مضت و فعل الممكن و المستحيل حتى تصبح بين يديه. هناك نزعة بدائية بداخله تأمره بفتح فوهات النيران على هذا القصر اللعين الذي يحجبها عنه و ساكنيه و لكن سيحدث ذلك و هذه المرة سيتأكد من محوهم جميعًا من الوجود.

فقد واجه هذه العائلة لأجلها في السابق و انتصر و اليوم تتكرر المواجهة ولكنه سينتصر أيضًا لذا حاول تحجيم شره الهائل أمام هذا الوحش الذي يبتسم في وجهه ولكن عينيه تحملان تحذيرًا بأنه على أتم استعداد للثأر لذا تحدث رماح بنبرة ساخرة: مرحب بك يا يا خالد باشا. لساتك بتعرِف في الأصول كيف چدك الله يرحمه.
خالد بنبرة ماكرة يغلفها السخرية: الله يرحمه. كويس ان قلبك أبيض و بتترحم عليه بعد اللي حصلت منه آخر مرة.

تجمدت الابتسامة الساخرة فوق شفتي رماح الذي تذكر تلك الإهانة الكبيرة الذي تلقاها على يد ذلك العجوز حين طرده و أخبره أن ابنته العزيزة أغلى و أثمن من أن يُعطيها لحقير مثله.
رماح من بين أسنانه: أني مش چاي في شر اني چاي أخد مرتي وامشي.
تدخل رحيم الذي يقف بكتف خالد و في الناحية الآخرى كان ياسر: ملكش حريم عِندينا. احنا اللي لينا تار عندِك.

هتف ياسر الذي كان ينظر إليه و كأنه أسد جائع وجد فريسته بعد عناء: و جاهزين ناخده حالًا.
تفرقت نظرات رماح ما بين الثلاث رجال بغضب يتسم بالعجز، فهو لن يستطِع التعبير عنه و إلا فلن يخرج حيًا لذا توقفت أنظاره على خالد وهو يقول بحنق: صافية مرتي...
قاطعه خالد الذي تجعدت ملامحع و اسودت عينيه وهو يبتسم بشراسة تجلت في نبرته حين قال: لو راجل ادخل خدها.

لم يتوقع رماح إجابته لتخيم الصدمة على ملامحه للحظات قطعها خالد الذي زمجر بوحشية: مستني منك تخطي خطوة واحدة بس، وأنا وشرف أمي لهكون دافنك مكانك أنت و كلابك دول حتى لو هتكون آخر حاجة هعملها في حياتي.

كان يرى بأم عينيه كم أن هذا الرجل يقصد كل كلمة يتفوه بها، فقد كانت ملامحه متعطشة للدماء وكأنه أحد الوحوش البدائية التي تحيا على القتل و سفك الأرواح، وقد كان هو الآخر يشاركه الرغبة في القتل، ولكنه لا يريد الموت لذا هتف بنبرة مسمومة: اللي خلاني خدتها من خشم السبع زمان. لما چدك الكبير خباها مني و بنى بيني وبينها الف سور. هيخليني اخدها منِك بردك. متجلجش.

ابتسم خالد بطريقة مرعبة اضفت وقودًا مشتعل فوق نيران رماح الذي تفاجئ حين بتر ضحكته الرنانة و عاد الغضب الأعمى يلون ملامحه وهو يهتف بكلماتِ كان ك نصل سيفٍ بارد يوضع على العُنق، كل حرفٍ فيه كان يقطر وعيداً: بس انا مش مخبيها منك زي ما جدي عمل زمان. أنا دخلت بيها قدامك أنت و كلابك، و مقدرتش توقفني، و بردو مش باني بينك وبينك ولا طوبة واحدة. عشان توصلها عديني.

كان يعلم أن ذلك الوحش الغاضب لن يتردد في القتال حتى الموت و إن كان يتحدث عن نفسه فهو يقصد جميع أبناء عمومته معه، فقد أراد إيصال معنى واضح وهو أنهم جميعًا شخصًا واحد، فاولئك النمور التي تقف بجانبه و الآخرين الذين يعج بهم المكان لن يترددوا أبدًا في الدفاع عن بعضهم البعض، فقد رأى ذلك في الماضي و يدركه جيدًا، وان نظر إلى قاعدة القوة تغلب الشجاعة، فهو يفتقد الإثنين في هذه اللحظة لذا اومأ برأسه وابتسامة كريهة تلمع فوق شفتيه سرعان ما انمحت حين شاهدها تقف أمام باب القصر وخلفها ثلاث رجال يعرفهم جيدًا، كمال، عمر، يزيد.

بهتت ملامحه و تسارعت دقات قلبه وهو يرى ابتسامتها الشامتة و لمعة الانتصار التي تغلف عينيها، فهي لم تنفك تخبره طوال السنوات التي قضتها في محبسه بأنها ستتحرر منه، و ستعود إلى مكانها بين أهلها، وها هي اليوم تُعلِن انتصارها مما جعل الجنون يلون نظراته ليقوم بوضع يده فوق السلاح و هو يضغط بقوة يجاهد غضبًا مُريعًا يفترسه و يأمره بسحب السلاح و إلقاء نفسه في معركة الموت لأجل انتزاعها من بين براثنهم، وقد كان مظهره لوحة حية عن القهر والغضب أثلجت صدر الرجال جميعًا، فقد كان خالد يتذكر جيدًا مدى القهر الذي عايشه جده و والده حزنًا على عمته.

أكده يا وتايدة. وماله. مبروك رچعة الغالية وسطيكوا يا خالد. افرحوا و أشبعوا من بعض. محدش يعرِف بكرة في أيه؟ يمكن چايب موت و خراب...
تدخل ياسر هذه المرة بنبرة شرسة: هو فعلًا جايب كدا انت مكذبتش. روح بقى الحق اعمل حاجة لأخرتك. بدل ما يبقى خراب عليك دنيا وآخرة.
سانده رحيم هو الآخر قائلًا بسخرية: يعز عليا والله امشيك جفاك يجمر عيش ما احنا بردك من بلد واحدة. بس امشيك على رچليك أحسن ما تطلع على ضهرك.

جذب اسماعهم طرق كعب حذاء على الأرض واثق و متناسق و كأن صاحبته تتحرك على أنغام نوت موسيقي لتتنبه حواس الجميع حين سمعوا صوت صافية القوي وهي تقف على بعد خطوات من الرجال الثلاثة: أيه يا كبيرنا. هي الكلاب لسه متصرفتش كلات ده ليه؟ بزياداهم عويل لحد أكده. فال وحش.

كانت لحظة إنتصار مجنونة ولكنها عاشت أكثر من نصف عمرها تتمناها. أن تأتي اللحظة و تقتص ممن سلب منها حياتها وعائلتها و سلامها النفسي و كل شيء و لم تستطِع مقوماتها، فقد كانت تنظر إليه بتشفي وانتصار، وهي محاطة بسياج من الرجال الأشداء الذين لن يتوانوا عن الدفاع عنها، ولكم أسعدها هذا الشعور الأمان. يالها من كلمة افتقدتها لسنوات، والآن تشعر بها و تستمتع بحلاوتها.
ماشيين يا غالية. عرفوا غلطهم خلاص.

هكذا تحدث خالد الى رماح الذي كانت ملامحه مزيج من الغضب والألم والقسوة معًا، فقد أذلته كلماتها و نالت منه، و لسوء حظه كان في أكثر لحظاته ضعفًا، فهو يرى بعينيه أنهم يفوقونه بكثير هو و رجاله عددًا و عتادًا، فقد وقع في فخ مُحكم أعده لها هذا الوحش الذي أصبح الآن يمقته مثلما يمقت الإنسان جهنم، لذا ابتلع جمرات ويلاته و خيبته و ذله وهو يقول بنبرة تعج بالغضب العنيف: واللي خلج الخلج ما في حاچة من اللي حُصلت اهنه دي هتعدي على خير.

كانت تلك الكلمات أقصى ما يستطِع قوله الآن و إلا فلن يستطِع القبض على زمام الصبر أكثر من ذلك، فاستدار وهو يأمر رجاله بالمغادرة، و ما كاد أن يصل إلى بوابة القصر حتى سمع صوت طلقات نارية أطلقها رحيم من فوهة سلاحه، فهي عادتهم في الأفراح أطلاق النيران في الهواء و كأنه يعلن انتصارًا ساحقًا و فرحة عارمة
متفقناش على كدا يا صافية.

هكذا تحدث خالد مُعاتبًا لتنهمر العبرات فوق وجنتيها وهي تقول بتوضيح: مجدرتش يا خالد. غصب عني. عشت عمري كله في چحيمه بتمنى أخرچ للنور. كان نفسي أدوقه الجهرة اللي جهرهالي أنا وأبوي و أبوك و الوتايدة كلاتها.
تقدم رحيم يربت بحنو على كتفها وهو يقول: هوني عليكِ يا عمة. و بلاش دموعك دي. خلاص أهو غار في داهية.
كمال بغضب: بس مخلصناش منه. الكلب دا مش هيعدي اللي حصل على خير.

تبادل خالد نظرات ذات مغزى مع رحيم قبل أن يتوجه إلى صافية و يمسك بيدها وهو يستدير قائلاً بمرح: سيبك أنتِ بس ايه الأداء العالي دا؟
هرول يزيد يتأبط ذراع صافية من الجهة الآخرى وهو يقول بمرح: يخربيتك يا عمتي دا انا خوفت منك وربنا. كنتِ فين السنين اللي فاتت دي دانا ياما اتروقت و اتكسرتلي نضارات.

صافية بابتسامة جميلة: أني عروجي بيچري فيها دم الوتايدة يا دَكتور، و اللي بيچري في عروجه دم الوتايدة لازمن يوبجى قوي، و ميهابش حاچة واصل.
سخر خالد قائلًا: سامع يا بغل. مش تقولي ياما اتروقت!
قهقه عمر القادم من الخلف: أه يا عرة الوتايدة. ياللي فاضحنا في كل حتة. الواد دا باين عليه لسه تقاوي وتيدي صغير. نستنى عليه لما يكبر يمكن أداؤه يتحسن.

في الخلف كان الرجال الثلاثة كمال، وياسر، و رحيم يقفون بمكانهم ليقول الأخير بتحذير: خلي بالك منك له. الأوضاع أكده مبجتش تطمن. بقيت العداوة عيني عينك. و كل واحد فيكوا لازمن يمشي حاطط عينه في وسط راسه. الكلب ده عرِف أنه عمره ما هيجدر يوقف جدامنا راس براس يوبجى هيبتدي يوسخ.

زفر ياسر بغضب، فقد كان يود لو يفتك برأس هذا الشيطان ولكنه لم يستطِع التعدي على سلطة أبناء عمومته و على رأسهم خالد الذي هو كبيرهم الآن لذا هتف بحنق: أنا مسكت نفسي بالعافية اني اخلص عليه. نفسي أشفي غليلي منه.
رحيم في محاولة لتهدئته: هيحصل. صدجني هيحصل. بس في حاچات كتير لازمن تتعمل جبل أكده، مش عايزين نچاسته تطول حد من العيلة.

كمال بنفاذ صبر: يالا ندخل عشان الناس اللي جوا دول زمانهم ماتوا من الرعب، وبعدين نبقى نشوف هنعمل ايه.
توجه الرجال الثلاثة إلى الداخل ليجدوا الجميع في مكانه، ولكن أعينهم جميعًا تلمع باستفهامات لم يجرؤ أحد على الإفصاح عنها ليبدأ رحيم بالحديث قائلاً: جصر الوتايدة نور بوچودك يا غالية.
صافية بابتسامة مُحِبة: جصر الوتايدة منور برچالته اللي كيف الأسود. ربنا ما يحرمني منِكوا و يبارك فيكوا العمر كله.

كانت النساء تنظر باندهاش إلى هذه العلاقة الغريبة، و النظرات الممتنة والهائمة بهذه المرأة لتهمس غنى في أذن آسيا قائلة بخفوت: هما مالهم متنحين كدا ليه؟ هي مين الست دي؟
آسيا بملل: ايه الغباء المستحكم دا! ما قالوا خمسين مرة عمتهم.
شروق باستنكار: أيوا ايه يعني عمتهم! هما مالهم عاملين عليها كدا ليه؟
آسيا بسخرية: تقريبًا دي آخر النساء المحترمات في العيلة الغبرة دي.

كانت نجاة في وادٍ آخر ما أن وصل إلى مسامعها اسم والدها لتبدأ دقات قلبها يعزف الخوف بجنون جعل الدماء تتضرج إلى وجنتيها لتتفاجيء حين اصطدمت بنظرات رحيم الذي كان الغموض يلون ملامحه و عينيه، ولكنه سرعان ما ابتسم وهو يقول بصوته المُجلجل: معيزاش تتعرفي على مرتي يا عمة ولا ايه؟
صافية بنبرة ودودة: كيف ده! أني عايزاك تعرِفني على كل البنات الحلوين دول.
رحيم بمرح: طب نبدأ بالكبير بجى.

كانت تجلس إلى جانبه بصمت، فهي لم تتغلب على صدمة المشهد السابق بعد، ولكن هناك شيء غريب يحدُث فالجميع يقمع تساؤلاته و يتبع سير الأحداث الذي وضعها هو و كأنهم في لعبة هو من يضع قوانينها فقط.

في هذه اللحظة اصطدمت عينيه التي كانت الهدوء يغلب على سماءها بعينيها التي كانت غائمة بقلق وحده يدركه ولكنه كان هادئًا غامضًا كما عاهدته لتتفاجيء حين مد ذراعه يضعها فوق كتفها وهو يقول بنبرة يدوي العشق بين طياتها: أشجان. مراتي يا صافية.
ناظرتها صافية بمحبة قبل أن تقول بنبرة صعيدية جميلة: أشجان! اسمك چميل بس أنتِ أجمل. ذوقك حلو يا جلب صافية.

كانت رنا في الجانب الآخر ليحتضنها خالد وهو يقول بحُب: و دي برنسيس رنا. أميرتي الحلوة.
خجلت الصغيرة كثيرًا ولكن فرحة عارمة اجتاحتها لإطراء خالد عليها لتبتسم صافية بحُب وهي تمد يدها الى الفتاة التي التفتت إلى خالد ليوميء برأسه، فنهضت و تقدمت من صافية بخجل لتجذبها الأخيرة إلى أحضانها وهي تقول بحنو: حبيبة جلبي، و بت الغالي.

شعرت رنا بالراحة إلى جانب هذه المرأة الجميلة لتبتسم بخجل تجلى في نبرتها حين قالت: أهلًا بحضرتك.
ضمتها صافية إلى أحضانها بقوة ليجذب انتباهها صوت خالد الذي قال بجمود: و دي ميرهان أختي واللي جنبها هايدي بنت نبيلة.
كانت وجوههم جامدة و ابتسامتهم لا تحمل ترحيبًا مما جعل صافية تقول برسمية: أهلًا بالصباية.

تحدث رحيم الذي نظر إلى نجاة وهو يقول بنبرة ذات مغزى: و دي نچاة مرتي يا عمة. تعالي يا نچاة سلمي على عمتي صافية.
كانت تحاول تهدئة أنفاسها الثائرة، و خاصةٍ حين شعرت باهتزاز هاتفها الذي سرعان ما أضاء مُعلنًا عن رسالة نصية جعلتها حروفها تتصبب عرقًا: يا بنت الهلالي اوعاكِ تنسي أنتِ مين وبت مين! و اعرفي انك دلوك جاعدة في وسط اللي جتلوا چدك و عمك، و حاولوا يجتلوا أمك.

لحظات و كانت جميع الأعيُن عليها مما جعل جسدها يتجمد في مكانه وهي غير قادرة على الحركة أو إبداء أي ردة فعل لتشعر شروق بأن هناك شيء ما يحدُث معها مما جعلها تمسك بيدها وهي تهمس بخفوت: ضي. قومي سلمي.

في تلك اللحظة التي تفوهت بها شروق كانت غنى من الجهة الآخرى تهديها ضغطة بسيطة فوق ذراعها و كأنها دعم غير منطوق شعرت بأنها في حاجة إليه لتستطِع أخيرًا رسم ابتسامة بسيطة فوق شفتيها وهي تنصب عودها لتتقدم من صافية و تمد يدها للسلام عليها، ولكن الأخيرة شعرت بشيء ما في عيني نجاة شيء أخافها لا تعرف سببه ولكنها مدت يدها لتسلم عليها، فإذا بالأخيرة تتراجع ليوقفها حديث رحيم الذي هتف بنبرة رخيمة: تعالي يا نچاة اجعدي چاري اهنه.

شعرت بالغضب منه في هذه اللحظة ولكنها لم تُعلِق إنما توجهت لتجلس بجانبه بصمت ليتدخل يزيد قائلًا بمرح: ايه التصوير البطيء دا. استني يا عمتي أنا هعرفك عليهم دي شروق حرم. لا مش حرم حد. كانت و خلعته باين. أو خلعت منه. أيهما أقرب.
زجره عمر في كتفه وهو يكاد يتحدث لتباغته شروق التي قالت بنبرة هادئة: أهلًا بحضرتك أنا شروق و بصراحة معرفش إذا كنتِ تعرفي ممتي ولا لا. بس تيتا سعاد جدتي و دي جميلة أختي.

تدخل خالد موضحًا: شروق تبقى بنت نسمة اخت عز الدين جوز نبيلة.
صاحت صافية بتذكر: أيوا. أنتِ بنت نسمة! تعرفي انك حلوة جوي شبه أمك كنك فولة و اتجسمت نصين. ألا هي فين؟
تدخل يزيد هاتفًا بتفاذ صبر: ماتت الله يرحمها. خلينا في اللي عايشين. دي جميلة أخت شروق.

قال جملته و عينيه تلمعان لتتدخل سعاد قائلة بتحفظ و رسمية: حمد لله على سلامتك يا صافية. أن شاء الله لينا قاعدة كبيرة سوى. تكوني عرفتي كل اللي فاتك. اعذريني معاد دوايا عدا.
صافية برسمية لم تخلو من الابتسامة الباهتة: تصبحي على خير.

اومأت سعاد برأسها، وهي تأمر الخادمة بإعادتها إلى الملحق وداخلها غاضب بشدة من كل هذه الأحداث التي تعيق مخططها لتتدخل نبيلة قائلة بنبرة ناعمة ولكن عينيها لم تكُن صافية أطلاقًا: وحشتينا يا صافية. مش مصدقة اني شيفاكي خصوصًا.
نظرة مُحذرة من خالد أخرستها ليهتف يزيد بنفاذ صبر: استني يا حاجة ام عمر بس اما نعرفها على باقية العيلة. دي بقى الست غنى هانم مرات الريس ياسر قومي فزي يا بت يا غنى اعبطي عمتك.

خرجت الضحكات من فم الجميع ماعدا ثلاثي الشر ليقول ياسر موبخًا: بت في عينك. اتلم ياد أنت.
تدخلت صافية قائلة بمرح: في أيه مالكوا كلكوا عالواد ولا اي! سيبوه يجول اللي يلد عليه.
صاح يزيد مُهللًا: ينصر دينك يا عمتي. هو دا الكلام.

تعالت قهقهات الجميع على حديثه ليُشير ياسر إلى غنى لتهب من مكانها و تتقدم تجاه صافية بخطوات خجلة متحفظة، فإذا بالأخيرة تعانقها بقوة مما جعل غنى تبادلها العناق وهي تقول بابتسامة مرحبة: أهلًا بيكِ يا عمتو.
كان هناك صراعًا دائرًا في الخلف ما بين ثنائي الشر ميرهان و هايدي و بين قطبي العناد والعشق كمال و آسيا التي ما أن سمعت يزيد يهتف باسمها
و دي بقى آسيا...

لتقاطعه وهي ترسم ابتسامة متحفظة على ملامحها وهي تقول بجمود: أنا آسيا أخت أشجان، و اتشرفت بمعرفتك.
برقت عيني كمال، فقد وضعته في أكثر المواقف حرجًا، فهي تملصت من انتسابها إليه كزوجة و الأدهى من ذلك حين نصبت عودها المغوي وهي تقول باختصار وابتسامة مُتكلفة: شوشو دقيقة لو سمحتي.

أنهت جملتها وتوجهت إلى الخارج، فلم يكُن ينقصها أن تُعرف أمام هذه الضيفة بأنها زوجته! فهي تنوي أن تنسى هذا اللقب في المرحلة القادمة إلى أن تتخلص منه.
تشدق يزيد ساخرًا حالما غادرت آسيا: دي آسيا القادرة خدي مني و متدوريش ورايا.
ابتسمت صافية وقد حانت منها نظرة إلى كمال الذي كان وجهه لوحة حية عن الغضب الذي تجلى في فكه المشدود بقوة وعروق رقبته البارزة لتعي بأن هناك الكثير مما لم يُقال.

في وسط جميع الأحاديث الصاخبة و الضحكات التي تذهب و تأتي كانت تجلس هي بوجوم سارحة في ذكريات لم تفلح يومًا في تخطيها، فقد نالت منها و بقوة وشوهت ماضيهم و حاضرهم، فلم تكن قادرة على منح ولو بسمة بسيطة مما جعل صافية تتحدث بنبرة جذابة تُشبِهُها: أني مبسوطة جوي اني جاعدة وسطيكوا. بس اعذروني ليا حبيبة عايزة اشبع منيها.

كانت عينيها على هيام التي لم تكُن تدرك شيئ سوى أنها تتألم لينظر إليها ياسر بحزن على حالها وعلى ما تمر به، فهو يشاركها الشعور و يعرف اي سطوة هي واقعة أسفل عجلاتها الآن ليتدخل خالد ينهي هذا الصمت الخانق: سيب هيام معانا النهاردة يا ياسر، و أنا اديت الحاج جابر خبر. هي و صافية محتاجين يقعدوا مع بعض و يتكلموا.

لم يجد ياسر بُدًا من الإذعان لحديث خالد الذي تلقى رسالة من قائد الحرس خاصته بأن الطرق آمنه في الخارج و قد اتخذ كافة الاحتياطات لحماية الجميع رغمًا عن أنف كمال الذي ما أن تواجد بمفرده مع شقيقه في المكتب حتى هتف ساخطًا: أنا مش عايز معايا حراسة يا خالد، و بلاش الجو دا انا مش عيل صغير.

خالد بنبرة صارمة: أنت مش بس هتاخد معاك حراسة. أنت هتسيب حراسة على المكان طول الوقت، و حراسة مُكثفة. على المزرعة كلها ايه مش خايف على ابنك!
صاح كمال بانفعال: خلصنا يا خالد. بلاش تضغط عليا. أنا أساساً من غير حاجة مش طايق. نفسي. رماح مش هيضربنا في الوش.
خالد بجفاء: كويس انك عارف، وعشان كدا لازم ناخد احتياطاتنا كويس.
كمال بضيق: طيب يا خالد. أنا همشي عشان تعبت و عايز أنام.

تحمحم خالد قبل أن يقول بنبرة أهدأ: حاول تتعامل مع البنات بطريقة أحسن من كدا شوية.
كمال باهتياج: مش هتعامل أصلًا. مبقوش أخواتي، ولولا الدم اللي بيننا كانوا هيبقوا أعدائي.
خالد بخشونة: مش وقته يا كمال.
كمال بنبرة قاسية تعج بالألم: في كل الأوقات هما خلاص انتهوا بالنسبالي. بلاش انت بالذات تضغط عليا في أي حاجة تخصهم.

اقترب خالد منه يربت بمواساة على كتفه قبل أن يقول بهدوء: مش هصغط عليك. لكن هقولك عشان خاطري بلاش نخلق لنفسنا مشاكل غير اللي احنا فيها. أنا محتاجك جنبي.
كمال بجمود: أنا موجود على طول وانت عارف دا. بس أنا مخنوق يا خالد. واقف على أرض رمل عماله تطوح فيا. مش عارف اتعدل بعد اللي حصل.
خالد بنبرة خشنة: و عشان كدا احنا محتاجين نتكلم. أنا مش عايز اقتحم مساحتك الشخصية ولا اتدخل في حياتك بطريقة أنت مش هتحبها.

كمال بنبرة متعبة: أنا مش عايز اتكلم في اي حاجة. بس عمومًا انت عارف اني مش هروح بعيد عنك. ياريت تسيبني لحد ما احس اني قادر أخرج كل اللي جوايا.
في الاعلى هبت أشجان من مكانها وهي تصيح بصدمة: ايه؟ كمال عنده ولد من واحدة تانية غيرك!
آسيا باختصار موجع: أيوا.
أشجان باستفهام ذاهل: طب ازاي؟ لحق عرفها امتى! ولا اتجوزها امتى! دي سنة اللي غابها!

حاولت قمع ألمها أسفل قناع الجمود الذي صاغت به نبرتها حين قالت: ميهمنيش كل دا. اللي يهمني أن زي كل مرة ماما حطتنا تحت رجليها وداست و مهمهاش مشاعري و لا قهرتي.

اقتربت أشجان من آسيا تحتضنها بقوة، فقد رأت تلك العبرات التي تُثقِل جفونها و قد كان الحنان هو كل ما تملكه لتعطيها أياه في هذه اللحظة لتتعلق آسيا بأحضان شقيقتها بقوة وهي تقول بنبرة جريحة: حتى بابا خذلني يا أشجان. أنا لا يمكن أسامحهم أبدًا. أنا مبقاش ليا في الدنيا غيرك. معنديش أهل غيرك أنتِ.

ضمتها أشجان بحنو تجلت في نبرتها حين قالت: حاسة بيكِ عشان عشت الإحساس دا كتير و ياما قتلني. دا يمكن كمال هين، و مهما عمل مش هيكون زي أمين.
تراجعت آسيا عنها تنظر إلى داخل عينيها وهي تقول بأسى: تعرفي أني دلوقتي بس حسيت بكل معاناتك اللي عشتيها مع أمين، و فهمت لما اختارتي تروحي تقعدي في بيته وهو في السجن ولا انك تقعدي مع ماما. عشان هي كانت معاكي أسوأ منه. القسوة منه موجعتكيش زي القسوة منها. صح!

مدت أشجان يدها تمحو عبرات شقيقتها وهي تقول بنبرة حزينة: صح. بس عارفة. عمري ما قدرت أقول أنهم مش أهلي أو اتنكرت منهم. لأني مقدرش اغضب ربنا، لو عايزة نصيحتي. كملي في حياتك من غير ما تعلقي عليهم أي أمل. من غير ما تقربي منهم لدرجة أنك تتأذي ولا تبعدي عنهم لدرجة أن يبقى عليكِ إثم.

تفهمت مقصد شقيقتها لتوميء برأسها بصمت قطعه صوت طرق خافت على باب الغرفة لتنهض حين وجدت خالد الذي دلف إلى داخل الغرفة بخطوات هادئة تشبه نبرته حين قال: عاملة ايه يا آسيا؟
آسيا بجمود وهي تمحي عبراتها: الحمد لله تمام.
لم يكُن الوقت مناسب الحديث لذا اكتفى بالقول: لما تكوني عندك استعداد خلينا نتكلم شوية.
اومأت برأسها قبل أن تلتفت و تعانق أشجان وهي تقول باختصار: هكلمك.

كان الغضب بادٍ على محياها و قد لاحظ خالد ذلك مما جعله يلتزم الصمت ولكنه حين وجدها تتبع شقيقتها إلى الخارج استغل مرورها إلى جانبه لتمتد يديه و تقبض على رسغها يوقفها عن السير لتلتفت إليه باندهاش قطعه صوت باب الغرفة الذي أغلقته آسيا ليبدأ بالحديث قائلًا باختصار: استني عشان في كلام مهم لازم تسمعيه.

اغضبتها لهجته ولكنها تحلت بفضيلة الصبر كعادتها لتبدأ بأخذ وضع الاستماع حين ربعت ذراعيها حول بعضهم في انتظار أن يبدأ بالحديث و قد شرع فيه بالفعل حين تحدث بنبرة خشنة: زي ما شوفتي صافية هتقعد هنا في القصر، و طبعًا الكل هيكون متواجد باستمرار. صافية الوحيدة اللي كلامها هيكون مسموع هنا، و مسموحلها تعمل اللي هي عايزاه، أناعايزها تحس أنها في بيتها.

اغضبها حديثه لتستفهم قائلة: يعني ايه الوحيدة اللي كلامها هيكون مسموع! مفروض اخرس أنا مثلًا!
استدار يناظرها بصدمة تحولت إلى استنكار تجلى في نبرته حين قال: هو ايه الكلام دا و اللهجة دي؟
لم ترهبها ملامحه المشدودة ولا استنكاره لتُجيبه بنبرة قوية: بسألك يعني ايه الوحيدة اللي كلامها مسموع! هل دا معناه اني اخرس خالص و اقعد استناها تقولي اعمل ايه ومعملش ايه؟

كانت نادرة الغضب ولكن غضبها اليوم كان كبيرًا و أيضًا هناك لمعة من العبرات في مقلتيها مما جعله يتجاهل نبرتها و طريقتها و يتحدث بجمود قائلًا: مرات خالد الوتيدي محدش أبدًا يقولها تخرس. المقصود بكلامي أن وضع صافية غير وضع نبيلة، من غير حاجة أنتِ هتشوفي فرق كبير بينهم. بقولك كدا عشان تساعديها تحس أنها في بيتها.

أوشكت على الحديث ولكنه تابع قاطعًا عليها الطريق: معنى كلامها مسموع. أنها الوحيدة بعدك اللي مسموحلها تأمر و تنهي هنا و بقصد طبعًا الخدم.

أدركت مقصده ولكنها كانت غاضبة من ما حدث مع شقيقتها و منعه لها من النزول خلفها، فقد كانت تنوي الحديث معه و توبيخه على فعلته علها ترفع عن آسيا ذلك الشعور الموحش وهي متأكدة أنه أوقفها ليمنعها من الحديث معه لذا أفلتت الكلمات من شفتيها حين قالت: و مين قالت إن الخدم هنا مش تحت طوع نبيلة هانم!

ضيق عينيه وهو يناظرها بطريقة جعلتها تشعر بغباء ما تفوهت به، فهل ستقدر على سرد ما تعرفه خاصةً في مثل هذه الظروف؟ الحقيقة أنها تفتقد إلى أهم شيئين لتفعل ذلك، الدليل و الجرأة و بدونهم لا تستطِع البوح عما يؤرق حياتها، ولكنه باغتها حين قال بهسيس خشن: حطي في دماغك حاجة مهمة أوي. مفيش حد غيري الكل تحت طوعه في البيت دا أو في العيلة دي سواء كانوا أهل أو حتى خدم.

لا تعلم لما شعرت بأن لحديثه معانٍ آخرى جعلتها تشعر بالدوار. هل يعلم ما تُخفيه؟ هل يعلم ما فعلته شقيقته؟ هل يعلم بكل هذه الكوارث التي حدثت خلف ستار هذه الجدران؟ شعرت بالإرهاق وهي عاجزة عن الرد او الحديث لتحاول تغيير دفته حتى تُفلت من بين براثن عينيه المربكة: طب بما أن الكل تحت طوعك. ايه رأيك في اللي عمله كمال؟
ميخصكيش!

إجابه قاطعه باردة و حادة في نفس الوقت مما جعلها تهتف باستنكار: ازاي ميخصنيش؟ دي أختي.
خالد بجفاء: أختك مش طفلة و تقدر تحل مشاكلها لوحدها، دوري على مشاكلك أنتِ و حليها.
كلمته طعنتها بقوة، فهل يتهمها بالعجز عن حل مشكلاتها؟ أم يقصد أن يصب الحديث في بوتقة فعلتها النكراء! في جميع الأحوال فقد آلمها حديثه مما جعلها تقول بتحدي: أنا معنديش مشاكل عشان أحلها. بس لو أنت عندك قولي. هكون مبسوطة لو ساعدتك.

نجحت في أغضابه و الأكثر من ذلك استفزازه، فهل ذلك الجفاء بينهم والبعد المقيت لا يشكل لها أزمة أو مشكلة! هل حرمانه من قربها كل هذه الفترة ليست بالمشكلة! ضيق عينيه وهو يتقدم منها بخطوات سُلحفية بثت الذُعر إلى داخلها و خاصةً حين لمحت ذلك الوميض الخطِر في نظراته لتتراجع بدورها إلى الخلف حيث خانتها المسافات فلم يعد خلفها سوى حائط صلب جعلها في تماس مُباشر مع جسده القوي، عينيه الحادتين وهي تغوص في خاصتها، أنفاسه التي أحرقت بلهيبها وجنتيها و صوته الخشن الذي هسهس بنبرة خطرة: هتكوني مبسوطة لو ساعدتيني! وماله. ساعديني.

تفرقت نظراته ما بين عينيها و شفاهها وهو يقول بخشونة أذابت أوصالها: عندي قطة مجنناني، عايز أروضها. بتبقى مغمضة مع كل الناس وأول ما تيجي عندي أنا تخربش و ضوافرها تطلع. تعرفي تشوفيلي حل معاها؟!

كانت كفأرة صغيرة في مواجهة أسد ضخم يملك مقاليد كل شيء بين براثنه، ويعرف جيدًا كيف يصيغ الحديث في جميع الزوايا التي تناسبه، و يُجيد اللعب بالكلمات بمهارة بينما هي بريئة كليًا حيث لم نستطِع منه تلك الرجفة التي تمكنت من شفتيها و الآخرى التي أصابت جسدها، ولكنها حاولت الصمود ولو قليلًا حين قالت بنبرة تكاد تكون همسًا: ما. ما تحاول تفهمها يعني. يمكن عندها وجهة نظر.

رائحتها كانت بمثابة فخٍ عذب حين غزت رأتيه سرقت أنفاسه، فخبأ الهواء الذي يحمل نسمات أريچها بداخل صدره عله يطفيء وهج الشوق المستعر بقلبه ليقترب أكثر من ساحة عنقها البض، وقد تبعثرت كلماته على أعتاب عطرها، وكأنه الضجيجَ الوحيد الذي أجبر عقله على الصمت بينما شفاهه غمغمت بخفوت: فهميني.

كانت بين شقي الرحى. سحره الطاغي و رغبته بالفهم. مع أيهما ستستطِع التعامل! و هل هذا وقت الحديث ام إذابة كل هذه العوائق التي تحول بينهم، و هناك طرفًا آخر لا يرحم وهو شوقها إليه. كانت أضعف من كل ذلك ليحاول عقلها التصرف حين قالت بتلعثُم: اف. افهمك. أنت لازم تتفهم انها قطة يعني و مش معصومة من الغلط يعني. كل القطط بتغلط. عادي. هنعلقلها المشنقة!

كلماتها الخرقاء كانت كدلو مياة باردة صُب فوق نيرانه الموقدة ليتراجع عنها ناظرًا في عينيها بغضب مُستعر يُشفق على ضعفها منه ليعض على شفتيه وهو يحاول قمعه قدر الإمكان ليهتف باستنكار: كل القطط بتغلط!
تداركت هفوتها لتحاول تصحيح مسار الحديث قائلة بلهفة: لا. أقصد. أنت...

عاد إلى الخلف بصدرٍ يعلو و يهبط من فرط تناحر أنفاسه مما جعل نبرته لاهثة حين قال: أنتِ نامي. كفاية عليكِ كدا النهاردة. القطط اللي المتربية بتشرب اللبن و تنام بدري.
أنهى جملته وتركها ليخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه بقوة.
اللهم إنا نسألك سعادة لا تزول، وإيماناً لا يرتد، ومرافقة نبيك محمد في أعلى جنات الخلد.

مر يومان مثقلان بالتفكير و التعب، و لكن كان التجاهل هو سيد الموقف، و الخيار الطاغي لجميع الجبهات إلى أن قررت شروق البدأ في تحديد مسار حياتها القادمة التي تنوي أن تكون هي صاحبة القرار الوحيد بها.
عايزة أشوفك.
كانت رسالة نصية وصلت في توقيت صحيح إلى رجلًا آلمه العشق و أضناه التفكير لينتفض قلبه وهو ينظر إلى رسالتها و يعيد الرد الذي جاء مختصرًا كما فعلت: اجهزي هعدي عليكِ وانا رايح الشركة.

بالفعل تجهزت شروق و توجهت إلى الخارج لتمر إلى المخبز و تحتضن سوزان من الخلف وهي تقول بابتسامة عذبة: صباح النور.
سوزان بابتسامة بشوشة: صباح الورد والفل والياسمين على عيونك.
وضعت شروق قبلة دافئة فوق وجنتها وهي تقول بهدوء: أنا مش هعرف أفطر معاكي. على الأغلب هفطر في الشركة عشان اتفقت مع راجي أقابله و نتكلم.
سوزان بحنو: عين العقل يا حبيبتي. حطي النقط على الحروف عشان ترتاحي و تعرفي هتبدأي منين.

شروق بهدوء: هعمل كدا.
سوزان بترقب: و أنتِ بتحطي النقط على الحروف متنسيش أن في علامة تعجب كبيرة هتقابلك. خلي بالك منها عشان دي مبتتفاهمش، و خصوصًا أنها عرفت قيمة اللي ضاع منها.

ابتسمت شروق على مزاحها ولكن مغزاه وصل إلى عقلها مما جعلها تقول: وانا رايحة اتكلم مع راجي مش حاطة عمر في حساباتي. بس في نفس الوقت مش نسياه، و حتى لو كان عرف قيمتي، فالموضوع مش متوقف عليه ولا هو بضغطة زرار هجري عليه و افرح واقول دا فاق. عشان حتى لو فاق هو لسه مش جدير بيا، وانا معنديش ثقة فيه.

سوزان بتعقل: أنا فاهمة دا كويس. و واثقة فيكِ و في انك هتعملي الصح، و حتى لو جيتي قولتي في يوم من الأيام مش عمر الراجل اللي أنا عايزه اكمل معاه. دي مش قضيتي. قضيتي انك تعرفي تفصلي بين كل الخيوط المتلعبكة دي، و تبعدي الخصمين عن بعض.

مدت يدها تحتوي كف شروق وهي تشدد عليه قائلة: بمعنى أصح صلة قرابتك براجي اوعي تعتبريها وسيلة تربي بيها عمر أو تاخدي حقك منه. أنا عارفة انك عاقلة بس الست لما يكون ليها تار مع راجل عقلها مبيريحش، و ممكن يزين الغلط و يجمله. و دا ميليقش بيكِ. هنفرمل واحد و نحدد إطار علاقتنا، و نتعامل مع التاني بره خالص عنه. فاهمه يا حبيبتي؟

ابتسمت شروق بحرج فقد كانت سوزان ماهرة في قرائتها لذا قالت مُعترفة: بصي مش هنكر اني الموضوع دا مش مغري بالنسبالي عشان اشوف الندم في عنيه لكن بردو غلط وانا مش هعمله.
ابتسمت سوزان بحنو فقد اعجبتها صراحة شروق لتحتوي وجهها بين يديها وهي تقول بحُب: بنتي العاقلة الجميلة. ربنا يبعتلك خير الدنيا كله يا حبيبة قلبي.

اخذت شروق تتلفت حولها فلمحت أولئك الرجال الذي يحيطون بالمكان فقالت بعدم راحة: هو الحرس دول هيفضلوا هنا كتير؟
سوزي بتوضيح: بس متقوليش حرس، و أه هيفضلوا كتير. خالد مشدد أنهم ميتحركوش لحظة من حوالينا، و بعدين هما مضايقينك ليه؟ دول لابسيين لبس عادي يعني اي حد هيشوفهم هيفكر أنهم ناس بتشتغل حوالينا. محدش مركز معاهم أصلًا.
شروق باقتضاب: طيب.

في الخارج كان يزيد يقف بعيدًا من المكان يريد رؤية تلك الفتاة التي أصابته بالجنون من طريقتها تارة تبتسم له بعذوبة و مرات تتجاهله ولا تلتفت إليه. تجيب على رسائله واحدة و تعكف عن الرد لمرات. لا يعلم لما تعلق قلبه بها بهذه الطريقة و أيضًا اغتاظ كبريائه منها، فأراد لقائها وجهًا إلى وجه حتى يعلم لما كل هذا العبث، وفي أثناء انتظاره لخروجها شاهد سيارة راجي التي توقفت أمام المدخل الخارجي للمكان و ماهي إلا دقائق حتى خرجت شروق و استقلتها معه ثم انطلقا في طريقهما، فاحتار ماذا يفعل هل يخبر عمر أم لا؟ و الحقيقة أنه بالفعل جلب الهاتف ليخبره، فما أن أجاب عمر حتى صاح يزيد ساخرًا: دكتور البهايم بتاعنا بيعمل ايه على الصبح؟

عمر بسخرية: بولد الست والدتك يا ظريف!
يزيد بتقريع: طب تعرف النكتة اللي بتقولك الست والدتك في العش ولا طارت؟
عمر بملل: مالها؟
يزيد بتشفي: طارت. خدها الواد أبو عنين كحيلة اللي جايب شعره على جنب في الچيب شروقي و خلع.
تنبه عمر لحديثه ليهتف بأنفاس مقطوعة: هي مين دي ياد أنت؟ نهارك مش معدي أنت تقصد شروق!

يزيد بملل: بذكائك الحاد هيكون مين غيرها! يعني طولك مترين و لسانك عشرة و معندكش مخ! اومال لو مش هما خمس شعريات في راسك كنت عملت فينا أي؟
صاح عمر بانفعال: مش وقت ظرافة أهلك. انجز قولي عرفت منين وراحوا فين؟
يزيد باندفاع: عرفت منين ايه؟ دانا مرابط قدام بيتهم من فجر الله. طالع قبل بتوع اللبن ما يحلبوا حتى.
عمر باستفهام: و مرابط عندهم ليه؟

يزيد بتلعثُم: اقعد أسأل و اتمرقع كدا لحد ما الواد الملزق دا يشقط البت. يالا سلام.
عمر بلهفة: استنى رايح فين؟
يزيد باندفاع: رايح أشقط أختها.
أيه؟!
يزيد مُصححًا: اقصد رايح اكلم أختها اعرف راحوا فين يعني؟ ماهو مأذون فاتح دلوقتي يكونوا رايحين يتجوزوا مثلًا.

كز عمر على أسنانه و بدأ غضبه يستعر بصورة كبيرة مما جعله يهدر بانفعال: بطل خربطة و اسمعني. حاول تعرفلي من جميلة راحوا فين؟ و أنا عشر دقايق بالكثير و هكون عندك.
يزيد ساخطًا: و تكون عندي ليه؟ أنا مال أمي أنا. ما تكون عندهم هما. روح دور عليهم بعيد عني. انا غلطان اني بفطمك.

عمر بحدة: اسمع الكلام يا يزيد الكلب بدل ما اللي هعمله في الزفت دا اعمله فيك أنت. تترزع عندك لحد ما جميلة تخرج و تعرف منها الهانم راحة فين مع الحيوان دا.
يزيد بتخابُث وهو يحاول أن يظهر بأنه مُكره على الأمر: ياعم وأنا كنت شغال ناضورجي عند اللي خلفوكوا. لا أنا دكتور محترم. ماليش في شغل الحبيبة دا.
عمر بسخط: محترم! طب غور امشي مش عايز من وشك حاجة.

كان يزيد يعطي ظهره للمكان، فلم يلمح جميلة التي خرجت بالفعل و قامت بالإشارة لسيارة أجرة و استقلتها أثناء استدارة يزيد الذي صاح بتحسر: امشي ايه؟ دي هي اللي مشيت مشش في ركبك الطويلة دي! اقفل يا فقر ابو معرفتك.
أنهى مكالمته و أخذ يُشير إلى السائق ليقف والذي بدوره التفت إلى جميلة مُستفهمًا: تعرفيه دا يا آنسة؟
ناظرته جميلة بلا مُبالاة قبل أن تقول: امشي ياسطى دا باين عليه واحد معتوه.

يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

أخيرًا وصلت إلى مكتبها بعد أن قضت أكثر من ساعتين في البنك تحاول سحب اوراق القرض لتبتاع ولأول مرة سيارة تخصها، فقد قررت أن لا تعتمد على اي أحد و خاصةً أن هذه المزرعة تبعد أكثر من ساعة عن مكان عملها، وهي لن تسمح لنفسها باستخدام أي شيء يخصه أو استقلال سيارة واحدة معه، و على الرغم من أنها ستنفق جميع مدخراتها، و ستقترض ولكن يبقى هذا أفضل خيار، فالاستقلال سلعة ثمينة ستشتريها بكل ما تملك، فقد عزمت على فعل ذلك منذ تلك اللحظة التي عادت بها إلى بيته قبل يومان.

عودة إلى ما قبل يومين
البيت فيه أوض كتير تقدري تختاري اللي يعجبك و كلهم ماستر.
باغتته حين قالت بجمود: أوضتك فين؟
رغمًا عنه تشنجت عضلة في فكه حين استعملت عن غرفته، و كباقي الرجال تحفزت غريزته لكنه حاول اخفاء تلك اللهفة التي باغتته و أشار الر غرفة في أقصى اليمين لتُشير هي الى آخرى في أقصى اليسار وهي تقول بلامُبالاة: يبقى هختار دي.
عودة إلى الوقت الحالي.

كانت تلك الكلمات المقتضبة هي ما حدث بينهم طوال اليومين، فقد قررت تجاهله على الرغم من أن صراخ الطفل كان يزعجها طوال الليل، فقد كان يصرخ بقوة، و المربية تحاول تهدئته بشتى الطرق حتى تفشل، و بعدها تستمع إلى خطواته و بعد دقائق يهدأ الطفل تمامًا، وتبدأ جراحها هي بالاهتياج إلى أن تنام مش شدة التعب والأرهاق.

تحاول أن تعتاد حتى تستطِع تغيير هذا الواقع، ولكن كل شيء يمكن التعود عليه إلى أنين القلب المذبوح بخنجر الخيانة.
اجمدي يا آسيا. اجمدي. كل حاجة هتعدي زي ما عدت قبل كدا. اجمدي.

هكذا أخذت تحادث نفسها وهي تمسد معدتها وكأنها تهدهدها كطفل صغير لتبدأ في عملها الذي دام لنصف ساعة ثم دخلت الى مكتبها الصغير الفتاة المساعدة لها والتي قالت بذوق: مدام آسيا. في واحدة ست جتلك هنا كذا مرة الفترة اللي فاتت دي و ملقتكيش النهاردة اتصلت وانا قولتلها انك جيتي، و حددتلها معاد و زمانها على وصول.
آسيا بلامُبالاه: تمام. أول ما تيجي دخليها...

و بالفعل ما هي إلا ربع ساعة حتى دلفت إلى المكتب إمرأة جميلة تبدو في العقد الرابع من العمر أطلت على آسيا بابتسامة جميلة تخفي حقيقة أقبح ما تكون لترفع آسيا رأسها وهي تقول بذوق: أهلًا بحضرتك اتفضلي.
تقدمت منها المرأة وهي تقول بابتسامة واسعة: أخيرًا اتقابلنا. أنا كنت فقدت الأمل اني اشوفك.
آسيا باعتذار: أنا بعتذر لحضرتك بس ظروفي مكنتش أحسن حاجة الفترة اللي فاتت. اتشرف باسمك.

تحدثت المرأة بنعومة: سحر. سحر زين الدالي...
آسيا بذوق: أهلًا يا مدام سحر. اتفضلي اقدر اساعدك ازاي؟!
سحر بتخابُث اتقنت تغليفه جيدًا حتى يبدو مقنعًا: أنا عندي ملجأ للأيتام بنات بس، وكنت عايزة اعمل حفلة للولاد بمناسبة تخرج مجموعة من البنات من الجامعة، و كنت عيزاكي أنتِ اللي تنظميلي الحفلة دي...

آسيا بتفكير: هو طبعًا أنا تحت أمرك. بس يعني حضرتك عاملة حفلة كبيرة على كدا ولا ايه؟ أنا طبعًا مبتكلمش في الفلوس خالص بالعكس أنا بدل هي حفلة لأيتام هيكون التعامل بطريقة تانية خالص. بس حابة افهم يعني بتفكري في ايه؟

سحر بنبرة زيفت بها الشجن: أنا مبقبلش أي جنية يتصرف على بناتي غير لما يكون يخصني. كمان أنا عايزة اعمل حفلة كبيرة جدًا في الملجأ عايزة افرح البنات أوي، و هخليهم يعزموا أصحابهم في الجامعة كمان.
آسيا باستفهام: طيب على كدا المكان كبير! أنا في كل الأحوال هاجي و هعاينه.
سحر مقترحة: طيب ايه رأيك تيجي نروح نعاين وتتفق على كل حاجة على الطبيعة؟

صمتت آسيا لثوان و لكنها في النهاية اومأت بالموافقة: خلاص أوك. يالا بينا.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.

كانت تقف في الشرفة تنظر إلى تلك الحديقة الكبيرة التي هي خلفية للقصر الكبيرة و أمامية لمجموعة من الفلل التي تُحيط به، و كم كان المظهر من الاعلى جميل ولكنها كانت في وادٍ آخر، فما حدث تلك الليلة و ظهور والدها و رسالته، وهي تشعر بالخوف و التخبط، و خاصةً أن رحيم كان يلتزم الصمت تجاهها، فقط نظرات مُختلسه تزيد من تخبطها و قلقها. لا تعلم ما الذي عليها فعله؟ تنظر إليه وهو نائم وقلبها يخبرها بأنه الملاذ الآمن من بين عثرات الحياة و تخبطاتها، ولكن من جهة والدها الذي بكل مرة يحادثها تشعر باللوعة و القهر في نبرته، و والدتها التي لا تعرف أين هي؟ ولا ماذا حدث معها؟ ألقت بها في أعماق بركانٍ ثائر و تركتها لا تعرف في أي جهة تستطِع المكوث.

تدرك بأن والدها ليس شخصًا جيدًا ولكن هل بهذا السوء؟
و لماذا هي من بين الجميع تملك أبًا سيئًا مثله؟ وهل ذلك يجعلها تفرط في الشيء الوحيد الذي منحتها أياه والدتها و تسلمه أياه مثلما سلمته قلبها رغمًا عنها؟
عبرت دمعة يتيمه مني ين سياج رموشها وحين رفعت يدها لتمحيها كانت هناك انامل ضخمة فعلت بدلًا عنها لتفزع حين شاهدته أمامها فقد كانت غارقة في تخبطاتها و لم تلحظ قدومه.

العيون الحلوين دول كيف يبكوا عالصبح أكده!
كان حديثه عذبًا بطريقة تسلب أنفاسها، ولكن هناك غصات تمنعها من الانجراف نحو عذوبته لتتحمحم قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة: لاه. بكي ايه؟ إني بس عيني انطرفت.
حاوطتها نظراته بطريقة اربكتها لتحاول الهرب قائلة: أني هروح أطل على أشجان...

اوقفتها يداه وهو يجذبها بغتة لتصبح قريبة منه حد تبادل الأنفاس و قد كان حضوره طاغيًا للحد الذي جعل جسدها يرتجف أسفل قبضته و خاصةً حين قال: بزيداكي هروب يا بت الناس. أني معرِفش لعبة القط و الفار دي، و مش لادد عليا چو شوج ولا تدوج ده!
فطنت إلى ما يقصده لتتبدد رجفة الخوف و تتحول الى انتفاضة غضب تجلى في نبرتها حين قالت: أني لا بشوج ولا بدوج. و سيب يدي.

عاندها وهو يجذبها إليه أكثر هاتفًا بجهامة: مش هسيبها، و مش بمزاچك. لو فاكرة انك بتلوي دراعي، اعرفي انك غلطانه. أني ممكن اخد اللي أني عايزة منِكِ في التو و اللحظة. بس اني مرايدش تاچي غصب.
نفضت يدها عنه وهي تتذكر تلك الليلة المُريعة لتتكشف جراحها دفعةً واحدة وهي تصرخ بألم: أيوا. زي ما كت عايز تعمل الليلة إياها.

لعن حظه العاثر، فقد لفت حديثه انتباهها إلى هذا الأمر مُجددًا ليحاول تصليح الأمر قائلًا: اهدي و بطلي چنان. الليلة دي كانت غلطة. مكنتش في وعيي، وعمر اللي حوصول وجتها ما هيتكرر تاني.
نجاة بانفعال: مش مصدجاك. وجت ما تچيب آخرك هشوف وشك الحجيجي، و هتاخد أمانتك و ترميني ماني عدوتك وبت عدوك.

عند تفوهها بهذه الحروف قام بمد يده يجذب عنقها من الخلف و يبتر حديثها المسموم هذا بين ثنايا عشقه مرتشفًا أفكارها السوداء مع رحيقها العذب قاطعًا كل سُبل التفكير في هذا الأمر المؤسف لكليهما. لتمر لحظات خاطفة للأنفاس قبل أن يتراجع عنها دون أن يفلتها بل ظل جبينه ملتصقًا بخاصتها ليخاطبها بأنفاس مقطوعة: اوعاكِ تچولي انك عدوتي تاني، وأوعاكِ تنسبي نفسك ليه.
نجاة بنبرة مُتهدجة: مش دي الحجيجة!

رحيم بقوة وكفوفه تحتضن وجهها: لاه. أنتِ مرتي و تخصيني أني. أنتِ نچاتي اللي ربنا بعتهالي ترحمني من العذاب اللي كت عايش فيه...
تخدرت جميع اوجاعها و حواسها من حديثه لتهمس بنبرة خافتة: رحيم.
ما أن أوشك أن يُجيبها حتى بدد ذلك الجو المشحون بالعواطف صوت رنين الهاتف الخاص بها لينتفض جسدها بين يديه و يهوى قلبها بين ضلوعها حين شاهدت رقم المتصل...

الفصل التالي
بعد 18 ساعة و 44 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة