قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل السادس

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل السادس

رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل السادس

عادةً لا تكتفي الحياة بإعطائنا الدروس، ولا تقتصر على صفعنا لنستفيق من سُبات الوهم؛ بل أحيانًا تضعنا وجهًا لوجه أمام أفعالنا، لتجعلنا نتذوق الشعور ذاته الذي أذقناه لغيرنا. فيستنكر القلب هذا الألم الجارف الذي يجيش به، غير مُدرك أن ما يحدث ليس قسوةً أو تجبر، بل عدالةٌ سماوية لا تخطئ. فالحياة تُخبئ لكلٌ منا نصيبًا من كأس الألم الذي سقى به غيره، لندرك أن كل فعلٍ نُقدِم عليه يترك أثرٍا سيِرد إلينا ذات يوم وإن طال الزمن. وكلما ظن الإنسان أنه في مأمنٍ من الحساب أو أنه أفلت من العذاب، يشد القدر الخِناق أكثر و يبدع في تذكيره بأن ميزان العدل لا يختل ولا يميل لأحد، ليكسره من نفس الموضع الذي كسر به غيره وأن الوجع الذي تجاهله يومًا، و أدار له ظهره سيقف أمامه يومًا ما بذات الثقل، والألم، و أن الذنوب لا تُمحى بل تؤجل، و أن وقت الحساب حين يأتي لا يرحم أحد.

نورهان العشري.

أنتِ تعرفيه منين يا شروق!
هكذا استفهم راجي بنبرة جافة وعينيه تطلقان حمم مشتعلة تجاة عمر الغاضب حد الجحيم، وهو يرى هذا الرجل يقف بالقرب منها، بل ويُطالبها بمعرفة من هو بالنسبة إليها؟!

كان هناك صراعًا مريعًا بين كلا الرجُلين، و خاصةً عمر الذي لازال قلبه العاصي يزعم امتلاكه لها، فالأنانية كانت تُعمي عينيه عن حقيقة أنها لم تعد شيئًا خاصًا به، لتسقط صخرة إنكارها له فوق قلبه حين قالت بجمود: الدكتور عمر الوتيدي. معرفة قديمة!
و كأن للحروف أسنان حامية نهشت صدره بضراوة حتى كاد ألمها أن يقتله، فهي لم تذكر قرابتها به أو حتى أنها كانت زوجته إلهذا الحد لا تُعطي لكل هذه الأشياء قيمة!

و فجأة اهتاج كبرياء قلبه لتنطلق الكلمات من بين شفتيه كالرصاص حين قال: شروق بنت عمتي، و كانت مراتي. ياريت تروح تشوف شغلك.
احتلت الصدمة ملامح راجي لثوان قبل أن تتحول الى غضب حين حادثه عمر بهذه الطريقة ليقترب منه وهو يهتف بجفاء: أنت بتتكلم كدا ليه؟
التمعت عيني عمر بالشراسة فقد كان يريد الفتك به منذ المرة الماضية التي رآها برفقته وقد جاءت الفرصة ليقترب وهو يزمجر بحدة: اتكلم زي مانا عايز.

ارتعبت من هذه المواجهة التي كانت ستنقلب إلى معركة طاحنة لو لم تتدخل قائلة بحزم: من فضلكوا ميصحش كدا. ايه اللي أنتوا بتعملوه دا!
راجي بحدة: أنتِ عايزة تستني معاه؟
جن جنون عمر من استفهامه ليهتف بشراسة: و أنت مالك انت؟ بقولك بنت عمتي و مراتي.
خرجت الكلمة الأخيرة من شفتيه دون أن يلحظ لتبترها حروف شروق الصارمة: كنت. أنا كنت مراتك، و أنت قولت كدا من شوية، و لو سمحت استناني في العربية لحد ما ارجعلك.

في هذه اللحظة ود لو يحطم رأسها على حديثها الذي أصاب تلك النقطة الحساسة داخل قلبه، والتي لم يستطِع مواجهتها يومًا. نقطة تحمل حروف اسمها المطبوع بداخله بحروف من نار، ولكنه لم يملك الجرأة يومًا على المواجهة، ولا يعرف كيف السبيل لمحوها من داخله؟ فقط يغار كالمجنون الذي لا يملك حتى حق الصراخ للتعبير عن ألمه.

استقل سيارته، وهو يحاول التنفيس عن نيرانه التي تأكل صدره من الداخل حين رآها تقف معه و ملامحها تحمل اعتذار أو ربما توسل، وهذا الوغد يقف أمامها يناقشها، فقد كان هذا المشهد و كأنه وقود بصري يغني نيرانه بقوة، فأخذ يعِد إلى العشرة حتى لا يذهب و يقوم بسفك دمائه أمام عينيها، ولكن القدر تلطف به حين رآها تتوجه إليه، وهو لايزال واقفًا يطالعه بأعيُن لا تخفي الغضب بل تُعلنه جهرةً في تحدي صريح لثباته، ليجذب صوتها انتباهه حين فتحت الباب وهي تقول: مش هينفع نتكلم...

اركبي.

هكذا بتر حديثها، فحالته كانت خطرة، ولا تحتمل أستفزاز آخر، وقد كانت مجبرة على طاعته حتى لا يحدث كارثة لتركب السيارة بجانبه، تنوي أن تخبره بأنه لا يوجد حديث بينهم، ولكنه لم يُمهلها الوقت لذلك إذ انطلق بالسيارة كالبرق الذي خطف أنظار راجي الغاضب بقوة، وقد شعر عمر بالانتشاء للحظات، وهو يشاهد ملامحه المشتعلة بصورة خاطفة في المرآة الجانبية لينتشله من متعته اللحظية صراخ شروق الغاصب: أنت أتجننت! مين قالك اني عايزة أروح معاك في مكان؟

عمر بانفعال: أنتِ تخرسي مش عايز اسمع صوتك!
كلماته أثارت غضبها بشدة لتهتف بحدة: وقف العربية دي. أنا مش هروح معاك في أي حتة.
عمر بجفاء: هنقف في مكان ينفع نقف فيه. في كلام لازم نقوله.

استدعت كل ذرة هدوء تمتلكها، وقد قررت تلقينه درسًا قاسيًا ولكن على طريقتها لذا لجأت للصمت إلى أن توقف بالسيارة على جنب الرصيف وهو يحاول التنفيس عن هذا الغضب الهائل بداخله لكي لا يؤثر على تفكيره، و لكن صمتها كان مُثير للإستفزاز خاصةً وهي تنظر أمامها تترفع عن النظر إليه لتمر دقائق، قبل أن يقطع هذا الصمت صوتها الحاد حين قالت: اتمنى لو هديت تقول الكلمتين اللي عايز تقولهم عشان أنا مش فاضية!

هل تأمره؟ أم تقصد إثارة حنقه أكثر؟ و الحقيقة أن الإجابة كانت الإثنين معًا لتنجح في جعله يصل إلى حافة الجنون الذي جعله يصرخ بغضب مسعور: و كمان ليكِ عين تتكلمي كدا! ازاي الراجل دا يسألك عني وتنكري اللي كان بيننا!

شعرت برغبة مُلحة في الضحك على حديثه، ولكنها بدلًا عن ذلك اختارت الهدوء و النيل من كبرياءه بأقسى الطرق لتلتفت ناظره إليه بعينين تسخر من وجعه و نبرة رغمًا عن هدوئها ولكنها تحمل تقريعًا بين طياتها: اذا كنت أنت وانا مراتك و على اسمك أنكرت انتسابي ليك! عايزني أنا بعد ما أطلقت منك و نسيت اني كنت مراتك أصلًا أعلن دا! بأي منطق!

أتدري ذلك السهم الذي غرزته في قلبي ذات يوم! لم أنزعه ولم أداوي جرحه، بل تركت سُمه يسري في دمي لا لأموت به. بل لأجعلك تتذوق منه اليوم قطرة قطرة حتى تعلم أن الاحتراق لا يكون بالنيران فقط.
كان هذا حديث عينيها التي خاطبت عينيه لترى كم أن الأمر مؤلم حد الفزع بالنسبة إليه ليندفع استفهامًا موجعًا من بين حنايا صدره
هل شعرت بمثل هذا الألم حين لم أُعلِن انتمائها لي؟!

أنا عارفة قد ايه الموضوع مؤلم، و خصوصًا لما تكون مش متوقع دا. بس صدقني في الأول بس. اسمع من مجرب، ودلوقتي قولي كنت عايز أيه عشان أنا مش فاضية.
هكذا تحدثت شروق بنبرة لامُبالية ليتبدد الألم للحظات ويتحول إلى دهشة عارمة اجتاحت ملامحه، وهو ينظر إلى البساطة التي تتحدث بها، وكأن الأمر عاديًا لم يترك بها أثر! فهل حقًا نسيته كما قالت!
عندك حق. كنت عايز اتكلم معاكِ بخصوص جدتك.

هكذا تحدث بنبرة مُتحشرجة لم يستطِع كبح الألم بها لتُجيبه بنبرة ثابتة كان يحسُدها عليها: مالها!
ازاي تقعدي كل المدة دي متسأليش عنها؟!
هكذا تحدث عمر باستفهام يحمل عتبًا صريحًا تجاهلته حين قالت بجمود: عشان مش هنتفق، وهنزعل من بعض. بالإضافة لأن البيت دا انا خرجت منه ومش ناوية ادخله تاني!
عمر بسخرية مريرة: ياااه! للدرجادي كارهة البيت! على ما افتكر أن زي ما في ذكريات وحشة كان في بردو ذكريات حلوة.

شروق بنبرة هادئة: على حسب أنت مفهومك أيه عن الذكريات الحلوة! و عمومًا ذكرياته بحلوها أو مُرها مجرد ذكريات. انما أنا مش حابة اتعامل مع حد هناك. في حاجة تانية هتتكلم فيها!
استشاط غضبًا من حديثها ليهتف بحدة: أيه الغربة كلتك اوي كدا و عايزة ترجعي؟
شروق باختصار: عندي شغل و مش فاضية!
عمر بسخرية: و الشغل دا مهم اوي لدرجة أنك مش قادرة تتحملي نص ساعة على ما تتكلم!

شروق بملل: طب ما تتكلم و تقول اللي عندك. بدل ما احنا بنضيع وقت كدا!
لم يعُد عقله يحتمل برودها و تهكمها و ثباتها أمامه بينما هو يعاني من نوبات غيرة و شوق و غضب ينهشون بصدره حتى لم يعُد باستطاعته الصمت أكثر ليصرخ بملء فمه وهو يقوم بهزها من ذراعيها بعُنف: أنتِ بتتكلمي عادي كدا ازاي؟ أنتِ ناسية احنا كان بينا ايه! أنتِ كنتي في يوم من الأيام بتنامي في حضني.

كانت تتوقع ثورته التي أثلجت صدرها الذي لايزال يئن من فرط الوجع الذي تسبب لها به، ولكنها كانت حربها بينه وبين غروره الذي أقسمت أن تخسف به الأرض لتصرخ بقسوة وهي تنتزع نفسها من بين يديه: أيوا نسيت. نسيت ومش عايزة افتكر ولا لحظة من الماضي، و تحديداً غلطتي في ارتباطي بيك.
بهتت ملامحه حين سمع كلماتها ليهتف باستنكار جريح: غلطتك!
شروق بقسوة: أيوا غلطتي.

نجحت في إهانة غروره و النيل من كبريائه وقلبه في آنٍ واحد ليقرر لملمة الباقي من كرامته ليقول بنبرة جريحة ولكنها جافة: عندك حق. هي غلطة فعلا.
شروق بجمود: عشان كدا لازم تنساها زي مانا نسيتها.
لم يستطِع احتمال هذه الهزيمة النكراء أمامها لذا هتف بنبرة ساخرة قاسية: لا مانا كمان نسيتها. دانا حتى اطمنت أن أنتِ كمان نستيها. عشان محسش بأي تأنيب ضمير من ناحيتك.

لم يكُن الجرح شيئًا جديدًا منه، فقد قتلها في الماضي فهي يُحييها الآن! لذا تجاوزت عن ألمها وقالت ببساطة: لا اطمن من ناحيتي أوي. انا زي الفل.
استرعت جملتها الأخيرة انتباهه لتُبحر عينيه على ملامحها الجميلة، و هيئتها التي رغمًا عن كل شيء أيقظت الحنين بداخله ليتذكر أنه بيوم من الأيام كان السبب الوحيد في توهجها و الآن أصبح وهج جمالها يخطف العيون ولكن بدونه.
مانا شايف انك زي الفل.

لم تُعير كلماته أي انتباه إنما قامت بفتح باب السيارة تنوي المغادرة، فهناك قلباً بداخلها يئن من فرط الوجع، الذي حاولت كبحه كثيرًا ليتساقط من عينيها بغزارة وهي توقف أحد سيارات الأجرة لتستقلها دون أن تُعيره أي التفاتة.
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه،.

توقف النبض بأوردته حين رآها تقف على الحافة في أعلى قمة للمبنى ومعها أحد الرجال ليصرخ الآخر في الأسفل يحذرها من مغبة الوقوع من الأعلى، و عينيه تكاد تخرج من محجريها من شدة الفزع، ليُطلِق نفسًا قويًا من داخله حين وجدها تتراجع بعض خطوات للخلف، فلم يكُن عقله قادرًا على تخيل هذا المشهد وهي تهوى من فوق.
هي المجنونة دي بتعمل أيه فوق؟

هكذا تحدث كمال غاضبًا إلى أحد المهندسين الذين يقفون معه ليُجيبه أحدهم: مدام آسيا تبع راجي بيه، و جاية بتعاين آخر التطورات، و على فكرة دي مش أول مرة تيجي هنا. كمان هي جريئة و مبيهمهاش.
وهل لا يعلم! هكذا دار استفهام ساخر بداخله، فهو أكثر من يعلم عن مدى جرأتها. فقد كانت سبباً آخر بالأضافة للكثير من الأسباب التي أسقطته في فخ عشقها!

كانت عينيه لازالت تحيط بها للحد الذي جعل قلبها يبتهج رغمًا عنها، فقد تقصدت جذب انتباهه أو لنقل استدعاء جميع شعوره تجاهها عن طريق القلق، و لكن بطريقة تبدو غير مقصودة.

مر بعض الوقت لتنتهي من تدوين كل التطورات في الموقع وسط نظرات مُختلسة من جانبه وكذلك كانت هي ليحين وقت المغادرة، فأخذت تعبث في هاتفها لتطلب أحد السيارات لتقلها إلى الشركة ولكن كانت الشبكة سيئة للغاية في الموقع، فاقترب منها أحد العاملين، ليسألها عن سبب انتظارها، و في هذه الأثناء كانت عيني كمال تطالعها بتمعُن من خلف نظارته السوداء، فقد بدت نحيلة عن السابق، على الرغم من أن ملامحها احتفظت بجمالها إلى حد كبير، و كذلك استطالت خصلات شعرها أكثر، وكم كان هذا يُعطيها جمالًا فوق جمالها ولكن من نوعًا آخر خربش صندوق الذكريات التي حاول دفنها في أعماقه ليتفادى نوبات الحنين العاتية، ولكنها الآن تستيقظ و بقوة، مُعلنه حالة الطوارئ داخله ليقوم بالالتفات إلى الجهة الآخرى ليبدأ الحديث مع أحد المهندسين عن تفاصيل البناء و مواقع الأقسام، ولكن كما هي العادة وجودها يفرض نفسه بقوة على عالمه، ليسمع اسمها في جملة أشعلت جذوة الغضب بداخله: أنا هوصل مدام آسيا للشركة.

استدار ينظر إلى صاحب الصوت ليقول بجفاء: في مشكلة ولا ايه؟
أجابه الرجل: لا يا كمال بيه؟ دي مدام آسيا بتحاول تطلب أوبر عشان يوصلها للشركة بس هنا مفيش شبكة. بس أنا هوصلها. أنا كدا كدا رايح هناك.
لا يعلم لما افلتت تلك الكلمات من شفتيه حين قال بصرامة: أنا هوصلكوا أنتوا الاتنين. اسبقني على العربية.

القى التحية على العاملين في الموقع وهو يتوجه إلى سيارته في أنتظار آسيا التي انتشى قلبها حين علمت بأنه سيقلهم إلى الشركة، وقد أيقنت بأنه فعل ذلك كونه لن يقبل أن تركب السيارة وحدها مع رجل غريب وقد كانت مُصيبة، فهو إن كان يمقت الاعتراف بهذا الشيء ولكنه كالغبي لازال يشعر بالغيرة عليها، ولكنه ينوي أن يحاول جاهدًا للتخلص من بقاياها التي لازالت عالقة بقلبه. هكذا اقنع نفسه وهو يقود السيارة وهي إلى جانبه، و الرجل يستقل المقعد الخلفي، ليعم الصمت أرجاء السيارة إلى أن جاء رنين هاتفها لتُجيب على راجي: أيوا يا مستر راجي. أنا في الطريق للشركة.

راجي بحدة: عندنا اجتماع في شركة الوتيدي. روحي على هناك.
آسيا بارتباك: طيب هاجي على الشركة و نروح كلنا سوى.
راجي بنفاذ صبر: مفيش وقت. روحي على هناك.
آسيا باختصار: تمام.
كلمتها المعتادة، ولكن كان وقعها على قلبه مُغايرًا فقد ذكرته بمشاعر جاهد كثيرًا لأخفائها، ولكن صوتها المُرتبك انتشله من الهاوية حين قالت: أنا ممكن انزل على أي جنب!
كمال بفضول لم يفلح في كبحه: لسه قدامنا شوية على ما توصل الشركة؟

احتارت بماذا تُجيبه، فعلى الرغم من كونها تتمنى أن تظل إلى جواره حتى ولو قضت عمرها غارقة في الصمت، ولكن كان يجب الحديث لتقول بخفوت: عارفة. بس مستر راجي مش في الشركة. عندنا ميتينج بره وانا هقابله على هناك.
كمال باقتضاب: و الميتينج دا فين؟
آسيا بجمود: في شركتكوا.

يا لسخرية القدر، فقد كان يهرب من هذا الاجتماع حتى لا يلتقي بها، ولكن انتهى به الحال وهي إلى جانبه و في سيارته، ولكنه تجاوز عن أفكاره وقال بجفاء: خليكِ. هوصلك.
تحدث الرجل من الخلف: طيب أنا طريقي غير طريقكوا. ممكن أنزل على جنب؟

صف كمال السيارة جانبًا حتى يترجل منها، ثم تابع طريقه إلى شركتهم بصمت كان يعج بالكثير من الأصوات الداخلية داخل كلًا منهما. فقد كان قلبه يتمنى لو يعانقها ولو لمرةٍ واحدة يحيا على ذكراها الباقي من عمره، وقد كانت هذه أمنية قلبها الذي يبغي الاعتذار لمائة مرة أن تطلب الأمر، فقط من أجل لحظة دفء واحدة بين حنايا صدره. ولكنها كانت تعلم باستحالة هذا الأمر ليبدأ الألم بالزحف إلى جسدها لتستدير تطالع جانب وجهه الجامد بشوق يتجلى بنظراتها التي شعر بها. لتبدأ الخيانة الداخلية من قلبه الجريح الذي يشتهي جرعة مخدر واحدة ليسكن ألمه ولو قليلًا، ولكن حتى لو أودى به الأمر إلى موته، فلن يلتفت إليها أبدًا، فهي لا تستحق منه سوى التجاهل، وقد كان يُبدع به.

حاولت إخراج الكلمات من فمها ولكنها تأبى ذلك تريد أن تبدأ بالحديث، وترتعب من فكرة الرفض تتمنى لو يُعطيها إلتفاته واحدة تمهد الطريق لاعتذارها ولكن لا شيء سوى تجاهل مؤلم قررت هي التجاوز عنه حين قالت بنبرة مُتحشرجة: كمال.

ظاهريًا بدا وكأنه لم يسمع ندائها، ولكنه داخليًا استقر صوتها في منتصف قلبه الذي كان يتألم كحالها حين لم تجد منه إي إجابة، فحاولت قمع العبرات التي كانت تُهدد بالانفجار في أي لحظة، فهذا ليس وقد الضعف، فلابد من استغلال هذه الفرصة الذهبية لكونها معه لذا تحدثت بنبرة ثابتة بعض الشيء: كمال احنا لازم نتكلم.

للمرة الثانية التي يتجاهلها، فشعرت باليأس الذي تحول الى حزن حين وجدت مبنى الشركة يلوح أمامها لذا هتفت بنبرة حادة بعض الشيء: أيوا و بعدين يعني!
للمرة الثالثة التي يتجاهلها، وقد أيقظ حمية الغضب بداخلها خاصةً حين وجدته يصف السيارة ويقوم بإطفاء المحرك استعدادًا لمغادرة السيارة، ليتجمد بمكانه حين مدت يدها وقامت بانتزاع مفتاح السيارة وهي تناظره بتحدٍ و عناد ليهتف بحدة: أيه دا؟

آسيا بأنفاس متلاحقة و تحدٍ يتجلى بوضوح في نظراتها: قولتلك عايزين نتكلم.
أغضبه عنادها و الأكثر شعوره بالاشتياق إليها بتلك الطريقة، فمنذ أن استقلت السيارة بجانبه، و عبأت رائحتها المكان وهو يجاهد شوقه و حنينه و عشقه وكبريائه معًا، وقد كان تحديها هذا يوقظ مشاعر كثيرة بداخله ظن أنه قتلها، ولكنها كانت تتوارى خلف الجراح النازفة.
كلمي نفسك بقى.

هكذا تحدث بقسوة قبل أن يستدير ينوي المغادرة ولكنها باغتته حين مدت يدها تمسك بذراعه لتمنعه من تركها ليستدير ناظرًا إليها بصدمة من فعلتها الجريئة! ليجد نفسه على مقربة كبيرة منها ومن ملامحها التي يعشق و أنفاسها التي كانت دافئة بالقدر الذي يمكنها من إذابة جبال الثلج الذي بناها حول قلبه، كانت لحظة خاطفة تنحى بها كل شيء جانبًا، و أبحرت عيني كلًا منهما فوق ملامح الآخر بشوق لم يفلحان في إخفائه وقد كانت هذه اللحظة بمثابة خيانة قاسية لكبريائه الذي انتفض مُهتاجّا حين سمعها تهمس قائلة: كمال.

و كأن كلمتها كانت ناقوس تنبيه جعله يجذب يده من بين يديها وهو يقول بقسوة: متكرريش اللي عملتيه دا تاني!
أجفلتها قسوته و حدته في نزع يده من يدها لتتراجع إلى الخلف بحزنٍ طغى على ملامحها ولكنها حاولت صبغ نبرتها بالثبات حين قالت: تمام. بس احنا لازم نتكلم.
نهرها قائلًا بجفاء: مفيش كلام بيننا.
عاندته قائلة: في.
ضاق ذرعًا من عنادها ليهتف بصرامة: مش عايز اسمعه.

أمطرت عينيها بغزارة وهي تهتف بنبرة يفوح منها رائحة القهر: بس الموضوع مش متعلق برغبتك أنت وبس!
زعزعت عبراتها أوصال قلبه، ولكنه قمع تأثره بين حناياه ليقول باستنكار غاضب: ايه هتخليني اسمعك غصب عني!
آسيا باندفاع: لو لزم الأمر أه.
كمال بسخرية: أنتِ جايبة البجاحة دي منين؟!

آلمتها إهانته ولكنها ترى في عينيه بوضوح كم تأذى حتى ولو حاول ارتداء قناع القسوة و التجاهل لذا كفكفت عبراتها وهي تقول بنبرة مّتحشرجة: يمكن تبانلك بجاحة. بس دا حق انت دوست عليه و حرمتني منه سنة كاملة.
لم يفلح في ردع الدهشة التي سيطرت على ملامحه و نبرته حين قال: نعم! أنا عملت كدا!
آسيا بلهفة و نبرة تتضور وجعًا: أيوا عملت.

لم يكُن ينقصه سوى أن تعلق عليه أحمال وزرها لذا ضحك بسخرية قائلًا: مش مستبعد منك أي حاجة و اعرفي انك مهما قولتي مفيش حاجه هتتغير، و عمري ما هيكون في حاجة تجمعنا تاني في يوم من الأيام!

كانت إهانة قاتلة و رفض صريح حتى وإن كانت تستحقه ولكنه آلمها حد الموت، فباغتته حين قالت بنبرة رغم الألم الذي يجيش بها إلا أنها كانت قوية: ومين قالك اني عايزة حاجة تجمعنا تاني! و لا مين قالك إن الكلام اللي عندي دا محاولة مني أننا نرجع!
ارتفع أحد حاجبيه بسخرية تجلت في نبرته حين قال: تصدقي شوقتيني اني اعرف الكلام اللي عندك! لا فعلًا أثرتي فضولي لدرجة اني حسيت اني عايز اسمعه.

تزاحمت العبرات في مقلتيها و تقلصت ملامحها بألم جعل نبرتها ترتجف حين قالت: أنا عارفة أني غلطت في حقك. بس انت غلطت في حقي من قبلها بكتير. و مش انت لوحدك انت و اختك و بنت أختك.
ضاق ذرعًا من هذا السبب الذي تُعلِق عليه كل شيء حتى الخيانة لذا هتف باحتقار: أنتِ و أختي و بنت أختي متفرقوش عن بعض حاجة!

لم تحتمل أن يضعها في كفة واحدة معهم لذا صرخت بألم: لا نفرق. أنا عمري ما كنت شبههم. على الأقل عمري ما اتجبرت على اللي أقل مني.
لم يعُد يستطِع الاحتمال ولا تجاهل ألمه أكثر، فقام برفع يده و هوى فوق خدها بصفعة قاسية وهو يهتف كالأسد الجريح: بطلي كذب وحجج ملهاش لازمة. أنا وقفت قدام الناس كلها عشانك، و محدش فيهم كان يقدر يقرب منك طول ما أنا جنبك، بس أنتِ خاينة...

وكأن قلبها من نال الصفعة وليس خدها، كانت مؤلمة و قاسية و آثارها مروعة على سائر كيانها، فرفعت نظراتها تطالعه بأعيُن مصدومة حزينة يتشعب الخذلان بجوانبها، فلو كان فعل هذا قبل أن يغادرها بهذه الطريقة لكانت رغم الألم تقبلت، ولكنها يعاقبها بقسوة بعد أن صفعها بطلاقه لها لذا لم يعد أمامها مفر من لملمة كبريائها الجريح و شتات قلبها لتهتف بنبرة تئن ألمًا و حسرة: أنا عمري ما كنت خاينة، ودا اللي مخليني بتكلم معاك دلوقتي. رؤوف ابن عمي و بس، و الفويس اللي سمعته دا كان في نص الحقيقة، ولو عايز تعرف الباقي دور عليه و اسمعه. عن اذنك.

غادرته بعد ما ألقت بارود كلماتها الذي تفجر بصدره، مُحدثًا غضب كبير مُضافًا إليه ذنب عظيم فيما فعله معها! فلم يتخيل أن يضرب إمرأة في حياته، وخاصةً هي.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

حمد لله على السلامة يا ريس.
هكذا تحدث يزيد مع ياسر معانقًا إياه بشوق على الرغم من أنه ذهب لزيارته عدة مرات ولكنه يفتقده كثيرًا
الله يسلمك يا يزيد طمني عليك.
يزيد باقتضاب: الحمد لله اني متجلطتش لحد دلوقتي. حمد لله على السلامة يا غنى.
غنى بخفوت: الله يسلمك.
تبادل كلًا من يزيد و ياسر النظرات ليقول يزيد باختصار: هستناكوا بره عشان نروح المستشفى سوى.

خرج يزيد ليقترب ياسر من غنى التي كانت المشاعر تعصف بها كورقة خريفية تتقاذفها الرياح بكل الاتجاهات لتستقر بين حنايا صدره ملجأها الآمن مُلقيه بكل هذا الثُقل الذي يرسو فوق قلبها فجاءت نبرتها خائفة مرتجفة وهي تقول: أنا خايفة أوي يا ياسر.
شدد من احتوائها ويديه تربتان بحنو فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بنبرة حانية: مينفعش تخافي وانا جنبك.

أطلقت تنهيدة قوية استقرت في منتصف قلبه ليتابع بطمأنه: أنا جنبك على طول، ومحدش في الدنيا يقدر يبعدني عنك، ولا يقرب حتى منك و أنتِ في حضني. لازم تفهمي كدا.
تراجعت إلى الخلف تنظر إلى داخل عينيه تستمد منها القوة ليقترب منها و يكوب وجهها بين يديه ليُتابع بنبرة عاشقة: اوعي تنسي إنك مرات الريس ياسر الوتيدي.
غنى بنبرة مُتحشرجة: انسى ازاي و دي أحسن حاجة حصلتلي في حياتي!

رغمًا عنه انساق خلف عشقًا هائل يجيش بصدره لأجلها، و فقد كل ذرة تعقُل لديه ليقترب منها للمرة الأولى منذ سفرهم ويهوى فوق ثغرها بتمهُل قاتل حتى لا يُخيفها، ليرتشف نبيذ العشق من فوق ضفتي التوت خاصتها، وياله من شعور رائع حُرٌم منه طوال سنة يخشى الاقتراب من حدودها حتى لا تفزع ولكنها الآن كانت هادئة ساكنة تتلقى حبه دون تململ. أو خوف وعلى الرغم من ذلك لم يُريد أن يُطيل في الأمر حتى لا يأتي بنتائج عكسية ليتراجع عنها بأنفاس مقطوعة من فرط التأثر، فوجدها تغلق عينيها وكأنها كانت غائبة عن الوعي ليستغل الفرصة و يقوم بإسناد جبهته على خاصتها وهو يقول من بين أنفاسه المحمومة: بحبك يا غُريبة.

كان جسدها ساكنًا دون خوف. تشعر بأنها في عالمٍ غريب عن هذا العالم الموحش. عالم لا يوجد به سوى هو و عشقه الضاري لها، فقد كانت تحتاج إليه بشكل جعل كل شيء بها يسكن بين يديه، تحتاج إلى الإطمئنان أكثر بأنه إلى جانبها و أنها آمنة إلى جانبه، ولكنها كانت خجلة بعض الشيء لذا همست بخفوت: وأنا كمان.

خبط قوي على باب المنزل جعلها تنتفض بين يديه ثم أتى صوت يزيد الحانق من الخارج: يا ريس. قربت يجيلي ضربة شمس ما تيالا بقى.
كان يطحن ضروسه من فرط الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال: اطلع اخلص عليه ولا اعمل في ايه الحمار دا؟
ابتسمت غنى بخفوت وهي تقول: يالا عشان منتأخرش. أنا قلقانة على بابا أوي.

قادها إلى الخارج فقد وصلوا لتوهم إلى بيت والده في الحارة، ليتركوا أغراضهم هناك قبل أن يتوجهوا إلى المشفى، وقد عزم ياسر هذه المرة على المواجهة، والتي سيُنهيها حتمًا لصالحهم.

ترجلوا من السيارة و تبعوا يزيد الى حيث يرقد والدها، لتقع عينيها على والدتها التي كانت جالسة على أحد المقاعد تبكي بصمت، و بجانبها خالتها رضا، فشعرت غنى بنبضات قلبها تتسارع مما جعل جسدها يرتجف لتصب ارتجافتها بين كفه الذي يحتضن كفها ليُشدد عليه كدعمٍ صامت كانت بحاجة إليه. لتقف في مواجهة والدتها التي ما أن رأتها حتى هبت من مقعدها وهي تقول بعدم تصديق: غنى...

القى ياسر التحية قائلًا: السلام عليكم. عم مرزوق عامل أيه دلوقتي؟
تفرقت نظرات صابرين ما بينه و بين غنى الصامتة والتي بدت عينيها جامدة و ملامحها كذلك لتُجيبه رضا بنحيب: حالته لا تسُر عدو ولا حبيب.
اندفعت الكلمات قلقة من فم غنى حين قالت: يعني ايه؟ ما تفهمينا!
صابرين بعتب: لسه فاكرة أن ليكِ أب تسألي عليه يا غنى!

كادت أن تصرخ في هذه اللحظة و لكن يد ياسر التي ضغطت عليها أوقفتها عن الحديث ليتولى الإجابة هو قائلًا بجمود: غنى سافرت مع جوزها زيها زي اي واحدة بتتجوز. مش بردو يا حاجة رضا اي ست بتتجوز بيكون مكانها جنب جوزها!
رضا على مضض: أيوا كلامك مظبوط. بس يعني...
قاطعها ياسر بجفاء: مبسش. محدش يوجه كلمة لمراتي. غنى مغلطتش في حاجة، ولا تتلام على حاجة، وأول ما عرفت أن والدها تعبان جت تشوفها على طول.

لوت صابرين فمها قبل أن تتوجه إلى مقعدها مرة آخرى وهي تقول بتهكم: وهي هتبقى محتجانا بعد كدا!
حاوط ياسر كتف غنى بذراعه وهو يقول بخفوت: متركزيش. كبري دماغك.
قام يزيد بحلب أحد المقاعد لتجلس غنى فوقه قبل أن يتمتم بجانب أذن ياسر: عليا النعمة لو البومة دي حماتي لكنت هبدتها بوكس طبقتلها بوزها اللي طوله شبرين دا.
حاول ياسر قمع ابتسامته قبل أن يقول باستفهام: عايز اشوف الدكتور و اعرف حالته ايه؟

التفت ناظرًا الى غنى التي رأت القلق في عينيه، فقالت بطمأنة: روح معاه متقلقش عليا. أنا كويسة.
تدخل يزيد موضحًا: الدكتور في الدور اللي تحتينا مش هنتأخر.
اومأت غنى برأسها ليقول ياسر بحنو: مش هتأخر. هجيب الدكتور وهاجي عشان يطمنك عليه.
مستنياك.

هكذا تحدثت قبل أن يسير ياسر بجانب يزيد و يهبطون الدرج إلى الطابق السُفلي و إذا به يصطدم بهيام التي تحدثت بسخرية: و أخيرًا الريس رجع! ياااه. دا مرزوق الفران طلع له سعر واحنا منعرفش!

الفصل التالي
بعد 11 ساعة و 32 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة